خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ
٧٨
فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ
٧٩
وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ
٨٠
وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ
٨١
وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ
٨٢
-الأنبياء

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ...} الآية.
قال بعض الناس: دل تخصيص سليمان بالتفهيم على أنه لم يفهم داود ذلك، ويدل على ذلك وجوه:
أحدها: إشراكه - عز وجل - إياهما جميعاً في الحكم والعلم وغيره؛ حيث قال: {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ}، وقال: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}، ذكر ما كانا مشتركين فيه، وخص سليمان بالتفهيم؛ فدل التخصيص بالشيء أحدهما والإشراك في الآخر على أنه كان مخصوصاً به دون الآخر.
والثاني: أن هذه الأنباء إنما ذكرت لنا لنستفيد بها علماً لم يكن، فلو لم يكن سليمان مخصوصاً بالفهم دون داود، لكان [لا] يفيدنا سوى الحكم والعلم، وكنا نعلم أنهما قد أوتيا حكما وعلما، وكانا يحكمان بالعلم، فإذا كان كذلك، فدل التخصيص بالتفهيم لأحدهما على أن الآخر لم يكن مفهما ذلك، والله أعلم.
والثالث: فيه دلالة: أن المجتهد إذا حكم وأصاب الحكم أنه إنما أصاب بتفهيم الله إياه وبتوفيقه؛ حيث أخبر أنه قد آتاهما جميعاً العلم، ثم خص سليمان بالتفهيم، والتفهيم هو فعل الله؛ حيث أضاف ذلك إلى نفسه.
ثم إن كان ما ذكرنا كان في ذلك دلالة لأصحابنا، فيمن قتل مسلما في دار الحرب أسلم هنالك: أن عليه الكفارة، وليست عليه الدية؛ حيث قال:
{ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } [النساء: 92] ذكر في الأولين الدية والكفارة جميعاً، ثم خص الثالثة بذكر الكفارة دون الدية؛ فدل التخصيص له بأحدهما على أن ليس عليه الآخر؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لكان يذكر في الأول الدية والكفارة، ولا يذكر في الآخرين، فيكون ما ذكر في الأول غير مذكور في الآخرين، أو لا يذكر ذلك كله في الكل، فإذا لم يفعل هكذا، ولكنه ذكر كل الواجب في الاثنين على الإبلاغ، وترك في الواحد أحدهما وذكر الآخر؛ فدل تخصيص الثالث بأحد الحكمين على أن ليس عليه الآخر.
ثم استدلوا بهذه الآية على جواز العمل والقضاء باجتهاد الرأي، فمنهم من استدل بإصابة المجتهد فيما يجتهد، وإن لم يصب هو الحكم الذي هو حكم عند الله فيه حقيقة، وهو قول من يقول: كل مجتهد مصيب فيما عليه من الاجتهاد في تلك الحادثة، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
ومنهم من يستدل به بخطأ أحد المجتهدين وعذره في خطئه، فيذهب إلى أن المقصود مما كلف من الحكم في ذلك واحد لا حكمين مختلفين، فإذا كان المقصود مما كلف من الحكم فيه واحد؛ فلا يجوز أن يحكم اثنان في شيء واحد بحكمين مختلفين والمقصود فيه واحد، فيكونان جميعاً مصيبين، خص أحدهما بالتفهيم بقوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}، فلو كانا جميعاً مصيبين كانا جميعاً مفهمين، فإذا أخبر أنه فهم سليمان ولم يفهم الآخر، دل أن المصيب هو المفهم منهما، وهو قول أبي حنيفة وبشر وغيرهما.
ومن استدل بإصابته يستدل بقوله: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} أخبر أنه آتاهما حكما وعلما؛ فدل ذلك على أنه لم يكن عليهما غير ما فعلا وحكما فيه، وإن لم يصيبا الحكم الذي هو حكم حقيقة عند الله.
ثم ذكر في الآية: أنهما يحكمان في الحرث، ولم يذكر أنهما حكما بالضمان والبراءة عن الضمان وأي شيء كان حكمهما؛ فدل ترك بيان ما حكما فيه على أن ليس علينا ذلك الحكم؛ إذ بين لنا ما علينا العمل فيه وهو العمل بالاجتهاد؛ حيث قال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}، ولم يبين لنا الحكم الذي حكما فيه، فدل بيان أحدهما وترك بيان الآخر على أن ليس علينا الذي ترك ذكره وبيانه، إلا أن أهل التأويل حملوا حكمهما على الضمان والبراءة، وعلى ذلك روي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: روي:
"أن ناقة لرجل هاربة دخلت حائط رجل فأفسدت ما فيه، فكلم رسول الله فيها، فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ المواشي بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ما شيتهم بالليل" .
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَا أَصَابَتِ الماشيةُ بالليلِ فعَلَى أهلِهَا، ومَا أَصَابَتْ بالنهارِ فليسَ على أهلِهَا منه شَيءٌ" ، لكن الخبر إنما جاء في المدينة، وفي المدينة إنما ترعى الماشية في السكك؛ إذ ليس لها مراعٍ، ونحن نقول: إن من أرسل ماشية في مكان لا مرعى لها إلا كرم إنسان أو حائط فأفسدته، فالواجب عليه الضمان: ضمان ما أفسدت، وهو كمن يرسل الماء في ملكه في مكان لا يقر فيه، فتعدى إلى ملك جاره فأفسده - فعليه ضمان ما أفسده منه.
