خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ
٤
إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٥
وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ
٦
وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ
٧
وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ
٨
وَٱلْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ
٩
وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ
١٠
-النور

تأويلات أهل السنة

قوله: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ}.
ذكر الرمي ولم يذكر بم؟ فيعرف ذلك بالنازلة، ولقوله: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ}، وذكر الأربعة الشهود، والزنا هو المخصوص بالشهود الأربعة دون غيره من الإجرام؛ فدل ذكر ذلك على أثر ذلك على أن الرمي المذكور فيه هو الزنا.
ثم قوله: {ٱلْمُحْصَنَاتِ}: هن الحرائر في هذا الموضع لا العفائف؛ لأن قاذف الأمة يلزمه التعزير؛ ألا ترى أنه قال:
{ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ... } الآية [النساء: 25]؛ [و] ألا ترى أنه أوجب على الإماء نصف ما على المحصنات وهن الحرائر.
ولأنا لو جعلنا {ٱلْمُحْصَنَاتِ} عبارة وكناية عن العفائف دون الحرائر لأسقطنا شهادة الشهود؛ لأن العفة تكذبها.
وكذلك يدل قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ}، الغافلات: عبارة عن العفائف؛ فدل أن المحصنات عبارة عن الحرائر، ثم أدخل المحصنين في حكم هذه الآية في الرمي والقذف وغيره، وإن لم يذكروا في الآية.
ثم شدد الله - تعالى - في الزنا وغلظ في أمره ما لم يشدد ولم يغلظ في غيره من الإجرام مثله:
منها: ما نهى عن تعطيل الحدّ فيه وإضاعته وتخفيفه؛ حيث قال: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ}.
ومنها: ما أمر برجمه إذا كان محصناً مثل ما يرجم الكلب ويقتل بالحجارة.
ومنها: ما أوجب على الرامي به من الحدّ إذا لم يأت بأربعة شهداء.
والزنا بهذا كله مخصوص من بين غيره من الإجرام؛ وذلك - والله أعلم - لقبحه في العقل والطبع جميعاً، وكذلك في الشرع.
والدليل أنه قبيح في الطبع والعقل جميعاً ما ينفر عنه طبع كل مسلم وينفر عنه كل عقل سليم.
فإن قيل: لو كان ينفر عنه لكان لا يرتكبه ولا يأتيه.
قيل: ينفر عنه إلا أن الشهوة التي مكنت فيه وركبت تغلبه وتمنعه عن النفار عنه؛ ألا ترى أنه لو تفكر مثله في المتصلات به من الأم والابنة وجميع المحارم، لم يحتمل قلبه ذلك، وبمثله روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
"أن رجلا أتاه فقال له: ائذن لي في الزنا؛ فقال: أرأيت لو فُعِل بابنتكَ وأمِّكَ مثلهُ: أكنت تكرهُ؟ فقال: نعم؛ فقال له: اكْرَهْ لِغَيْرِكَ ما تكرهُ لنفسك" : دل ذلك أنه قبيح في الطبع والعقل جميعاً إلا أن الشهوة تمنعه عن النفار عنه.
وفيه اشتباه الأنساب والمعارف التي جعلت فيما بين الخلق؛ حتى لا يهتدي أحد إلى معلم يعلمه الحكمة والآداب ومعالم السنن ولا الدعاء بالآباء، وارتفع التواصل وحفظ الحقوق التي يقوم بعض لبعض، والشفقة التي جعل لبعض على بعض: من التربية في الصغار، وحقوق المحارم وغيرهم، وبها امتحن البشر والعالم الصغير، وبطل خلق ما ذكر من الإنشاء لهذا العالم، وتسخير ما ذكر ما في السماوات والأرض لهم، فهذا كله يدلّ على قبح الزنا ونهايته في الفحش والمنكر؛ حتى لا يعرف هذا العالم قبحه ونهاية فحشه، وإنما يعرفه العالم الروحاني الذي لم يكن فيهم هذه الشهوة ولم يمتحنوا بها، وأمّا هذا العالم الذي جعلت فيهم الشهوة لا يعرفون قدر قبحه وفحشه؛ لما تغلبهم وتمنعهم عن النفار عنه والنظر في معرفة قبحه؛ لهذا - والله أعلم - ما شدّد الله - تعالى - أمر الزنا وغلظ في أحكامه ما لم يغلظ بمثله في غيره من الإجرام وعظم شأنه من بين سائر الآثام.
ثم الذكر إنما جرى في الحرائر بما ذكرنا فهو بالرجال من الأحرار إن لم يكن أكثر فما يكون دونه؛ لأن العذر فيهن أكثر وهي الشهوة التي تغلب وتمنع عن النفار عنه، وفي الرجال أقل؛ فالعذر فيهم أقل؛ ألا ترى أنه ذكر الحدّ في الإماء بقوله:
{ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } [النساء: 25]، ولم يذكر في العبيد شيئاً؛ فيلزم للعبد ذلك الحدّ إذا ارتكبه؛ فعلى ذلك ما ذكر من الحدّ في النساء والقذف، فهو في الرجال مثله.
