خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٢
ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ
٣
-النور

تأويلات أهل السنة

قوله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}.
لو كان الخطاب يجب اعتقاده على ظاهر المخرج والعموم على ما قاله بعض الناس، لكان لكل أحد أن يقيم على آخر حدّاً بظاهر قوله: {فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}؛ فيقول: الله أمرني بذلك بقوله: {فَٱجْلِدُواْ}، أو أن يضربوا جميعاً واحدا من الزنا بظاهر قوله: {فَٱجْلِدُواْ}؛ فيزداد الضرب والحدّ على ما حدّ الله أضعافاً مضاعفة؛ فدل أن اعتقادهم العموم فاسد بظاهر المخرج.
أو أن يقول قائل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه" : سمى الناظر إلى ما لا يحل نظره إليه زانيا، والماس لها: كذلك؛ فيلزمه الحدّ بظاهر قوله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}؛ فإذا لم يفهم من ظاهر قوله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي} ما ذكرنا كله؛ دل أن الاعتقاد على عموم المخرج فاسد، وأن المراد بقوله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} - راجع إلى الخصوص: إلى مقيم دون مقيم، وإلى زان دون زان، وهو الزاني الذي يجمع في فعل الزنا جميع بدنه: العين، واليد، والرجل، والفرج، وجميع بدنه.
ورجع الخطاب به إلى البكرين الحرين والثيبين الحرين الذين لم يستجمعا جميعاً أحكام الإحصان.
فأما من استجمع جميع أسباب الإحصان فإن حدّه الرجم على اتفاق القول منهم جميعاً، إلا أن طائفة من أهل العلم أوجبوا عليه مع الرجم الجلد، وفي البكر مع الجلد تغريب عام.
والدليل على أن المراد راجع إلى الحرين البكرين أو الثيبين اللذين لم يستجمعا أسباب الإحصان ما ذكرنا من القول المتفق.
وقوله:
{ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } [النساء: 25]، دل إيجاب نصف ما على المحصنات على الإماء على أنه أراد بالمحصنات: الحرائر اللاتي لم يستجمعن جميع أسباب الإحصان، وأن الخطاب بقوله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي} إلى آخر ما ذكر راجع إلى الحرين اللذين ذكرناهما.
ثم لم يضرب في الزنا الذي به زنا، وهو الفرج، وقطع في السرقة الذي به سرق: وهو اليد؛ فهو - والله أعلم - لما جعل الحدود زواجر عن المعاودة - لم تجعل دافعة مذهبة إمكان ذلك الفعل من الأصل، وفي ضرب الفرج ذهاب إمكان الفعل من الأصل، ولا كذلك في قطع اليد في السرقة؛ إذ تبقى أخرى: بها يأخذ، وبها يقبض؛ لذلك افترقا.
أو أن يقال: في ضرب الفرج خوف هلاكه في الأغلب، وليس ذلك في قطع اليد؛ بل يبقى حيّاً في الغالب، وقد ذكرنا أن الحدود لم تجعل مهلكة متلفة؛ ولكن جعلت زواجر عن المعاودة؛ لذلك افترقا.
وفي قوله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} دلالة على أن النفي ليس من عذاب الزانيين ولا من عقوبتهما؛ لأنه قال: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، والنفي مما لا يحتمل أن يؤمر بشهوده؛ لأنه لا يمكن؛ فدل أنه ليس من عذابهما.
ويدل عليه - أيضاً - قوله:
{ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } [النساء: 25]؛ لأنهم أجمعوا على أن لا نفي على الإماء إذا زنين، وقد أوجب عليهن إذا زنين: نصف ما على المحصنات.
أو إن ثبت النفي فهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه أراد به قطع الشَّيْن الذي لحقهما بفعل الزنا؛ لأنه ليس جرم من الإجرام أكثر شيناً وأشد من فعل الزنا؛ فأراد أن ينقطع ذلك من بين الناس.
أو أن يكون أراد به قطع الشهوة، التي حملتهم على الزنا: بذل السفر وذلة الغربة.
أو صار منسوخاً لما شدد في الضرب بقوله: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ}، وفيما ذكر النفي، لم يذكر فيه الشدة؛ إنما ذكر فيه الجلد فحسب بقوله - عليه السلام -:
"أما على ابنك هذا جلد مائة وتغريب عام" ؛ فجائز أن يكون الضرب كان بالتخفيف وفيه نفي، فلما شدد في الضرب ارتفع النفي، وقد جاء عن عمر - رضي الله عنه - أنه نفى رجلا فارتد عن الإسلام ولحق بالروم؛ فقال: كفى بالنفي فتنةً، وقال: لا أنفي بعد هذا أبداً. وكذلك روي عن علي - رضي الله عنه - والله أعلم.
