خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ
١٢
ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ
١٣
ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ
١٤
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ
١٥
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ
١٦
-المؤمنون

تأويلات أهل السنة

قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ}.
قال بعضهم: إنما ذكر سلالة؛ لأنه سُلَّ من كل تربة.
وقال أبو عوسجة: السلالة: الخالص من كل شيء، وقوله: {مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} حرّ، أي: من أجود الطين؛ ذكر مرة: {مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ}، ومرة:
{ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } [الحجر: 26، 28]، ومرة قال: { فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ } [الحج: 5] ومرة: { كَٱلْفَخَّارِ } [الرحمن: 14]، ونحوه، وهو آدم - عليه السلام - وذلك على تغيير الأحوال، والله أعلم بالصواب.
وقوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} أي: ثم خلقنا ولده وذريته من نطفة، أخبر [عن] أصل ما خلق آدم منه، وأصل ما خلق ولده منه، وهي النطفة.
وقوله: {فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ}.
قال بعضهم: الرحم.
وجائز أن يكون القرار هو صلب الرجل؛ لأن النطفة لا تخلق في الصلب أوّل ما خلق الإنسان، ولكن تجعل فيه من بعد؛ فيكون الصلب قرارها ومكانها إلى وقت خروجها منه إلى الرحم؛ وعلى ذلك قوله:
{ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } [الأنعام: 98]: الرحم.
وقال بعضهم: المستقر: الرحم، والمستودع: الصّلب.
وجائز أن يكونا جميعاً واحداً، أيهما كان: الرحم أو الصلب؛ لأن كليهما قرار وما يستودع فيه.
وقال ابن عباس وغيره: السلالة: صفوة الماء.
وقوله: {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً} والنطفة هي المعروفة، والعلقة والدم والمضغة: القطعة من اللحم إلى آخر ما ذكر، يخبرهم عن تحويله إياهم وتقليبه من حال إلى حال لوجوه:
أحدها: يخبر عن قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره؛ ليعلموا أن من قدر على إنشاء العلقة من النطفة ما لو اجتمع الخلائق جميعاً على أن يعرفوا سبب خلق هذا عن هذا، مع إحاطة علمهم أن ليس فيها من آثار العلقة شيء - ما قدروا على ذلك، وعلى ذلك جميع ما ذكر من النطفة والمضغة، [و] من العلقة والعظم، [و] من المضغة والإنسان، دل ذلك كله على أنه قادر؛ فمن قدر على هذا يقدر على إنشائهم من الأصل من لا شيء، ويقدر على إحيائهم بعد ما صاروا تراباً، والأعجوبة في خلق الإنسان مما ذكر من النطفة والعلقة والمضغة ليس بدون خلقه إياهم من التراب من الوجوه التي ذكرنا.
وفيه دلالة علمه الذاتي؛ لأن من قدر على تحويلهم من حال إلى حال التي ذكر في الظلمات الثلاث؛ دل أنه عالم بذاته لا بعلم مستفاد من أحد، ولا قوة مكتسبة؛ ولكنه بالعلم الذاتي والقوة الذاتية؛ لأن مَنْ علمُه مستفاد، ومَنْ قوتُهُ مستفادة ومكتسبة لا يبلغ ذلك.
وفيه دلالة تدبيره؛ لخروج الخلق جميعاً وتوالدهم من أول أمرهم إلى آخر ما ينتهون على جري و احد وسنن واحد، على غير تغيير في التوالد والتناسل الذي جعل فيهم، وكذلك جميع ما يخرج من الأرض من النبات والأشجار والأوراق في كل عام، وفي كل سنة يخرج على جرية واحدة وسنن واحد لا يتغير ولا يتفاوت وقت خروجه؛ بل على تقدير واحد وميزان واحد؛ دل أنه على تدبير ذاتٍ خرج، لا على الجزاف، وبالله الحول والقوة.
