خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ
٣
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ
٤
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
٥
ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٦
وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ
٧
-الحج

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} ذكر المجادلة في الله، ولم يبين فيم جادلوا؟ وقد كانت مجادلتهم من وجوه:
منهم من جادل في مشيئة الله تبارك وتعالى.
ومنهم من جادل: أن هذا العالم منشأ أم لا؟
ومنهم من جادل في وحدانية الله تعالى: واجد أو عدد؟
ومنهم من جادل في بعث الأنبياء وإرسال الرسل.
ومنهم من جادل في إنزال الكتب.
ومنهم من جادل في دين الله - تعالى - المدعو إليه.
وبمثل هذا قد كثرت مجادلاتهم فيما ذكرنا، وكل ذلك كان مجادلة بغير علم؛ لأنهم لو تفكروا في هذا العالم، ونظروا فيه حق النظر لعرفوا أن لهذا العالم منشئاً، وأنه واحد لا عدد، وأنه عالم قادر بذاته، وأنه بعث الرسل والكتب، وعرفوا أيضاً أنه يبعث هذا العالم ويحييهم، وأنه قادر على ذلك، لكنهم [لم] يتفكروا فيه، ولم ينظروا حق النظر، فجادلوا فيه بغير علم.
وقوله - عز وجل -: {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} يحتمل أن يكون قوله: {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ}: الشيطان المعروف نفسه، يتابعه في كل ما يدعوه.
وجائز أن يكون أراد أنه يتبع كل من يعمل عمل الشيطان، وهم القادة الذين كانوا يدعون إلى اتباع ما يدعو الشيطان ويوحي إليهم
{ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ } [الأنعام: 121]، أخبر أن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوكم، فذلك معنى قوله: {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} قيل: فعيل بمعنى فاعل، على ما ذكر في آية أخرى: { مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ } [الصافات: 7] قال بعضهم: كل متمرد في العناد والمكابرة، فهو مارد.
وقال بعضهم: المارد: هو المجاوز عن جنسه في عتوه وتمرده؛ ولذلك سمي الذي لا لحية له: أمرد؛ لخروجه ومجاوزة أجناسه ورجاله، والمارد بالفارسية: ستنبه.
وقوله - عز وجل -: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ} قال بعضهم: كتب على الشيطان أن من تولاه واتبعه أن يضله {وَيَهْدِيهِ} أي: يدعوه {إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ}، وهو ما قال في آية أخرى:
{ أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } [لقمان: 21].
وقال بعضهم: كتب على من تولى الشيطان واتبعه أنه يضله، أي: يدعوه إلى ما به ضلاله وهلاكه.
وقوله: قيل: حكم.
وقيل: قضى.
و {كُتِبَ} يحتمل الإثبات، أي: أثبت في أم الكتاب: أن من تولى الشيطان واتبعه أنه يضله، وقد ذكر إضلال الشيطان في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} أي: خلقنا أصلكم من تراب، وخلقنا أولاده من نطفة {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ...} الآية.
تأويله - والله أعلم -: أن كيف تشكون في البعث وتنكرونه وليس سبب إنكاركم البعث إلا أن تصيروا تراباً أو ماء في العاقبة، وقد كنتم في مبادئ أحوالكم تراباً وماء، فكيف أنكرتم بعثكم إذا صرتم تراباً؟
أو أن يكون معناه: أن كيف أنكرتم البعث وقد رأيتم أنه يقلبكم من حال النطفة إلى حال العلقة، ومن العلقة إلى المضغة، ولا يقلب من حال إلى حال بلا عاقبة تقصد، فلو لم يكن بعث - كما تزعمون - لكان خلقكم وتقليبكم من حال إلى حال عبثاً؛ على ما أخبر: أن خلق الخلق لا للرجوع إليه عبث، كقوله؛
{ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } [المؤمنون: 115] صيرّ خلق الخلق لا للرجوع إليه عبثاً، فعلى ذلك الأوّل.
أو أن يكون تأويله - والله أعلم -: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ...} إلى آخر الآية، ولو اجتمع حكماء البشر وعلماؤهم ليعرفوا السبب الذي خلق البشر من ذلك التراب أو من النطفة - ما قدروا عليه، وما وجدوا للبشر فيه أثرا، ولا معنى البشرية فيه، فمن قدر على ابتداء إنشاء هذا العالم من التراب أو من النطفة من غير سبب يوجد فيه، ولا أثر - لقادر على إعادتهم، وإعادة الشيء في عقولكم أهون وأيسر من الابتداء، فمن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر.
وقوله: {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}.
قال بعضهم: {مُّخَلَّقَةٍ}: أي مخلوقة خلقا، و {وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}: أي غير مخلوقة خلقا، نطفة على حالها.
وقال بعضهم: {مُّخَلَّقَةٍ} أي: تامة، و {وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} أي: غير تامة خلقاً، وهو الأشبه؛ لأن التشديد إنما يذكر لتكثير الفعل، والتخفيف لتقليله، فكأنه قال: {مُّخَلَّقَةٍ}، أي: قد أتم خلقها من الجوارح والأعضاء، و {وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}، أي: غير تامة خلقا، بل ناقصة.
