خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً
٢٧
وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً
٢٨
وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً
٢٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً
٣٠
أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً
٣١
-الكهف

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ}.
يحتمل: {كِتَابِ رَبِّكَ}: اللوح المحفوظ، أي: بلغ ما أوحي إليك من اللوح الذي عند الله من متلو [وغير متلو]؛ كقوله:
{ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } [المائدة: 67] وهو جميع ما أنزل إليه من المتلو وغير المتلو.
ويحتمل: {مِن كِتَابِ رَبِّكَ}: الكتاب الذي أنزل عليه، وهو القرآن، أي: اتل عليهم ذلك الكتاب، فإن كان هذا ففيه أن القرآن مما يتقرب بتلاوته.
ثم في قوله:
{ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } [المائدة: 67]، وقوله: {وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ} فريضة ضيعناها؛ وذلك أنه أمر رسوله بتبليغ رسالته وما أنزل إليه، ثم معلوم أن من كان في أقصى الدنيا وأبعد أطرافها لم يقدر رسوله أن يتولى التبليغ بنفسه وكذلك بعد وفاته لا يجوز أن يتولى بتبليغه، فكان ذلك القيام يلزم المسلمين وأئمتهم بتبليغه فضيعوا ذلك؛ ولهذا ما رخص - والله أعلم - بدخول المسلمين دار الحرب للتجارة، ودخول أولئك دار الإسلام للتجارة أيضاً؛ لينتهي إليهم خبر هذا الدين؛ حيث علم أنه يكون أئمة في آخر الزمان لا يهتمون لدينه ولا يتولون بتبليغ ما أمروا بتبليغه، ويضيعون أمره، فيلزمهم حجة الله، وإلا ما الحاجة في تلك التجارة والأموال التي يتجرون فيها؟! ولكن ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}:
قال بعضهم: لا مبدل لسنته؛ إذ سنته في المكذبين الإهلاك، والمصدقين النجاة، هذا سنته وإن أمكن تعجيلها وتأخيرها، فأما نفس سنته فهي لا تبدل ولا تحول؛ كقوله:
{ وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً } [الإسراء: 77] و { تَبْدِيلاً } [فاطر: 43].
وقال الحسن في قوله: {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}: ما وعد وأوعد لهم في الدنيا، فذلك في الآخرة لا يبدل ولا يحول؛ إذ وعد للمؤمنين الجنة، وللكافرين العذاب، فذلك لا يبدل.
وقال بعضهم: {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} وهي القرآن لا يتبدل، ولا يغير، ولا يزداد، ولا ينقص؛ كقوله:
{ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ } [فصلت: 42].
وقال بعضهم: {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} لحججه وبراهينه التي جعل لدينه وأقام له ذلك، يلزم الإسلام ودينه، إلا من قصر عليه في العبادة، أو كان المقام عليه الحجة معناداً مكابراً.
وأما من لم يكن هذين المعنيين يسلم لا محالة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً}.
هذا الخطاب وإن كان في الظاهر لرسول الله، فهو يخرج مخرج التنبيه على ما ذكرنا في غير آي من القرآن.
وقوله: {مُلْتَحَداً} قال بعضهم: مدخلا؛ ولذلك سمي اللحد: لحداً؛ لما يدخل فيه.
وقال بعضهم: ملجأ، والله أعلم.
وقوله: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ}.
يحتمل: واصبر نفسك بالغداة والعشي مع الذين يدعون ربهم، فيكون في الأمر بالجلوس لهم بالغدوات والعشيات؛ للتذكير وتعليم العلم، على ما تعارف الناس الجلوس للناس لذلك في هذين الوقتين؛ إذ ذانك الوقتان خاليان عن الأشغال التي تشغلهم عن ذلك [ذكر] الغداة والعشي لما لم يجعل عليهم بعد صلاة الغداة صلاة، وكذلك بعد العصر؛ للذكر الذي ذكرنا وتعليم ما يحتاجون في ليلهم ونهارهم.
أو أن يكون ذلك كناية عن صلاة الفجر والعصر؛ لما جاء لهما من فضل وعيد لم يجئ في غيرهما من الصلوات؛ نحو ما ذكر:
{ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً } [الإسراء: 78]، وما روي في العصر من الوعيد: "من فاته العصر فكأنما وتر أهله وماله" ، ونحوه أمر بصبر نفسه على حفظ هذين؛ لما ذكرنا مع من ذكر.