وفيما ذكر من تحويله إياهم وتقليبه من حال إلى حال دلالة أنه لم ينشئهم لأنفسهم، وأن من أنشأ من العالم سواهم إنما أنشأه لهم، وأنشأ أنفسهم لعاقبة؛ لأنه لو كان إنشاؤه إياهم لأنفسهم وللفناء الذي ذكر في قوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ} لكان يتركهم على حالة واحدة ولا يحولهم من حال إلى حال، فإذا حولهم وقلبهم من حال إلى حال دل أنه لا للموت الذي ذكر خلقهم خاصة بقوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ}؛ ولكن لعاقبة تقصد، وهو البقاء الدائم لا فناء فيه، وهو ما ذكر: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}.
وقوله: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ}.
أما أهل التأويل فمنهم من قال: نفخ الروح فيه، وهو قول ابن عباس وغيره.
وقال بعضهم إنبات الشعر ونحوه، وهو قول قتادة وغيره.
وعن الحسن وغيره: ذكر أو أنثى.
وجائز أن يكون قوله: {أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ}: غير ما قال هؤلاء، وهو إظهار الجوارح والأعضاء وتركيبها، ما فيه دلالة؛ لأنه أخبر أنه يقلبه شيئاً واحداً مصمتا ليس به هذه الجوارح والأعضاء، إنما يكون فيه آثارها لا أعينها فيركب فيه أعين الجوارح والأعضاء حتى يكون إنسانا، فذلك هو إنشاء خلق آخر، ويكون نفخ الروح ونبت الشعر في تركيب ما ذكرنا، والله أعلم.
ومن ينكر خلق الشيء لا من شيء، ويقول بقدم العالم إنما ينكر ذلك؛ لما لم ير في الشاهد صنع شيء لا من شيء، فيقال له: وهل رأيت إنشاء شيء من شيء على إتلاف الأصل حتى لا يبقى له أثر، فإذا لم تر هذا في الشاهد، وقد رأيت في الغائب إنشاء شيء من شيء على إتلاف الأوّل منه، نحو النطفة تصير علقة على تلف النطفة فيها، والعلقة مضغة على إتلاف العقلة فيها... إلى آخر ما ذكر، كل ذلك منشأ من آخر إنما كان بعد تلف الأصل، فهلا دل ذلك [على] أن عدم الإنشاء في الشاهد لا من شيء لا يدل على عدمه في الغائب، وأنه حيث قدر [على] هذا يقدر على كله.
وقوله: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}.
من الناس من يستدل على أنه إذا لم يكن سواه خالقاً لم يكن لقوله: {أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} معنى؛ كقوله:
{ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ } [يوسف: 64، 92 الأنبياء: 83]، و { أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ } [هود: 45]، ونحوه، إنما قال هذا لما يكون سواه رحيماً حكيماً كريماً؛ فأخبر أنه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين؛ فعلى ذلك ما قال: {أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}.
ولكن جائز القول بمثل هذا عند الناس على غير إثبات آخر سواه في ذلك حقيقة، وهو يخرج على وجوه:
أحدهما: {أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} مما تنسبون أنتم إليه، وتجعلونه خالقاً عندكم؛ كقوله:
{ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ } [الصافات: 91]: إبراهيم لم يسمّ معبودهم الذي عبدوه إلها على جعل الألوهية له، ولكن على ما سموا هم ونسبوا الألوهية إليه، وكذلك قول موسى، حيث قال: { وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً } [طه: 97] على ما عندهم، ليس على تسمية الإله له حقيقة؛ دل ما ذكرنا على أن تسمية ما ذكر وذكره يجوز، وإن لم يكن هنالك سواه إلهاً خالقاً، وكذلك قوله: { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ } [المدثر: 48]: ليس على أن لهم شفعاء يشفعون لهم؛ ولكن لا شفعاء لهم؛ فعلى ذلك ما ذكرنا.