وقوله: {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى...} كأن قوله: {وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ} موصولا بقوله: {مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} ثم {وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}: من ستة أشهر إلى سنتين، أو ما شاء الله {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ} من الأرحام بعد الإقرار فيها {طِفْلاً} قال بعضهم: ثم نخرج كلا منكم طفلا.
وقال بعضهم: واسم الطفل يجمع ويفرد.
{ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ} قال بعضهم: الأشد هو ثلاث وثلاثون سنة.
وقال بعضهم: هو من ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وأصل الأشد: هو من اشتداد كل شيء، وتقوي كل شيء فيه من الجوارح والأعضاء، وكل ما ركب فيه من العقل وغيره، ثم عند ذلك يبين لهم، ويكون قوله: {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} بعد هذا كله إذا بلغوا المبلغ الذي يعرفون تقليبه إياهم من حال إلى حال، على ما ذكر، ثم يحتمل قوله: {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} وجوهاً:
أحدها: يبين قدرته وسلطانه: أن من قدر على تحويلهم من حال التراب إلى حال الإنسانية والبشرية، ومن حال النطفة إلى حال العلقة ... ثم إلى آخر ما ذكر لقادر على البعث والإحياء بعد ما صاروا تراباً.
أو يبين علمه في الظلمات الثلاث التي كان الولد فيها أن كيف قلبه من حال إلى حال في تلك الظلمات؛ ليعلموا أنه لا يخفى عليه شيء.
أو يبين حكمته وتدبيره في خلق الإنسان من التراب ومن النطفة ما لو اجتمع جميع الحكماء من البشر والعلماء؛ ليعرفوا المعنى الذي به خلق الإنسان منه وصار به بشراً ما قدروا عليه، ولا عرفوا السبب الذي به صار كذلك؛ ليعلموا أنه حكيم بذاته وعالم قادر بذاته، لا بتعليم غيره، ولا بإقدار غيره، فمن كان هذا سبيله لا يعجزه شيء؛ ينشئ الأشياء من الأشياء ولا من الأشياء على ما شاء وكيف شاء.
وقوله: {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} أي: من يتوفى قبل أن يبلغ أشده، دليله قوله: {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} أي: من قبل أن يبلغ ذلك المبلغ وهو الأشد، {وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} أي: إلى وقت ما يستقذر ويستخبث، ليس كالصغير؛ لأن الصغير والطفل مما يؤمل منه في العاقبة المنافع والزيادات، [و]هذا لا يرجى منه ولا يؤمل منه العاقبة، كلما مرّ عليه وقت كان أضعف في عقله ونفسه، ولا كذلك الصغير، وهو ما قال:
{ خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً } [الروم: 54].
قال القتبي: {أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ}: أي: الخرف والهرم.
وقوله: {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} أي: لكيلا يعلم من بعد ما كان يعلمه شيئاً.
ثم ذكر قدرته وسلطانه فقال: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} قال بعضهم: ميتة، وقيل: مشققة، وقيل: يابسة، وقيل: بالية.
وقوله: {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} قال الزجاج: {وَرَبَتْ}: من الزيادة والنماء، وكذلك قال أبو عوسجة: يقال: ربا يربو، أي: زاد، وهو من الربا، وربا من الارتفاع، ربا يربو ربوة، كقوله:
{ وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } [المؤمنون: 50].
ثم أضاف الاهتزاز والزيادة إلى الأرض، وهي لا تهتز ولا تربو، إنما يربو ويهتز ما يخرج منها من النبات، لكن أضاف ذلك إليها لما بها كان اهتزاز ذلك النبات، وبها كان النماء؛ فاضيف إليها.
أو إن كان من الارتفاع والربوة، فهي ترتفع وتنتفخ وتهتز بالمطر.
وقوله: {وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} قيل: البهيج: الحسن؛ يخبر في كل هذا قدرته وسلطانه: أن من قدر على إحياء الأرض بعد ما كانت يابسة ميتة، لقادر على إحياء الموتى بعد الموت، وبعد ما صاروا تراباً.
وقوله: {مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} أي: من كل جنس حسن {بَهِيجٍ} أي: يسر، وهو فعيل بمعنى فاعل، يقال: امرأة ذات خلق باهج.
وقال أبو عوسجة: الهامد: البالي، يقال: همد الثوب: إذا بلي، والهامد أيضاً: الخامد، خمدت النار تخمد خموداً.
وقال بعضهم: قوله: {وَرَبَتْ} أي: أضعفت النبات.
وقوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} أي: ذلك الذي تقدم ذكره من الساعة وزلزالها وأهوالها وما ذكر من خلق الإنسان وتقليبه من حال إلى حال، وما ذكر من البعث والإحياء، وإحياء الأرض بعد ما كانت هامدة - هو الحق.
{ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} أي: كائن لا محالة؛ ألا ترى أنه قال: {وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ} هذا كله يدل أن قوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} في تحقيق البعث والإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء، وأنه قادر بذاته، عالم [بذاته].
وقال بعضهم: {ذٰلِكَ} يقول: هذا الذي فعل وظهر من صنعه يدل على أن الله هو الحق وغيره من الآلهة التي يعبدونها باطل، وأنه يحيي الموتى في الآخرة، لا الآلهة التي يعبدونها، {وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [أي: قدير] على ما يشاء، وهو ما أخبرنا.
وقال الحسن: هو اسم من أسماء الله تعالى سمي به؛ لأنه يحكم بالحق.