ثم أجمعوا على أن على قاذف الأمة التعزير ولا حدّ عليه، وقد سمى الزوجة وإن كانت محصنة أمة، وقال:
{ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } [النساء: 25]، وقال: { وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ } [النساء: 24]، سمّي ملك اليمين: محصنة بقوله: {أُحْصِنَّ}، أي: تزوجن، وقوله: { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } [النساء: 25]، أي: الحرائر؛ فقد بان بهذه الآية أن الإحصان قد يكون بالحرية، ويكون بالزوج، وإن كانت الزوجة أمة إذا كان لها زوج، وسمّى الطيعة من النساء محصنة، قال - تعالى -: { مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ } [النساء: 25]، يعني: العفائف، فالإحصان على ثلاثة أوجه؛ وإنما يجب الحدّ على قاذف الحر المسلم والحرة المسلمة؛ فإن كان حراً أو حرة فعليهما الحدّ ثمانين، وإن كان عبداً أو أمة فعليه الحد أربعين سوطاً على ما ذكرنا.
وقوله: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}.
فظاهر هذا أنه لا يقع عند حضرة القذف، ولكن له أن يأتي إلى وقت إياسه وهو الموت، كمن يحلف بيمين ولم يوقت لها وقتاً، فإنما وقعت إلى وقت إياسه فحنث عند ذلك؛ فعلى ذلك يجيء على ظاهره أن يقع على الأبد ليس عند حضرة القذف، لكن لو وقع على الأبد لكان فيه سقوطه؛ إذ لا يقام الحد بعد الموت.
أو إن أراد بذكر الشهود الأربع زجره عن قذف المحصنات؛ لما لا يجد الشهود على الحلال؛ فالذي هو أخفى وأسر أبعد.
والثاني: أن الحدّ قد لزمه بالقذف، فإن أراد إسقاطه لم يسقط إلا ببينة تقوم حضرة ذلك، كمن يقر بقصاص أو حق من الحقوق، ثم ادعى العفو في ذلك أو إسقاط ما أقر له والخروج منه، لم يصدق إلا ببينة تقوم على حضرة ذلك، فعلى ذلك قوله: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ}: وقع ذلك على حضرة القذف، فإن أتى به وإلا حدّ، والله أعلم.
ثم المسألة بأنه إذا أتى بأربعة فساق درأ عن نفسه الحدّ عندنا، والقياس ألا يطالب بشهود عدول؛ لأن العدول لا يشهدون ذلك المشهد، ولا ينظرون إليه؛ إنما يشهده الفساق [فالفساق] أحق أن يدرأ بهم الحد عنه من العدول، وليس كالشهادة على إقامة حدّ الزنا؛ لأن قصدهم بالنظر إلى ذلك المكان - قصد إقامة الشهادة وإيجاب الحدّ على فاعل ذلك؛ لذلك لم يصيروا فسقة، ولأنهم لا يشهدون بذلك إلا عن توبة تكون منهم إذ يملكون التوبة، ولأن الفساق من أهل الشهادة ليس كالكفار والعبيد، وهؤلاء وإن كانت لا تقبل شهادة الفساق فهم من أهل الشهادة؛ ألا ترى أن من قذف فاسقاً أو كانت امرأة فقذفها زوجها - وهو فاسق - أنا نحدّ قاذف الفاسق، ونلاعن بين الزوج وبين امرأته، وإن قذف مسلمٌ كافراً أو قذف حرٌّ عبداً، لم يحد، وإن قذف أحدهما زوجته لم يلاعن بينهما، فمن خالفنا في هذا اللعان فليس يخالفنا في أن الحرّ إذا قذف العبد، والمسلم إذا قذف الكافر فلا حدّ على واحد منهما؛ فهذا كله يدل أن الفساق من أهل الشهادة والكافر والعبد والمحدود في القذف ليسوا من أهل الشهادة، فإذا كانوا من أهل الشهادة - وإن لم تقبل شهادتهم في غيره - فأوجب ذلك الشبهة، والحدود مما يدرأ بالشبهات؛ لذلك درئ عنه الحدّ، وأما الكافر والعبد والمحدود في قذف فإن لم يكونوا من أهل الشهادة - لم يجب شبهة في درء الحدّ عنه؛ لذلك افترقا.
ثم المسألة إذا جاء الشهود متفرقين حدّوا، ولم تقبل شهادتهم، والقياس عندنا ألا يحدّوا؛ لأنهم إنما يقومون في الشهادة محتسبين لا يقصدون به قذفه ولا شتمه، وأمّا الرامي فإنه يقصد قصد شتمه وقذفه، ولأن الشاهد يقول: رأيته فعل كذا، والرامي يقول: أنت كذا؛ فكان كمن يقول الآخر: رأيته كفر، لم يضرب بهذا القول، ولو قال: يا كافر، ضرب؛ لأن هذا خرج مخرج الشتم، والأول لا؛ فعلى ذلك الأول، لكنهم أقاموا الحد على الشهود إذا جاءوا متفرقين؛ لأن الله أكدّ الشهادة بالزنا بأمرين:
أحدهما: ألا يقبل فيها أقل من أربعة، وألا يقبل حتى يقولوا: زنى بها، فيأتون هذه اللفظة ويصفوا بأكثر مما يوصف غيره من النكاح وغيره؛ فالشهادة بالزنا أحوج إلى اجتماع الشهود في موطن واحد من اجتماع الشهود على النكاح، ومن قولهم: إن النكاح إذا عقد بشاهدين متفرقين لم يكن نكاحاً؛ فالزنا الذي كان أمره أوكد والحاجة إليه أحوج وأكثر أحق ألا يقبل.
