خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ
١٦
لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ
١٧
بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ
١٨
وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ
١٩
يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ
٢٠
-الأنبياء

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ}.
أخبر أنه لم يخلق السماء والأرض وما بينهما لتكونا سماء وأرضاً على ما هما عليه ثم تفنيان، ولكن خلقهما لعاقبة قصدها، وهو أن يمتحن أهلها؛ لأن من عمل في الشاهد عملا لا يقصد به عاقبة يأمل ويرجو أمراً فهو في عمله عابث لاهٍ، ولو كان على ما عند أولئك الكفرة بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا ثواب لكان إنشاؤهما وما بينهما باطلا لعباً؛ كقوله:
{ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } [المؤمنون: 115]، صير عدم الرجوع إليه [بعد] خلقهم عبثاً باطلا.
وقال الحسن: لم يخلقهما عبثا، ولكن خلقهما لحكمة من نظر إليهما دلاَّه على وحدانية منشئهما وسلطانه وقدرته وحكمته وعلى علمه وتدبيره.
وقوله - عز وجل -: {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ}.
قال بعضهم: {لَهْواً} أي: زوجة، لكن هذا بعيد؛ لأنه احتج عليهم على نفي الولد بنفي الصاحبة بقوله:
{ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ } [الأنعام: 101]، فلولا أنهم أقروا وعرفوا أن لا صاحبة له، وإلا لم يكن للاحتجاج عليهم على نفي [الولد] بنفي الصاحبة معنى، ويكون قوله: {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً} أي: ولداً؛ لأن الناس يتلهون بالولد فسماه: لهواً لذلك، قال: {لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ} هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: {لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ} بحيث لا تبلغه أفهامكم ولا يدركه علمكم؛ لأن الولد يكون من جنس الوالدين ومن شكلهما، وسبيل معرفته وعلمه الاستدلال الحسي، فإذا لم يعرفوه هو بالحسي فكيف يعرفون من هو يكون منه لو كان؟!
والثاني: أن الغائب إنما يعرف بالاستدلال بالشاهد، فلو كان له الولد على ما تزعمون لكان لا يعرف؛ لأنه لا صنع للولد في الشاهد؛ إذ هو الواحد المتفرد بإنشاء العالم، فيذهب معرفة الولد إدراكه لو كان على ما تزعمون.
وقوله: {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ}، ليس على أنه يحتمل أن يكون له الولد، أو أن يحتمل أن يتخذ ولداً، ولكن لو احتمل أن يكون لم يحتمل أن يدرك ويعلم، وكذلك يخرج قوله:
{ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } [الأنبياء: 22] ليس أنه يحتمل أن يكون فيهما آلهة، ولكن لو احتمل أن يكون فيهما آلهة لفسدتا.
وقوله - عز وجل -: {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ}.
يشبه أن يكون الحق الذي أخبر أنه يقذف على الباطل القرآن الذي أنزله على رسوله أو الرسول نفسه، أو الآيات التي جعلها لوحدانيته أو ألوهيته.
{فَيَدْمَغُهُ}، أي: يبطل ذلك الذي قالوا في الله ما قالوا من الولد والصاحبة وغيره مما لا يليق به.
{فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}، أي: هو ذاهب متلاشٍ.
وقوله - عز وجل -: {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}: من الولد والصاحبة وجميع ما وصفوه مما لا يليق به.
وقوله - عز وجل -: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، كأنه ذكر هذا جوابا لقولهم، وردّاً على وصفهم إياه بالذي وصفوه، فقال: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: له من في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه، ولا أحد في الشاهد يتخذ لنفسه ولداً من عبيده وإمائه، فإذا لم تروا هذا في الخلق أنفاً من ذلك واستنكافاً، فكيف قلتم ذلك في الله سبحانه وتعالى، وأضفتم إليه.
أو أن يخبر غناه عن الخلق بأن له من في السماوات والأرض والولد في الشاهد إنما يطلب لحاجة تسبق، فإذا كان الله - سبحانه وتعالى - غنيّاً بذاته بما ذكر أن له كذا لا حاجة تقع له إلى الولد، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا.
وقوله - عز وجل -: {وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ}.
يشبه أن يكون ذكر هذا لقولهم: "الملائكة بنات الله"، فأخبر أنهم ليسوا كما وصفوهم ولكنهم عبيد لي، هم لا يستريحون عن عبادتي ولا يفترون.
أو أن يكون ذكر هذا لمكان من عبد الملائكة واتخذهم آلهة دونه، فأخبر أنهم لا يستكبرون عن عبادتي ولا يفترون، ولم يدعوا هم الألوهية لأنفسهم، فكيف نسبتم الألوهية إليهم وعبدتموهم دوني؟ أو أن يكون قال ذلك: إنكم إن استكبرتم عن عبادتي، فلم يستكبر عنها من هو أرفع منزلة وأعظم قدراً منكم، {يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} ينزهون الله ويبرئونه عما وصفه الملحدة من الولد وجميع ما قالوا فيه مما لا يليق به.
وهذه الآية تنقض قول المعتزلة ومذهبهم حيث قالوا: إن الأعمال لأنفسها متعبة منصبة، ولو كانت الأفعال لأنفسها متعبة على ما ذكروا، لكان البشر والملائكة فيها شرعاً سواء، فلما أخبر عنهم أنهم لا يعيون ولا يفترون ولا تتبعهم العبادة؛ دل أنها صارت متعبة لصنع غير فيها لا لأنفسها، وهذه المسألة في خلق أفعال العباد: هم ينكرون خلقها، ونحن نقول: هي خلق الله - عز وجل - كسب للعباد، وقد ذكرنا هذا في غير موضع كلاماً كافياً.
قال أبو عوسجة: {فَيَدْمَغُهُ} أي: يبطله.
وقال غيره: يهلكه، وهو من قولك: ضربت الرجل فدمغته: إذا وصلت الضربة إلى الدماغ، وإذا كان كذلك مات؛ فكذلك يدمغ الحق الباطل، أي: يهلكه.
وقوله: {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}، أي: ذاهب وميت، زهق إذا مات وهلك، والزاهق في غير هذا السمين.
{وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} أي: لا يعيون، ومنه حسير ومحسور أيضاً، {لاَ يَفْتُرُونَ} والفتور: الإعياء أيضاً.