وقوله: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ}.
قال بعضهم: لا تأخذكم بهما رأفة في تخفيفها؛ فهو - والله أعلم - لأنه من أعظم الإجرام في الشين.
ثم للمعتزلة تعلقٌ بظاهر قوله: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ}؛ قالوا: إن الله وصف نفسه بالرحمة بقوله:
{ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } [التوبة: 117]، ووصف المؤمنين بالرحمة فيما بينهم، والشدة على الكفار بقوله: { وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } [الفتح: 29]، ثم نهاهم أن تأخذهم رأفة على الزانيين وقت إقامة الحدّ عليهم؛ دل أن الزاني قد خرج بفعله من الإيمان؛ لما ذكرنا من رفع الرأفة والرحمة عنهما.
لكن عندنا في الآية دلالة أنه ليس على ما ذهبوا إليه؛ لأن الزاني لو كان يخرج من الإيمان بفعل الزنا لكان لا يحتاج إلى أن يقول: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ}؛ لأنهم كانوا على ما وصفهم الله بالشدة على غير المؤمنين بقوله:
{ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ } [الفتح: 29]، دل أن الزنا لم يخرجه عن الإيمان؛ فنهى ألا تأخذ بهما رأفة الإيمان والدين في تعطيل الحدّ أو تخفيفه.
أو أن يكون النهي عن أخذ الرأفة؛ ليتحمل ذلك الحدّ، وإلا: لم ينتفع به في الآخرة، وهو ألا يعذب به؛ ألا ترى أنه قال: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}، وفائدته ما ذكرنا: أنه لا تأخذكم بهما رأفة في إضاعة الحدّ؛ لما يتأمل من النفع في الآخرة، نحو: من يشرب الأدوية الكريهة، ويفتصد، ويحتجم؛ لما يطمع البرء به والنفع؛ فعلى ذلك جائز أن يكون النهي عن أخذ الرأفة في حد الزاني؛ ليقام ذلك عليه؛ فينجو في الآخرة عن عذابه، والله أعلم.
وقوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.
وقال بعضهم: الطائفة: واحد واثنان فصاعداً، وكذلك قالوا في قوله:
{ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } [الحجرات: 9]، هما رجلان اقتتلا؛ دل على ذلك قوله: { فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } [الحجرات: 10]، وهما اثنان في الظاهر، لكن أن ينضم إلى كل واحد منهما جماعة من عشيرته؛ فيكون الطائفة جماعة لا واحداً.
وقال بعضهم الطائفة: جماعة من العشيرة فصاعداً.
ثم يجب أن ينظر لأي معنى أمر أن يشهد عذابهما طائفة من بين سائر الإجرام؛ فهو - والله أعلم - يحتمل وجوهاً:
أحدها: المحنة، أراد أن يمتحن من حضر ذلك، أو المرء قد يتألم على ضرب آخر، وما يحل لغيره؛ لينزجر عن مثله.
والثاني: لانتشار الخبر في الناس؛ لينزجروا عن مثله.
والثالث: لئلا يتعدى الضارب - والمقيم - ذلك الحدّ ويجاوزه على الحدّ الذي جعل له؛ فإن هو تعدى منعه من حضره عن المجاوزة والتعدي.
والرابع: لدفع التهمة عن الحاكم؛ لئلا يتهمه الناس أنه إنما أقام عليه الحدّ بلا سبب كان منه، ولا جرم.
فإن كان الأمر بشهود الطائفة عذابهما هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرنا: من انتشار الخبر، ودفع التهمة عنه، ومنع المجاوزة، فالطائفة تحتاج أن تكون جماعة؛ لأن الواحد غير كاف لذلك.
وإن كان الأول - وهو المحنة - فالواحد وما فوقه يكون يمتحن كلا في نفسه بحضور ذلك الحدّ؛ ليتألم به.
وقد ذكرنا أن بعض أهل العلم قالوا: إنه يجمع مع الرجم والجلد؛ واحتجوا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"الثيب بالثيب: جلد مائة ورجم الحجارة، والبكر بالبكر: جلد مائة وتغريب عام" : فأما الجلد فلا خلاف في أنه حد البكر، وأما النفي فمما اختلفوا [فيه]: فمنهم من رآه واجباً، ومنهم من رآه عقوبة لهم يضم إلى الحدّ.