ومن الناس من يجعل الخبر منسوخاً بما جاء: (جرح العجماء جبار)، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، وإنما يكون جرحها جبارا إذا تعدت هي من غير إرسال صاحبها، فأما إذا كان يصنع صاحبها فعليه الضمان، والله أعلم.
وقال القتبي: {نَفَشَتْ} أي: رعت ليلا، يقال: نفشت الغنم بالليل، وهي إبل نفش وأنفاش واحدها: نافش، وسرحت وسربت بالنهار.
وقال أبو عوسجة: {نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ}، يقال: أنفشنا الغنم: إذا أثرناها في الليل فرعت، وهو النفش ونفشت، أي: انتشرت بغير علم أهلها، ونفشت تنفش نفشاً فهي نافشة.
قال أبو عبيدة: النفش بالليل: أن تدخل في زرع فتأكله، أو رعت فتأكل.
وقوله - عز وجل -: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ}.
ذكر التسبيح هنا في الجبال ولم يذكر في الطير، ولكن ذكر في آية أخرى حيث قال:
{ وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ } [ص: 19]: أي: يسبح له.
ثم يحتمل أن يكون تسبيح الجبال هاهنا والطير تسبيح خلقة، لكنه لو كان تسبيح خلقة لكان تسبيحها مع داود وغيره سواء، وقد ذكر يسبحن مع داود؛ ليعلم أن الله جعل لهذه الأشياء تسبيحاً يسبحن الله ويذكرونه، كذلك ما روي في الأخبار
"أن الطعام يسبح في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم" ، وروي "أنه أخذ حجراً فسبح في يده" ، وأنه أخذ كذا فسلم عليه، وأمثال هذا كثير، وذلك كله آية لرسل الله على رسالتهم.
وقوله - عز وجل -: {وَكُنَّا فَاعِلِينَ}.
أي: كنا فاعلين ما نريد: إن أردنا أن يسبحن، يسبحن، وإن أردنا ألا يسبحن، لا يسبحن، أي: كنا فاعلين جميع ما نريد، ليس كالخلائق؛ لأنهم يريدون أشياء لا تلتئم لهم.
وقوله - عز وجل -: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ}، وقال في آية أخرى:
{ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ * أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ... } الآية [سبأ: 10-11].
ثم يحتمل قوله:
{ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } [سبأ: 10] أي: علمناه السبب الذي به يلين الحديد فيصنع به ما شاء، كما علم غيره من الخلق السبب الذي يلين به الحديد.
ويحتمل أن جعل له الحديد ليناً بلا سبب؛ تسخيراً له كما سخر له غيره من الأشياء الشديدة الصلبة، كما أعطى ولده عين القطر حيث قال:
{ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ } [سبأ: 12] وذلك لم يكن لأحد سواه. وكذلك الحديدَ ألان لوالده حتى يعمل به ما شاء ما لم يكن ذلك في حديد سواه، {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ} قيل: دروع الحديد {لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ} أي: تقيكم من بأسكم، أي: من عدوكم ومن أمر حربكم، وفيه قرأت: {لِتُحْصِنَكُمْ} بالتاء: و(ليحصنكم) بالياء: و (لنحصنكم) بالنون.
قال الكسائي: من قرأ بالتاء: {لِتُحْصِنَكُمْ} أي: الصنعة تحصنكم من بأسكم، ومن قرأ بالياء (ليحصنكم) أي: اللبوس يحصنكم من بأسكم، ومن قرأ بالنون: (لنحصنكم) فإنه يقول: نحصنكم بهن من بأسكم.
وقوله - عز وجل -: {فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} ما أعطاكم من النعمة التي ذكر من تسخير الجبال له والطير والحديد والرياح وغيره، فهل أنتم شاكرون ذلك، أي: اشكروا له في نعمه؛ لأن الاستفهام من الله على الإيجاب والإلزام.
وقوله - عز وجل -: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ} ذكر هاهنا "عاصفة"، وقال في آية أخرى:
{ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ } [ص: 36] أي: لينة، فهو يحتمل وجوهاً:
قال بعضهم: كأنها تشتد إذا أراد سليمان وتلين إذا أراد.
وقال بعضهم: كانت تشتد وقت حمل السرير وتلين وقت سيره.
ويحتمل أن تكون عاصفة شديدة في الخلقة، لكنها كانت تلين له وترخو؛ فكأنه يقول: سخرنا لسليمان الريح العاصفة الشديدة حتى كانت تلين له.
وقوله: {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} لا تقصد غيرها.
وقوله - عز وجل -: {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ * وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ} ذكر نعمه التي كانت عليهم حيث أخبر أنه سخر لهما أشد الأشياء وأصلبها من نحو الجبال والرياح والبحار والحديد والشياطين أيضاً - وهم أعداءٌ لبني آدم سخر لهم الأعداء: الشياطين، والرياح.
وقوله - عز وجل -: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} يحتمل وجوهاً: أحدها: وكنا لهم حافظين، حتى لا يضلوا الناس.
وقال بعضهم: وكنا لهم حافظين على سليمان؛ لئلا يتفرقوا عنه؛ لأن سليمان كان لا يملك إمساكهم واستعمالهم، لكن الله سخرهم له حتى عملوا له وذَلُّوا له وخضعوا.
والثالث: وكنا لهم حافظين عن الخلاف له. والله أعلم.