والثاني: ما جاء عن عمر أن ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا وفيهم أبو بكرة، فجلدهم عمر جميعاً؛ لما لم يشهد الرابع كما شهدوا هم، وكان ذلك بحضرة أصحاب النبي فلم ينكر ذلك عليه أحد؛ فكان ذلك إجماعاً؛ ألا ترى أن أبا بكرة قال بعد ذلك: أنا أشهد؛ فهمّ عمر أن يجلده؛ فقال له علي - رضي الله عنه -: إن جلدت هذا فارجم صاحبك، فلم ينكر عليه على جلده إياهم إذا لم يتم أربعة؛ إنما أنكر إذا تم، والله أعلم؛ لذلك قلنا: إنهم إذا جاءوا فرادى متفرقين صاروا قذفة ولا ينتظر به حضور من بقي منهم؛ كما لم ينتظر عمر.
ثم مسألة أخرى: أنه إذا جاء أربعة وأحدهم زوج قبل عندنا ودرئ عنه الحدّ؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره من السلف، ولأن الشهادة عليها وشهادة الزوج على امرأته تقبل، وإنما ترد إذا شهد لها؛ ألا ترى أنه لو شهد عليها في الديون والقصاص والسرقة وغير ذلك من الحقوق لقبل؛ فعلى ذلك في هذا.
فإن قيل: إن الزوج إنما يشهد لنفسه وفيه منفعة له؛ لأن حدّه اللعان إذا قذفها؛ فهو يريد أن يزيل اللعان عن نفسه.
قيل: إنما يكون حدّ الزوج اللعان إذا قذفها قبل أن يرتفعا إلى الحاكم، فإذا فعل ذلك ثم شهد مع ثلاثة آخرين لم تجز شهادته، وأما إذا كان أوّل ما بدأ به إن جاء مع ثلاثة فشهدوا عليها بالزنا فليس يبطل بشهادته عن نفسه شيئاً وجب عليه؛ ألا ترى أن الأجنبي إذا قذف امرأة ثم جاء ليشهد بذلك عليها مع ثلاثة أن شهادته لا تجوز؛ لأن الحدّ قد لزمه قبل شهادته؛ فهو يدفع الحدّ الذي وجب عليه بشهادته؛ فلا تقبل، وأنه لو جاء مع ثلاثة، وكان أول أمرهم أن يشهدوا عليها بالزنا فشهادتهم جائزة، ولا يقال: إن أحداً منهم يدفع عن نفسه شيئاً وجب عليه؛ فعلى ذلك الزوج.
وقوله: {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}.
تسمية الفسق لهم: لا تخلو إما أن كان لما رموا وقذفوا به بريئاً من ذلك، أو لما هتكوا عليه الستر من غير أن هتك هو على نفسه؛ فإن كان الأول فذلك لا يعلمه إلا الله؛ فعلى ذلك توبته لا تظهر عندنا؛ فإنما ذلك فيما بينه وبين ربه؛ فكأنه قال: وأولئك هم الفاسقون عند الله إلا الذين تابوا.
وإن كان الثاني فإنا نعلمه؛ فكأنه قال: وأولئك هم الفاسقون عندكم.
{إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ}.
لا تظهر توبته عندنا؛ لأن توبته هو أن يعزم ألا يهتك على آخر ستره، أو يعزم ألا يقذف بريئاً من الزنا أبداً؛ فأيّ الوجهين كان تسميته فسقهم فإن التوبة من ذلك لا تظهر عند الناس لذلك لم تقبل؛ ولذلك قال ابن عباس: وإنما توبته فيما بينه وبين الله: إذا تاب غفر الله له ذنبه: الفرية، وكذلك روي عن غير واحد من السلف: من نحو الحسن وإبراهيم وأمثالهم، قالوا: توبته فيما بينه وبين ربه.
وقوله: {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} ليس ثمة شهادة رفعت إلى الحاكم فردّها؛ ولكن: لا تقبلوا لهم شهادة يرفعونها إلى الحكام؛ فالحرج على كل شهادة يرفعون من بعد، ثم إذا شهد بعد ما قذف وقبل أن يجلد قبلت شهادته وهو قاذف؛ فدل أن شهادته إنما ترد بعد ما جلد لما اتهمه الحاكم، وكل شهادة ردّت لتهمة فهي لا تقبلُ أبداً، والتهمة التي بها جلد القاذف هي لا تزول أبداً.