ونحن قد ذكرنا المعنى في ذلك - إن ثبت - ما يغنينا عن تكراره، ونزيد - أيضاً - نكتة، وهي أن الحدود ذوو نهايات للمقدار وغايات، ولذلك سميت حدوداً؛ لأن لها نهاية وغاية، كما يقال: هذا حد فلان، وحدّ الدارين أنه منتهاها وآخرها، فلما لم يكن للنفي حد ينتهي الزاني إليه دل أنه ليس بحدّ؛ ولكن أراد به الوجوه التي ذكرنا، إما حبساً كما يحبس الزاني حتى يحدث توبة، أو قطع الشين والذكر الذي يتحدث الناس به؛ لينسى ذلك ويترك، أو قطع الشهوات التي حملتهم على ذلك بذل السفر والغربة، أو أن كان ثم صار منسوخاً بما يشدد فيه الضرب، والله أعلم.
وأما قول أصحابنا: يفهم أنه لم يكن الجلد عن الثيب إذا كان محصناً؛ بقول النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:
"اغد يا أُنَيْسُ على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" ، ولم يذكر جلداً.
وذهبوا أيضاً إلى أن حديث ماعز بن مالك، لما رجمه النبي - عليه السلام - باعترافه، ولم يذكر جلداً، وروي أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال له - لما اعترف ثلاثاً -: "لو اعترفت في المرة الرابعة لرجمك"، ولم يقل: جلدك: علم أنه ينفي الرجم الجلد. وما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه أمر برجم امرأة زنت، ولم يجلدها.
وروي عن ابن عمر عن عمر مثله. إلى كل هذه الأخبار ذهب أصحابنا رحمهم الله، ويقولون: لا يجتمع على رجل في فعل واحد حدّان: الجلد والرجم جميعاً؛ كما لا يجتمع في غيره من الإجرام في فعل واحد حدّان أو عقوبتان.
وقوله - عليه السلام -:
"الثيب بالثيب: يجلد ويرجم" يحتمل الجلد جلد البكر المحصن، ويرجم ثيباً آخر محصناً، أو يجلد ثيباً في حال ويرجم ثيباً في حال، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة النساء.
[وقوله:] {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ}.
في ظاهر الآية ألا يحل للزاني أن ينكح إلا الزانية من المؤمنات أو مشركة، وكذلك الزانية من المؤمنات لا ينكحها العفيف من المؤمنين؛ وإنما ينكحها الزاني منهم والمشرك.
وفي ظاهر الآية النهي للزاني عن نكاح العفائف، وإباحة نكاح الزانيات والمشركات؛ فإن كان ذلك، فكان قوله:
{ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ } [البقرة: 221] إلا الزناة منكم؛ فإنه يحل لهم أن ينكحوا المشركات، وكذلك قوله: { وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ } [البقرة: 221] إلا الزانيات؛ فإنه يحل هذا ظاهرا، لكنهم أجمعوا على ألا يحل للمؤمن - وإن كان زانياً - أن ينكح المشركة، وكذلك لا يحل للمشركة أن تتزوج بالزاني من أهل الإيمان.
ثم اختلف أهل التأويل في تأويله:
قال مقاتل: ومحمد بن إسحاق، وهؤلاء: الزاني من أهل الكتاب لا ينكح - أي: لا يتزوج - إلا زانية من أهل الكتاب، أو مشركة [من] غير أهل الكتاب، والزانية من أهل الكتاب: لا ينكحها إلا زان من أهل الكتاب أو مشرك من غير أهل الكتاب يزنين علانية.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت الآية في نفر من أهل مكة هاجروا إلى المدينة وكانوا ذوي عسرة، وكان بالمدينة بغايا يبغين بأنفسهن ظاهرات بالفجور، وكن مخصبات أو مخاصيب البيوت، فهَمَّ أولئك المهاجرون أن يتزوجوا بأولئك البغايا؛ ليصيبوا من خصبهن وسعتهن، فذكروا ذلك لرسول الله واستأذنوه في ذلك؛ فنزلت الآية في شأنهم: {ٱلزَّانِي} من أهل القبلة المعلن به {لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} من اليهود {أَوْ مُشْرِكَةً} الآية.
{وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}.
لكن هذا يصلح أن لو كان أولئك المهاجرون مثلهن زناة، فأما إن كانوا مهاجرين أهل إيمان وعفة - فلا يصلح أن يقال فيهم: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً}، وهم لم يكونوا زناة؛ إلا أن يقال على الابتداء: إنه لا يفعل ذلك.