والثاني: تأويل {أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}، أي: لو جاز أن يكون خالق آخر سواه لكان هو أحسن الخالقين، ولكن لا يجوز، وهو كقوله:
{ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ } [الزمر: 4] أي: لو جاز أن يتخذ ولداً لاصطفى مما ذكر، لكن لا يجوز، وكذلك قوله: { لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ } [الأنبياء: 17]، أي: لو جاز أن يكون كذا لكان كذا، ليس على أنه يجوز أن يكون، وكذلك قوله: { مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ... } الآية [المؤمنون: 91]، أي: لو جاز أن يكون معه إله لذهب بما ذكر، لكن لا يجوز؛ فعلى ذلك قوله: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}، أي: لو جاز أن يكون هنالك خالق غيره لكان هو أحسن الخالقين، ولكن لا يجوز، والله الموفق.
والثالث: ذكر أحسن الخالقين؛ لما أن العرب تسمّي كل صانع شيء خالقاً؛ فخرج الذكر لهم على ما يسمونهم، ليس على حقيقة الخلق لمن دونه؛ كقول عيسى حيث قال:
{ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ } [آل عمران: 49]، أو أن يكون ذكر هذا القول من يقول: إن العالم أصله من أربع طبائع: من الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة.
أو أن يكون كقول بعض الفلاسفة: إن العالم أصله من أربع أو من خمس: من الماء، والأرض، والنار، وغيره.
فأخبر أنه ليس كذا، ولكن هو خالقهم لا من الأشياء التي توهموا هم.
وعلى قول من يقول: إنه يكون غيره خالقاً لكان الخالق غير دالّ على الخالق، وقد جعل الله الخلق سبباً لمعرفة الخالق، فلو كان غيره خالقاً، لكان الخلق غير دالّ على معرفة الخالق؛ لأنه قال:
{ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ } [الرعد: 16]: أخبر أنه لو كان سواه في ذلك تشابه الخلق عليهم، فإذا تشابه لم يكن سبباً لمعرفة، على ما أخبر في إثبات عدد الآلهة؛ كقوله: { وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ } [المؤمنون: 91]، فإذا بطل هذا ولم يجز عدد الآلهة وإثبات الألوهية لغيره، فعلى ذلك في الخلق على الوجوه التي ذكرنا.
وقوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}.
قد ذكرنا فيما تقدم أن المقصود من خلق هذا العالم - لم يكن الإماتة والإفناء؛ ولكن عاقبة تتأمّل وتقصد حيث قلبهم من حال إلى حال، ثم لم يتركهم على حالة واحدة، فلو كان المقصود من خلقهم الفناء والهلاك لا غير، لكان تركهم على حالة واحدة، ولم يقلبهم من حال إلى حال؛ فدل التحويل والتقليب من حال إلى حال على أن المقصود من الخلق العاقبة، على ما ذكرنا والله أعلم؛ لأنه أخبر أن خلقهم لا لعاقبة يقصد بها عبث؛ حيث قال:
{ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً } [المؤمنون: 115] صير خلقهم لا للرجوع إليه عبثاً، وقال في آية آخرى: { وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا... } الآية [النحل: 92]: صير نقض الغزل بعد إبرامه وقوته سفها منها؛ فلا جائز أن يسفه تلك المرأة تنقض غزلها بعد الإحكام والإبرام بلا نفع يكون لها، ثم هو يفعل ذلك؛ إذ خلق الخلق للفناء والهلاك خاصة - عبث ولعب، وعلى ذلك بناء البناء في الشاهد لا لعاقبة ومنفعة، ولكن للهدم والنقض سفه ولعب.
قلنا: إن خلق الخلق لا للموت خاصّة، ولكن لما ذكر من قوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}، أي: تحيون.
قال القتبي: يقال للولد: سلالة أبيه، وللخمر: سلالة، ويقال: إنما جعل آدم من سلالة؛ لأنه سُلَّ من كل تربة.
وقال أبو عوسجة: السلالة: الخالص من كل [شيء].
قال أبو معاذ: النسل: الولد يسل من تحت كل شعرة.
وقال القتبي: المضغة: اللحمة الصغيرة؛ سميت بذلك لأنها بقدر ما يمضغ؛ كما قيل: غرفة، بقدر ما يغرف.
وقوله: {فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ}.
أي: مكان حريز، أو هو الرحم أو الصلب، أيهما كان فهو ما وصف.