أو أن يكون توبته قوله: " فقد كذبت فيما قذفت"؛ فكنا نردّ شهادته؛ لتهمة الكذب، فإذا أكذب نفسه نقبلها؛ لتحقق الكذب؛ فهذا بعيد.
وأصله أن كل توبة كانت بعد التمكين فهي لا ترفع الحكم الذي جعل له والحدّ، وكل توبة كانت قبل التمكين فهي ترفع العقوبات، كقوله:
{ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } [المائدة: 34]؛ فلو لم يرفعوا عنهم تلك العقوبات لكانوا يتمادون في السعي في الأرض بالفساد، وأمّا فيما نحن فيه فليس في ذلك التمادي فيه.
وزعم الشافعي أن حاله قبل الحدّ وبعد ذلك سواء، هذا خلاف ما نصّ الله عليه؛ قال الله - تعالى -: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً...} الآية، وقال:
{ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ } [النور: 13]؛ فجعلهم كاذبين عند العجز عن إقامة الشهداء، وكان أمرهم قبل ذلك موقوفاً؛ فالواجب أن يجعلهم كاذبين عند عجزهم عن تصحيح ما قالوا، وهي الحال التي جعلهم الله فيها كاذبين؛ فبان بما وصفنا أن من جعل حال المحدود بعد أن ضرب الحدّ كحاله قبل ذلك مخطئ.
ودل ما وصفنا على أنه لا يجب أن يستدل بجواز شهادته قبل أن يجلد على جواز شهادته إذا تاب بعد الجلد على ما ذكرنا؛ لأنا بالجلد علمنا أنه قاذف، لا بما كان من رميه المرأة قبل أن يجلد.
ومن الدليل على اختلاف الحالين أن عمر لما جلد أبا بكرة قال له: إن تبت قبلت شهادتك، وأنه قبل أن يجلده لم يرد شهادته؛ لأنه لو كان عنده مجروحاً بالقذف لم يسمع شهادته، ولا أعلم بين أهل العلم خلافاً أنه لا يقبل شهادته بعد الجلد ما لم يتب؛ وإنما يختلفون في شهادته بعد التوبة، وأن شهادته قبل الجلد مقبولة؛ فكيف يشتبه الحالتان مع [ما] وصف؟!
وقال غيرهم: التوبة تزيل فسقه ولا يجوز شهادته، قالوا: الاستثناء على آخر الكلام على الذي يليه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على بطلان شهادته، وإن تاب: ما روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"المسلمونَ عدولٌ بعضُهم على بعضٍ إلا محدوداً في قَذْفٍ" .
وعن ابن عباس قال: لما نزل قوله: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}، وذكر حديث فيه طول، وفيه: "لم يلبثوا إلا قليلا حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، قال: يا رسول الله، لقد رأيت فلاناً مع أهلي؛ فقال رسول الله: ما تقول يا هلال؟! قال: والله يا رسول الله، لقد رأيته وسمعته بأذني، قال: فشق على رسول الله للذي جاء به، ثم قال: أيجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين؟! فاشتد ذلك على رسول الله، وجعل يقول: أيجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين"
؟! وقول رسول الله: "يضرب هلال وتبطل شهادته في المسلمين" ، وما ظهر من غمه بذلك وجزعه يدلان على أن المحدود لا تقبل شهادته بعد توبته؛ لأن توبته لو قبلت، وكان كسائر الأشياء التي إذا تيب منها، جازت شهادته، لقال النبي: "تبطل شهادته في المسلمين إلا أن يتوب" ؛ لأنه لا يقال في شيء من المعاصي: فلان فعل كذا وكذا؛ فبطلت شهادته في المسلمين؛ حتى يقرن إلى ذلك: إلا أن يتوب.
وقد ذكرنا عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ}، قال: فتاب الله عليهم من الفسق، فأما الشهادة فلا تجوز.
وكذلك روي عن كثير من السلف أنهم قالوا: توبته فيما بينه وبين ربّه.
وفيه وجه آخر، وهو أن القاذف إذا ضرب الحدّ فهو يقول ما لم يرجع: أنا صادق في نفسي ولم يلزمني الحدّ فيما بيني وبين ربي؛ وإنما لزمني في ذلك الحكم، فإذا تاب فهو يقول: كان الحدّ واجباً علي فيما بيني وبين ربي وفي الحكم؛ فذلك أحْرى ألا يزول عنه من إبطال شهادته بذلك الحدّ.
ووجه آخر: وهو أن القاذف لم تبطل شهادته بقوله: فلان زان؛ لأنه مدّع - بقوله هذا - شيئاً قد يجوز أن يكون حقّاً، ولكنه يصير قاذفاً إذا عجز عن إقامة البينة وضربه الحاكم الحد، فإذا كانت شهادته إنما بطلت بحكم حاكم لم يزل ذلك الحكم إلا بحكم حاكم؛ فإن حكم حاكم: بجواز شهادته في شيء جازت شهادته فيه.