وقال بعضهم: قوله: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ}، أي: لا يجامع، ولا يزني إلا بزانية مثله، وكذلك الزانية لا تزني إلا بزان مثلها أو مشرك لا يحرم الزنا، وهو قول الضحاك وهؤلاء.
وقال سعيد بن المسيب: نسخت هذه الآية: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ}، قوله: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً...} الآية.
وسئل ابن مسعود - رضي الله عنه - عن رجل يزني بامرأة ثم يتزوجها؟ قال: هما زانيان ما اصطحبا.
وجائز أن يكون النهي عن نكاح الزانية والزاني - نهياً عن الزنا نفسه لا عن النكاح؛ كأنه قال: لا تزنوا؛ فإنكم إذا زنيتم وصرتم معروفين به لا تجدون أن تنكحوا إلا زانية أو مشركة التي لا تحرم الزنا؛ لأن العفائف منهن لا يرغبن في نكاح من صار معلن الزنا، فإذا لم يرغبن لم يجدوا إلا من ذكر، وهو ما قال:
{ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ } [النساء: 43]، ليس النهي عن قربان الصلاة؛ ولكن النهي عن السكر وشرب المسكر.
وكذلك ما روي أنه قال:
"لا صلاة للمرأة الناشزة ولا للعبد الآبق" : إنما نهى عن نشوزها وعن إباقه؛ ليس عن الصلاة؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ}: إنما نهى عن الزنا، أي: لا تزنوا؛ ليرغب العفائف من المؤمنات فيكم، ولا يزني النساء؛ ليرغب أهل العفاف من المؤمنين؛ فإنكم إذا زنيتم وصرتم معروفين به معلنين لا تجدوا إلا نكاح من ذكر من الزانية أو المشركة.
أو أن يكون ما ذكرنا: لا يرغب الزاني إلا في نكاح زانية أو مشركة، وكذلك المرأة الزانية لا ترغب إلا في نكاح زان مثلها أو مشرك.
أو لا يرغب الزاني في الزنا إلا بزانية أو مشركة لا تحرم الزنا، وكذلك الزانية لا ترغب في الزنا إلا بزان مثلها أو مشرك لا يحرم الزنا.
{وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}.
وحرم الزنا على المؤمنين.
أو إن كان على النكاح؛ فيكون تأويل قوله: {وَحُرِّمَ} أي: منع عن ذلك المؤمنين، أعني: نكاح الزانيات والزناة.
قال أبو عوسجة: الزانية والزاني يقال منه: زنى يزني زنا، وأما زنأ يزنأ زنئا، أي: ارتقى يرتقي؛ ويقال: الزناء: الضيق، ويقال: زننته أزنه زنا، أي: ظننت به ظنا، والقذف: التهمة، والرمي أشد من القذف.
ومن جعل الآية في الزانيين المسلمين، وجعل قوله: {لاَ يَنكِحُ}: على التزويج - لزمه أن يجيز للزانية المسلمة أن تتزوج الزاني المسلم والمشرك على ما ذكرنا بدءاً، وهذا لا يقوله أحد، وفي بطلان هذا القول بيان أن الآية إن كان المراد بها عقد النكاح فإنها نزلت في الزانية المشركة يريد المسلم أن يتزوجها، كما ذكر في حديث مرثد، وإن كان المراد به بذكر النكاح منها: الوطء، فهو كما قال ابن عباس في إحدى الروايتين عنه: إنه الجماع، ليس تحتمل الآية غير هذين الحالين، والله أعلم بما أراد.
وقد زعم قوم أن المرأة إذا زنت حرمت على زوجها؛ فكأنهم ذهبوا إلى أنه لما لا يحل له أن يطأها؛ لأنها إذا كانت زانية لم يحل المقام عليها إذا زنت وهي زوجة.
لكن أهل التأويل في الآية على خلاف ما توهم أولئك بما وصفنا؛ فلا وجه لتحريمهم الزانية على زوجها، ولو كان أهل التأويل على ما توهموه فوجب أن تحرم الزانية على زوجها من غير أن كان ممنوعاً من تزويجها؛ ألا ترى أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج امرأة في عدة من غيره، ولو أن رجلا وطئ [امرأة] رجل بشبهة فوجب عليها منه عدة لم تحرم على زوجها، أفلا ترى أن العدة إذا كانت على النكاح مخالفة للنكاح في العدة.
واحتجوا - أيضاً - بأن الرجل إذا قذف امرأته لوعن بينهما وفرق.
لكن الوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.