أو أن يكون لا على إرادة غداة أو عشي، ولكن بالكون مع أتباعه في كل وقت والصبر معهم.
وقال أهل التأويل: ذكر هذا؛ لأن رؤساء كفار مكة سألوه أن يطرد أتباعه من عنده ويتخذ لهم مجلساً، فنزل قوله:
{ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ... } الآية [الأنعام: 52]، وقوله: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ...} الآية.
وقالوا في قوله: {وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} في أصحاب الكهف، يقول: وأخبرهم ما سألوك مما أوحينا إليك من أخبار أصحاب الكهف ولا تزيد ولا تنقص عليه.
فإن كان في أمرهم نزل هذا فرسول الله كان لا يخبرهم إلا ما أوحي إليه وأنزل عليه من أمرهم، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ}.
قيل: لا تتعد عنهم إلى غيرهم.
وقيل: لا تصرف ولا ترفع عينيك عنهم تجاوزهم إلى غيرهم.
{تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: إن كان على تأويل أهل التأويل أنهم سألوه أن يتخذ لهم مجلساً دون أولئك، فيكون تأويل قوله: {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي: تريد أولئك الذين يطلبون منك مجلساً على حدة يريدون بذلك زينة الحياة الدنيا لا يريدون بذلك وجه الله.
والثاني: لو فعلت ما سألوك كان فعل ذلك [كفعل] من يريد زينة الحياة الدنيا؛ لأن المجلس الذي يحضره الأشراف والرؤساء إنما يراد به زينة الحياة الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا}.
تأويل الآية على قولنا ظاهر، نحن نقول على ما نطق ظاهر الآية: من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، أي: من خلقنا ظلمة الكفر بكفرهم في قلوبهم، أو خذلناهم بكفرهم الذي فعلوا.
وأما المعتزلة فإنهم قد تحيروا فيه وتاهوا وأكثروا التأويلات فيها، حتى أن منهم من صرف القراءة عن وجهها فقال: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا} بنصب اللام، و {قَلْبَهُ} برفع الباء، معناه: أن من أغفل قلبه عن ذكرنا على قول المعتزلة، على صرف الفعل إلى القلب، وكذلك قالوا في قوله:
{ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ } [الفلق: 2]؛ ليصح على مذهبهم ويستقيم.
ومنهم من قال: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا}، أي: لا تطع من وجدنا قلبه غافلا، وقال: ذلك مستقيم في اللغة؛ يقال: قاتلناهم فيما أجبَنَّاهم، أي: ما وجدناهم جبناء، ويقال: فسألناهم فما أبخلناهم، أي: ما وجدناهم بخلاء، ونحوه من الكلام، وهو تأويل الجبائي فيما أظن.
وقال بعضهم: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ}، أي: من خلينا بينه وبين ما يفعل وهو كما يقال لمن خلى عبده حتى أفسده كثيراً من الناس يقال: سلطت عبدك على الناس، وهو لم يسلطه عليهم، لكنه يقال له؛ لما قدر على منعه عن ذلك والحيلولة بينه وبين ما فعل أضيف ذلك إليه؛ فعلى ذلك قوله: {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} أي: خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم، وهو تأويل جعفر بن حرب.
وقال بعضهم: أضاف ذلك إلى نفسه للأسباب التي أعطاهم من السعة والغناء والشرف في الدنيا، فتلك الأسباب التي أعطاهم هي التي حملتهم على ذلك؛ فأضيف إليه ذلك لذلك، وهو ما قال:
{ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } [الزخرف: 32] وهو تأويل أبي بكر الأصم.
وقال الحسن: {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ} أي: خذلناهم وطبعنا على قلوبهم، وهو يقول: إن للكفر حدّاً إذا بلغ ذلك الحد يخذله ويطبع على قلبه؛ فلا يؤمن أبداً.
فيقال: خذله في أول حال الكفر أو بعد ذلك بأوقات وزمان.
فإن قال: في أول حال كفره فهو قولنا.
وإن قال: لا في أول حاله، ولكن بعد زمان، فهو كافر موفق ومؤمن مخذول على قوله، فنعوذ بالله مما قال.