فإن قيل: يلزمكم على هذا أن تقولوا: إن قال حاكم: قد أجزت شهادته في كل شيء أن تجوز؛ لأن الحاكم قد رفع ما لزم من بطلان شهادته بالحكم الأول.
قيل: قول الحاكم: قد أجزت شهادته، ليس بحكم؛ إنما هو فتوى، والحكم إنما يكون فيما تقام له البينة، أو يقع به الإقرار.
فإن قيل: فما تقولون في رجل زنى فحدّه الحاكم: هل تجوز شهادته إن تاب؟ قيل: بلى.
فإن قيل: قد بطلت شهادته بحكم آخر، وتوبته مقبولة بغير حكم حاكم؛ فما منع أن يكون القذف مثل ذلك وما الفرق؟
قيل: الزنا فعل ظاهر يعرف به الزاني وإن لم يحد، والقذف لا يعلم كذب القاذف فيه من صدقه؛ لأنه شيء يدعيه على غيره، وإنما يعلم أنه كاذب في قذفه بما ينفذ عليه من حكم الحاكم؛ فلذلك افترقا.
ومن الدليل - أيضاً - على أن شهادة القاذف إذا حدّ لا تقبل - وإن تاب - أنه إذا قال: تبت من قذفي فلاناً، وكنت في ذلك كاذباً؛ فلسنا ندري هل هو صادق في قوله: كنت كاذباً أم هو في قوله ذلك كاذب؛ لأن المقذوف إن كان في الحقيقة زانياً فقول القاذف: "كنت في قذفي إياه كاذباً" [كذب] منه، وهو في ذلك آثم؛ فإذا كنا لا نقف بتكذيبه نفسه على كذبه فيه من صدقه لم نجعله توبة؛ لأن التوبة إنما تكون أن يظهر عند الحكم من الأفعال ما يعلم بنفسها أنها طاعة وأنه فيها على خلاف ما ظهر من نفسه في الوقت الأول؛ فلما لم يعرف كذب المكذب لنفسه من صدقه لم يجعل ذلك من توبة.
وقلنا: توبته فيما بينه وبين ربه؛ لأن الله يعلم هل هو كاذب في تكذيبه نفسه أو صادق، ونحن لا نعلم ولا دليل لنا من الظاهر عليه؛ فلم نجعل توبته توبة في الحكم، وقلنا: حالك الآن كحالك قبل ذلك.
ودليل آخر: أنا قد علمنا كذبه بقول الله: {فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ}، فإذا قال: كذبت في قذفي، قلنا له: لم تفدنا بتكذيبك نفسك فائدة لم نعرفها، فأنت في هذا الوقت كاذب؛ فإنك في الوقت الأول تعلمنا أنك كاذب؛ فحالك الآن في شهادتك كحالك قبل ذلك، على ما ذكرنا.
على أن الشافعي يقول: لا ترجع الملاعنة إلى زوجها، وإن تاب، فإذا كانت توبته لا تبطل ما لزمها من الحكم في رجوعها إليه فكذلك لا يبطل ما لزمه من الحكم في بطلان شهادته، والله أعلم.
وقوله: {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}، إن كان الجلد مأخوذاً من الجلود فجائز أن يستخرج منه حدّ الضرب، وهو ألا يجاوز الجلود؛ ولكن يضرب مقدار ما يتألم به ويتوجع، ولا يمزق به الجلود ولا يخرقها.
ونستخرج منه التفريق في الأعضاء كلها والجوارح؛ لأنه لو ضرب في مكان واحد لخرقه ومزقه، سوى الرأس والوجه والمذاكير؛ لما فيه من التأثير والمجاوزة.
فإن كان كذلك ففيه حجة لأبي حنيفة -رحمه الله - في قوله: إن الشهود إذا شهدوا على حد، فضرب به الإمام فأصابه الجراحات، ثم رجعوا لا يضمنون ما أصابه من الجراحات؛ لأنهم لم يشهدوا على ضرب يجرح ويؤثر فيه ما أصابه؛ لذلك لم يضمنوا.
وقول عمر لأبي بكرة: "تقبل شهادتك إن تبت"، فهو يحتمل، أي: تقبل روايتك عن رسول الله ومشاهدك التي شهدتها.
وقد ذكر أن الحكم والحدّ في الآية إنما جرى في قذف المحصنات دون المحصنين بقوله: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ...} الآية، لكن قذف المحصن وشتمه إن لم يكن أكثر في الشين وأعظم في الوزر لا يكون دونه، فالذكر وإن جرى في المحصنات فأمكن وجود المعنى الذي به جرى ذلك في المحصنات في المحصن، وهو ما قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ}، وهو الإيمان والإحصان والعفة؛ لذلك لزم الحكم في هذا كما لزم في المحصنات.
وقد ذكرنا فيما تقدم ألا يجلد من قذف مملوكة أو مملوكاً أو قذف كافرة: أما المملوك فلقوله: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ}، وقد ذكرنا الدليل على أن المراد بالمحصنات الحرائر دون غيرهن؛ لذلك لم يجلد قاذف المملوك.
