خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً
١٠٧
خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً
١٠٨
قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً
١٠٩
قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً
١١٠
-الكهف

تأويلات أهل السنة

ثم ذكر للمؤمنين من الثواب والجزاء بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، واختاروا فيها مقابل ما ذكر للكفرة؛ فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً}.
كأن الجنان التي وعد للمؤمنين أربعة: جنات النعيم، وجنات المأوى، وجنات عدن، وجنات الفردوس، ثم كان في [كل] واحدة منها - أعني الجنان - فيها معنى الأخرى؛ لأنه قال:
{ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ } [السجدة: 19] وهو ما يؤوي إليه، و { جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ } [المائدة: 65] ظاهر، و { جَنَّاتِ عَدْنٍ } [التوبة: 72] من المقام أو غيره، و {ٱلْفِرْدَوْسِ} سميت فردوساً؛ لأنها تكون ملتفة محفوفة بالأشجار، ففي كل واحدة منها ذلك كله.
وقوله - عز وجل - {نُزُلاً} قيل: منزلاً من النزول.
وقيل: من النزل وهو من الأنزال.
وقوله - عز وجل -: {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} أي: تحولاً، أخبر أنهم لا يملون ولا يسأمون عن نعيمها، كما يمل أهل الدنيا عن نعيمها ويسأمون؛ لأن المسرور بها يمل عن نعمة، ويرغب في أخرى، فأخبر أن أهل الجنة لا يملون فيها، ولا يسأمون، ولهم فيها ما يشتهون، ولهم فيها ما يتخيرون.
وروي أن ابن عباس سأل كعباً عن الفردوس؛ فقال: هي جنات الأعناب بالسّريانية.
وقال بعضهم: ما ذكرنا أنها سميت: [فردوساً] لكثرة أشجارها والتفافها.
وروي عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، الفردوس أعلاها درجة من فوقها يكون الفردوس، منها يتفجر أنهار الجنة الأربعة فإذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس" .
وقال القتبي: {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} أي: تحولاً، وكذلك قال أبو عوسجة: هو من التحول، وقال: {نُزُلاً}، قال: هذا من الطعام والشراب، وجميع النزل: أنزال، وجمع الفردوس: فراديس. وقال القتبي: النزل: ما يقدم للضيف، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي}.
يشبه أن يكون هذا خرج مقابل قوله:
{ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ } [النحل: 89]، وقوله: { وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ } [يوسف: 111] وجواباً لما ذكر فيه تبياناً لكل شيء، وتفصيل كل شي، فقالوا: كيف يحتمل هذا المقدار أن يكون فيه تبيان كل شيء وتفصيل كل شيء؟ فقال - عز وجل - عند ذلك جواباً لقولهم: إنه لو بسط ما أودع فيه من نحو المعاني والحكمة، وشرح ذلك فكتب بما ذكر لبلغ القدر الذي ذكر وازداد.
وقال الحسن: قوله: {لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} أي: لخلق ربي، أي: لو قال ما خلق وأملى: أني خلقت كذا، وخلقت كذا، فيكتب جميع ما خلق، لبلغ القدر الذي ذكر. ويرجع تأويله إلى ما خلق من أصناف الخلق وأجناس الأشخاص.
وقال أبو بكر الأصم: قوله: {لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} لبيان ما خلق ربي، فهو يرجع إلى الأول، وقال: فائدة ما ذكر هو أن يعرفوا أن خلائقه وما أنشأ، لمما يخرج عن الوقوع في الأوهام، فالذي أنشأ ذلك وخلقه أحرى أن يكون خارجاً عن الوقوع في الأوهام والتصور فيها.
والثاني: يعرفوا قدرته وسلطانه، وإحاطة علمه بالخلائق، وما أنشأ فيعلموا: أن من قدر على هذا فهو على البعث الذي أنكروا أقدر، ومن أحاط علمه بما ذكر فهو على الإحاطة بأفعالهم وأقوالهم أعلم وأعرف؛ ليكونوا على الحذر أبداً في كل وقت.