ثم الجواب للأول ما ذكرنا من صرف التنزيل عن وجهه وظاهره، فلو جاز لهم ذلك، [لجاز] لغيرهم صرف جميع الآيات عن ظاهر التنزيل، وذلك بعيد محال.
وأما تأويل الجبائي، أي: ما وجدناهم كذا، فإنما يسوغ له هذا إذا كان جميع حروف (أفعل) يخرج على ما يقوله في اللغة، فأمّا أن يقال في بعض، فإن ذلك غير مستقيم.
وبعد فإنه لو كان كما ذكر لكان يقول: (ولا تطع من أغفلته عن ذكرنا)، أي: وجدته غافلا عن ذكرنا؛ لأنه نهى عن أن يطيع من وجده غافلا، فهو لا يعلم من وجده الله غافلا، إنما يعلم من وجده بنفسه غافلا.
فأما إذا كان ما ذكرنا لم يكن للنهي عما ذكر معنى؛ فدل أن تأويله فاسد وخيال، وأن إضافته إليه لمعنى يكون من الله.
وأما جواب جعفر بن حرب أنه على التخلية والتسليط، فهو إنما يقال: سلطت عبدك على كذا على الذم لا على المدح؛ فلا يجوز أن يقال ذلك في الله على الذم ويضاف إليه أيضاً ذلك.
وكذلك يقال لأبي بكر حيث قال: إنما أضاف ذلك إليه للأسباب التي ذكر أنه أعطاهم، يقال له: ذلك يضاف على الذم: إنك أعطيت كذا حتى فعل كذا، فأما أن يقال على المدح فلا؛ فيبطل قوله وتأويله؛ فدل إضافة ذلك إلى نفسه أنه كان منه في ذلك معنى يستقيم إضافته إليه، وهو ما ذكرنا من خلق الظلمة في قلوبهم بكفرهم الذي اختاروا وخذلانه إياهم لما اختاروا وآثروا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}.
قال بعضهم: {فُرُطاً} أي: ضياعاً وهلاكاً.
وقال بعضهم: {فُرُطاً} أي: خسرانا وخساراً.
وقال أبو عوسجة: هو من التفريط.
وقال غيره: أفرط في القول كما قال: (إنا رءوس من مضر إن نسلم يسلم الناس بعدنا) على ما ذكر في بعض القصة.
وقال أبو عبيدة: فرطاً، أي: ندماً.
وقوله - عز وجل -: {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ}.
كأنه على الإضمار، أي: قل: قد جئتكم بالحق من ربكم.
أو يقول: قل لهم: قد تعلمون أني قد جئتكم من الآيات والحجج على ما أدعوكم إليه ما لا يحتمل بليتي ويخرج عن وسعي وطاقتي.
وقوله - عز وجل -: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}.
ثم يحتمل هذا وجوهاً:
أحدها: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر؛ فإنه إنما يعمل لنفسه ليس يعمل لأحد سواه؛ كقوله:
{ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا } [فصلت: 46]، وقوله: { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ... } الآية [الإسراء: 7]؛ فعلى ذلك يقول، والله أعلم.
والثاني: يقول: إني بلغت الرسالة إليكم فلا أكرهكم أنا على الإسلام ولا أحد سواي، فمن شاء منكم فليؤمن ومن شاء فليكفر، فإنه إنما يؤمن باختياره ومشيئته، ومن كفر فإنما يكفر باختياره ومشيئته لا يكره على ذلك.
والثالث: أن الإيمان والكفر قد بين الله لهما العواقب ما عاقبة من اختار الإيمان وما عاقبة من اختار الكفر، وهو ما قال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا...} إلى آخر ما ذكر، وقال للمؤمنين: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ...} الآية. يقول: قد بين لكل واحد منهما عاقبة، فمن شاء اكتسب لنفسه في العاقبة الجنان وما فيها من النعيم، ومن شاء اكتسب ما ذكر في العاقبة من النار وأنواع العذاب، فذلك كله يخرج على الوعيد.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} وقت دخولهم النار أو هو في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} يحتمل هذا وجهين:
أحدهما: على إرادة حقيقة السرادق.