ولأنا لو أجبنا جلد ثمانين؛ فهو لو أتى بفعل الزنا حدّ خمسين؛ فلا يجوز أن نوجب على قاذفه مما به قذف من الجلد أكثر مما نوجبه في عين ذلك الفعل لو أتى به؛ فيسقط بما ذكرنا الجلد على قاذف المملوك.
وأما الكافر والكفارة: فسقط عن قاذفهما الحدّ؛ لما ذكرنا من قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ}: شرط فيه الإيمان والإحصان والعفة، فإذا فقد واحد مما ذكرنا - لم يقم.
ولأنا لو أوجبنا الحدّ وحددنا، لحد بقذف عدو الله، ولا يجوز أن يجلد مسلم بقذف عدو من أعداء الله، مع ما فيما ذكرنا من المسائل إجماع بين أهل العلم في ذلك، والله أعلم.
وقوله: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ}.
روي عن ابن عباس: قال:
"لما نزلت هذه الآية قال عاصم بن عدي الأنصاري: [إن] دخل منا رجل بيته فوجد رجلاً على بطن امرأته، [و] أراد أن يخرج فيجيء بأربعة رجال شهود؛ ليشهدوا على ذلك - قضى الرجل حاجته وخرج، وإن هو عجل فَقَتَل قُتِل به، وإن هو قال: وجدت فلانا مع فلانة، ضرب به الحدّ، ولاعن امرأته، وإن سكت سكت على غيظ!!. فذكر أنه ابتلي بذلك من بين الناس؛ فأتى رسول الله فأخبره بذلك، وقال: وجدت فلانا على بطنها؛ فأرسل رسول الله إلى امرأته وإلى فلان، فجميع بينهما وبين عاصم فقال للمرأة: ويحك، ما يقول زوجك؟! قالت: يا رسول الله، إنه لكاذب؛ ما رأى شيئاً من ذلك، ولكنه رجل غيور؛ فذلك الذي حمله على أن يتكلم بالذي تكلم، فكان فلان ضيفا عنده يدخل ويخرج علي وهو يعلم ذلك، فلم ينهني عن ذلك ساعة من ليل ونهار أن يدخل علي؛ فسأله عن ذلك فقال: يا عاصم، اتق الله في حليلتك، ولا تقبل إلا حقّاً!! قال: يا رسول الله، أقسم بالله ما قلت إلا حقّاً، ولقد رأيته يغشى على بطنها، وهي حبلى وما قربتها منذ كذا وكذا؛ فأمرهما رسول الله أن يتلاعنا عند ذلك، وقال: يا عاصم، قم فاشهد أربع شهادات بالله أنه لكما قلت، وإنك لمن الصادقين في قولك عليها، ثم قال: والخامسة: أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين؛ ففعل ما ذكر، ثم قال للمرأة مثل ذلك؛ فشهدت أربع شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين عليها، والخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين في قوله، فلما تلاعنا وفرغا من اللعان فرق بينهما، ثم قال للمراة: إذا ولدت فلا ترضعيه حتى تأتيني به، فلما انصرفوا عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ولدته أحيمر مثل الينعة فهو الذي يشبه أباه الذي نفاه، وإن ولدته أسود أدعج جعدا قططا فهو يشبه الذي رميت به، فلما وضعت أتت به رسول الله، فنظر إليه فإذا هو أسود أدعج جعد قطط على ما نعته رسول الله صلى الله عليه وسلم يشبه الذي رميت به؛ فقال رسول الله: لولا اللعان والأيمان التي سلفت لكان لي فيها رأي" .
وفي بعض الأخبار أنه لما جمع بينهما قال لها: بعد أن تلاعنا: "فإن الله يعلم أن أحدكما كاذب؛ فهل منكما تائب؟!" ، [و] قال: "عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا" ، وفي بعض الأخبار: "أن الآية نزلت في لعان هلال بن أمية، فذكر فيه ما ذكرنا، والله أعلم.
ثم في هذا مسائل:
إحداها: أنه ذكر قذف الأزواج وذكر فيه الأيمان ولم يبين؛ فظاهر الآية: الزوج والزوجة: كافران أو مسلمان، حران أو مملوكان، أو كيف [كانا]؟! فعندنا أنه إذا كان أحدهما حرّاً والآخر مملوكاً، أو كانا جميعاً مملوكين لم يكن بينهما لعان إلا أن يكونا جميعاً من أهل الشهادة.
وحجتهم في ذلك أن الله جعل على الأجنبي الحر إذا قذف أجنبية حرة الحدّ ثمانين، وجعل حدّ الزوج إذا قذف زوجته وهما حران مسلمان اللعان، ثم قد ذكرنا إجماعهم على أن الحرّ إذا قذف أمة أو يهودية فلا حدّ عليه؛ فلما لم يكن على الحرّ القاذف للأمة من الحدّ ما على القاذف الحرّ إذا قذف حرة لم يكن على زوج الأمة من اللعان ما على زوج الحرة.