ثم يحتمل قوله: {لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} حججه وآياته التي أقامها على وحدانيته وربوبيته، أي: لو كتب ذلك لبلغ ذلك الذي ذكر.
وإن كان المراد من الكلمات: القرآن، فالتأويل ما ذكرنا بدءاً: أنه كان خرج على الجواب والمقابلة لقول كان منهم، [وهو] ما قاله الحسن وأبو بكر إن كان كلماته خلقه أو البيان عن خلقه.
وقوله - عز وجل -: {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}:
هذا ليس على التحديد، ولكن على التعظيم والإبلاغ، وهو ما قال:
{ وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ } [لقمان: 27] دل هذا على أن قوله: {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}، أن ليس لذلك المدد حدّ ولا نهاية؛ ولكن ذكر على التعظيم له والإبلاغ.
وفيه دلالة أن ليس لما خلق الله من العلوم نهاية ولا غاية يدركها الخلائق، ولكن يؤخذ من كل جنس شيء، فيعمل به.
وفيه أن ليس الأمر بتعلم العلم، والمقصود منه العلم نفسه، ولكن المقصود منه العمل بما يعلم؛ إذ ليس للعلوم نهاية ولا يبلغ ذلك البشر، فدلّ أنّه كما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}.
أمره أن يخبرهم أنه بشر مثلهم، ثم يكون لذلك الأمر وإخباره إياهم أنه بشر مثلهم، وجوه من المعنى:
أحدها: أنهم كانوا يسألونه آيات خارجة عن وسع البشر وطوقهم، فأمره أن يخبرهم أنه بشر مثلهم، لا يقدر على ما يسألونه من الآيات التي تخرج عن وسع البشر وطوقهم، وليس لأحد التحكم على الله، والتخير عليه في شيء، إنما ذلك إلى الله إن شاء أنزل وإن شاء لم ينزل، وأنا لا أملك شيئاً من ذلك.
والثاني: ذكر هذا ليعرفوا أنه إذا جاء من الآيات التي لا يحتمل وسع البشر أن يأتوا بمثلها، أنه إنما أتى بذلك من عند الله لا من ذات نفسه؛ إذ علموا أن وسع البشر لا يحتمل ذلك، فلما أتاهم بذلك إنما أتى بها من عند الله وأنه رسول على ما يقول.
والثالث: أمره أن يقول لهم هذا: إنه بشر مثلهم؛ لئلا يحملهم فرط حبّهم على أن يتخذوه إلهاً ربّاً على ما اتخذ قوم عيسى عيسى إلهاً ربّاً؛ لفرط حبّهم إيّاه.
وقوله - عز وجل -: {فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ} فإن كانت الآية في مشركي العرب - فهم ينكرون البعث ولا يرجونه لكنّه يكون ذكر لقاء ربه لهم؛ لأنهم عرفوا في أنفسهم قديم إحسان الله إليهم [و] نعمه عليهم، فأمروا أن يعملوا العمل الصالح ليستديموا بذلك الإحسان الذي كان من الله إليهم، فيحملهم العمل على التوحيد بالله والإقرار بالبعث.
وإن كانت الآية في المؤمنين، فيكون تأويله؛ {فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ}، أي: ثواب ربه {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً} ليثاب عليه؛ إذ الثواب إنما يكون للعمل الصالح دون غيره، وفيه ما ذكرنا أن المقصود من العلم العمل الصالح، والعلم مما ليس له نهاية فالأمر بطلب ما لا نهاية له ليس لنفسه ولكن للعمل به، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً}، يحتمل: حقيقة الإشراك في العبادة والألوهية، على ما أشرك أولئك: أشركوا الأصنام والأوثان التي عبدوها في عبادته وألوهيته، ويحتمل: المراءاة في العمل الصالح، على ما يرائي بعض أهل التوحيد في بعض ما يعملون من الطاعة والخيرات، والله أعلم بالصواب. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.