والثاني: على التمثيل، أي: يحيط بهم النار فلا يقدرون على الخروج منها على ما يمنع السرادق من الخروج في الدنيا ودفع الحرّ والبرد، فإن كان على حقيقة السرادق فهو - والله أعلم - على ما جعل الله لهم من أنواع ما كانوا يتفاخرون في الدنيا من اللباس والطعام والشراب وغير ذلك يجعل لهم في الآخرة من ذلك النوع من النار، وهو ما ذكر:
{ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ } [إبراهيم: 50]، وما قال: { لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ } [الغاشية: 6] والشراب ما ذكر من الصديد والغسلين، وغير ذلك من النوع الذي كانوا يتفاخرون به في الدنيا ويمنعهم عن الإيمان جعل لهم في الآخرة من ذلك النوع من النار وبه يعاقبهم، فعلى ذلك جائز أن يكونوا يتفاخرون به في الدنيا بالسرادق إذا خرجوا في السفر، فيعاقبهم الله في النار بذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ}.
يحتمل استغاثتهم هو ما ذكر في الآية
{ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ } [الأعراف: 50] فيغاثون {بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ}، ويحتمل: أن يطلبوا في النار الماء بعدما طعموا فيها منها فيغاثون بالمهل.
ثم المهل: قال عامتهم: المهل: هو دردي الزيت أو العصير، لكنهم اختلفوا في معنى التشبيه به:
قال بعضهم: يشبه به لغلظه؛ لأن الشيء الغليظ يكون ألصق وآخذ من غيره.
وقال بعضهم: شبهه به لسواده.
وقال الحسن وأبو بكر: تشبيهه به؛ لكثرة تلونه من الحمرة والصفرة والسواد ونحوه لشدته، وهو ما ذكر:
{ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ } [المعارج: 8] شبهه كالمهل لتلونه؛ لشدة ذلك اليوم وهوله.
وقوله - عز وجل -: {يَشْوِي ٱلْوجُوهَ} ذلك الشراب، {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً} أي: ساءت النار مرتفقا، اختلف فيه:
قال بعضهم: المرتفق: المتكأ.
وقال بعضهم: المجتمع، أي: بئس الاجتماع.
وقال بعضهم: مجلساً.
وقال بعضهم: بئس المنزل النار قرناؤهم فيها الكفار والشياطين.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}.
قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير كأنه قال: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، ثم قال: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ...} إلى آخر ما ذكر.
وقال بعضهم: ليس على التقديم والتأخير، ولكن على ما ذكر أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، ثم بين ما لهم فقال: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ...} إلى آخر ما ذكر.
قال أبو عوسجة: السرادق: البناء الذي يبنى من الكرابيس يشبه الدار والحجرة، {وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً}، أي: متكأ ومنزلا.
وقال القتبي: السرادق: الحجرة التي تكون حول الفسطاط، قال: وهو الدخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الظل ذو الثلاث الشعب، و {كَٱلْمُهْلِ} دردي الزيت، ويقال: ما أذيب من النحاس والرصاص، و {وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً}، أي: مجلسا وأصل الارتفاق: الاتكاء على المرفق.
وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ}.
يذكر ثواب المؤمنين الذين تركوا شهواتهم في الدنيا لها.
{وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ}.
قالوا: الإستبرق: الديباج الغليظ، والسندس: وهو الرقيق والغليظ منه لا يلبس، لكنه كأنه جمع بين ما يلبس وبين ما يبسط، فذكر اللبس لما يلبس، كما يقال: أطعمت فلاناً طعاماً وشراباً والشراب لا يطعم.
وقيل: إن الإستبرق هو الرقيق من الديباج بلغة قوم، فإن كان ما ذكر فكأنه إنما ذكر ذلك لأولئك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ}.
قال بعضهم: {ٱلأَرَآئِكِ}: السرر في الحجال، والأريكة: السرير في الحجلة.
وقال بعضهم: {ٱلأَرَآئِكِ}: السرر عليها حجال.
وقال أبو عوسجة: {ٱلأَرَآئِكِ}: الوسادة.
{وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} قيل: منزلا.
وأصل هذا: أنه وعد لهم في الآخرة ما كانت أنفسهم ترغب فيه في الدنيا ليتركوا ذلك في الدنيا للموعود في الآخرة، وكذلك حذرهم في الآخرة بأشياء تنفر [منها] أنفسهم وطباعهم في الدنيا؛ ليحذروا ما يستوجبون الموعود في الآخرة، والله أعلم.