وأصل هذا: أن الله ذكر الشهادة في رمي الأجنبية المحصنة وأبرأ القاذف من الحد إذا أتى بها، وأمر بإقامة الحدّ إذا عجز عن إقامتها، ثم استثنى من الشهداء الذين ذكر في قذف الأجنبية شهادة الزوجين بقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ}؛ فإذا لم يدخلا في تلك الشهادة إذا كانا مملوكين أو كافرين أو أحدهما لم يدخلا فيما استثنى؛ إذا الثنيا استخراج من تلك الجملة المستثناة وتحصيل منها؛ لذلك بطل اللعان.
ووجه آخر في الكافرة: وهو أن المرأة تقول في الخامسة: عليها غضب الله إن كان من الصادقين، وغضب الله يكون عليها بغير شرط؛ فمحال أن يقول القاضي لها: عليك غضب الله بشرط إن كان الزوج صادقاً، وهو يعلم أن غضبه عليها في كل حال؛ لذلك بطل.
والمخالف لنا أولى بإبطال اللعان بين الحرة والأمة والمسلم والذمية منا؛ لأنهم يزعمون أن العبد ليس بكفء للحر ولا الكافر بكفء للمسلم في القصاص في النفس وفيما دون النفس؛ فكيف جعلوهما في أيمانهما أكفاء لأيمان الأحرار المسلمين؟! كان يجب أن يقولوا مثل يمين الكافر يصححان به ليمين المسلم؛ فلا يوجبون بينهما لعانا، والوجه فيه ما ذكرنا بدءاً.
ثم المسألة في إباء الأيمان: إذا أبي أحدهم حدّ عند بعض أهل العلم وهو قول الشافعي، وعندنا أنه لا يحد بالإباء؛ فذهب من أوجب الجلد بالإباء إلى ظاهر قوله: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ}: أوجب الجلد في قذف الأجنبي إذ عجز عن إقامة الشهود، ودرأ عنه الحدّ إذا أتى بأربعة يشهدون؛ فعلى ذلك درأ عن الزوجين الحدّ إذا شهد كل واحد منهما أربع شهادات بالله، فوجب إذا أبي أحدهما الأيمان أن يحد؛ إذ بالأيمان يدرأ الحد ويوجب اللعان.
والثاني: ما قال: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ}: جعل الأيمان سبب درء الحدّ عنها؛ فإذا أبت ذلك لزم الحدّ.
وعندنا أنه لا يحدّ بالإباء؛ لأنه ليس في الإباء ظهور الكذب؛ إذ ليس كل من أبي اليمين يظهر كذبه فيه؛ وإنما يحدّ لظهور كذبه في القذف، وهو لا يعلم، [و] لا يظهر بالإباء، وإنما حدّ في الأجنبية إذا لم يأت بأربعة شهداء؛ لأنه في الظاهر عند الناس كاذب؛ لأنه ليس بينه وبين الأجنبية سبب ولا معنى يبعثه على إظهار ما ذكر، وأمّا فيما بينه وبين زوجته سبب ومعنى يحمله على إظهار ذلك، وهو الغيرة، فإذا كان كذلك فهو في قذف الزوجة في الظاهر صادق عند الناس؛ للسبب الذي ذكرنا؛ لأنه طالب حق قبلها؛ على ما روي: لا يوطئن فرشهن من يكره الأزواج؛ فلا يزال صدقه بإباء اليمين، وأما من قذف أجنبية فهو كاذب في الظاهر؛ لعدم السبب الحامل على إظهار ذلك الكذب، حتى يأتي ما يزيل الكذب وهو الشهود، وفي الزوجة: على الصدق، حتى يظهر بالأيمان؛ لذلك افترقا، ولأن الحدّ لا يقام بالإباء ألبتة.
ولأن الأيمان لا تقابل بشهادة العدول بحال؛ ألا ترى أن من شهد عليه شاهدا عدلٍ بحق، فحلف هو بأيمان لم تقابل الأيمان بتلك الشهادة في سقوط الحق.
وأما قوله: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ}: جائز أن يكون ذلك في تلك المرأة التي في أمرها نزلت الآية، علم رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبها بالوحي؛ ألا ترى أنه قال: إذا جاءت كذا فهو لكذا، وإذا جاءت بكذا فهو لكذا، ثم إذا [بها] قد جاءت شبيها بالذي رميت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لولا الأيمان لكان [لي] ولها شأن" كذَّبها؛ حيث قال: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" ، فدرأت تلك المرأة العذاب عنها بالأيمان.
أو أن يكون العذاب الذي دُرئ عنها الحبس؛ إذ من قولنا: أيهما أبي اليمين حبس، حتى يشهد أربع شهادات بالله، أو تقر بالزنا، أو يكذب نفسه؛ فدرأ الحبس عنها بالأيمان التي ذكر.
وإنما لم يحد بالإباء؛ لأن الإباء لا تظهر الكذب كالإقرار، ولأن الإباء في الحقيقة إباحة.
ولو أن إنساناً أباح للحاكم أن يقيم عليه الحدَّ لم يقم؛ فعلى ذلك هذا، أو لما يجوز أن يأبى عن الأيمان؛ صوناً لنفسه عن اللعن والغضب الّذي ذكر فلم يحدّ؛ لما ذكرنا.
ثم مسألتان في هذا نذكرهما وإن لم يكونا في ظاهر هذه الآية:
إحداهما: في إلحاق الولد أمّه.
والأخرى في تفريق الحاكم بينهما إذا تلاعنا.
قال بعض أهل العلم: إذا فرغ الزوج من لعانه لحق الولد أمه، وإن لم تلتعن المرأة، والقياس في لحوق الولد ما قال أولئك: إنّه يلحق بفراغ الزوج من اللعان.
والقياس في وقوع الفرقة: ما قال أصحابنا: إنه لا يقع إلا بعد فراغ الزوجين جميعاً وتفريق الحاكم بينهما؛ لأن الزوج إذا شهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصّادقين قد ألزم امرأته الزنا في الظاهر؛ فإذا ظهر أن الولد ليس منه فجائز لحوقه بالأم بفراغه من اللعان.
وأما الفرقة فإنها لا تقع بظهور الزنا؛ ألا ترى أن امرأة الرجل إذا زنت لا يقع بينهما الفرقة، [و] ألا ترى أن دعوى المرأة باقية بعد فراغ الزوج من أيمانه؛ لذلك افترقا.
والأخبار تدل لمذهب أصحابنا في المسألتين جميعاً؛ لأنه روي عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلا لاعن امرأته في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها؛ ففرق رسول الله بينهما، وألحق الولد بالمرأة.
وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما لاعن بينهما فرق بينهما.
وروي في الأخبار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما:
"اللهُ يعلمُ أنَّ أحدَكما كاذبٌ؛ فهل منكما تائبٌ؟" ، قال ذلك لهما ثلاثاً، فأبيا؛ ففرق بينهما.
وفي بعض الأخبار قال:
"حسابُكما على اللهِ، أحدُكما كاذبٌ، لا سبيلَ لكَ عليها" .
فإن قيل: إنما فرق بينهما النبي؛ لأن الفرقة قد وقعت بينهما؛ فأخبره النبي أنه لا تحل له، وقال: "لا سبيل لك عليها" .
قيل: قولكم: إن الفرقة قد وقعت بينهما باللعان دعوى منكم، وظاهر الأخبار يشهد لنا وعلى وهم الخصم.
ثم يقال لهم: ألستم تقولون في المولى إذا مضت مدته فارتفعا إلى الحاكم: هل تقع الفرقة بينهما إذا امتنع من قربانها وطلاقها ما لم يقل القاضي: قد فرقت بينكما؟!
فإن قيل: فرقة الإيلاء طلاق وفرقة اللعان غير طلاق عندنا.
قيل: هما عندنا طلاق.
فإن قيل: إنكم تزعمون أن فرقة الإيلاء تقع بمضي الأجل؛ فما منع أن يقع الفرقة باللعان بتمام اللعان؟!
قيل: لم يكن للحاكم في الإيلاء صنع؛ فلا يحتاج إلى حكمه، وفي الآخر: لا يتم اللعان إلا بالقاضي؛ فلا تقع الفرقة إلا بالقاضي.
ويقال لهم: ما تقولون في رجل ادعى حقّاً فأقام عليه شاهدين عند قاض: هل يلزم الحكم قبل أن يقول القاضي: قد حكمت بذلك؟ فإن قالوا: لا يلزم الحكم حتى يقول: قد حكمت؛ فيقال: ما منع أن [يكون] اللعان مثله؟!
ويقال لهم أيضاً: ما تقولون في العنين: أجّله الحاكم [أيفرق] بينهما؟ فإن قالوا: لا تقع حتى يفرق الحاكم بينهما، قيل: ما منع في فرقة اللعان أنه كذلك؟!br> فإن قالوا: إنما صارت الفرقة لا تقع في العنين والمولى حتى يوقعها الحاكم، يقول: طلقها أو فيء إليها، ويقول لامرأة العنين: اختاري في الفرقة أو المقام معه؛ فلما كان الحاكم ينتظر ما يقول المولى وامرأة العنين، لم تقع الفرقة حتى يوقعها، وليس في اللعان شيء ينتظره الحاكم؛ لذلك افترقا.
فقيل: بل ينتظر الحاكم تكذيب المرأة نفسها؛ فيحدها وتكون امرأته، وكذلك إن أكذب الزوج نفسه حدّه وترك عنده امرأته.
وأصله أنه لا تقع الفرقة إلا بعد التعانهما جميعاً وتفريق الحاكم بينهما؛ لأنهما إذا التعنا جميعاً عند ذلك يكون أحدهما معلوناً أيهما كذب، والانتفاع بالملعون حرام؛ ألا ترى أنه روي في الخبر أنها موجبة، أي: اللعنة التي ذكرت؛ فإنما يلحق اللعن أحدهما إذا التعنا جميعاً، فأما بالتعان الزوج خاصة فلا يقع؛ فإذا كان كذلك فيحتاج إلى أن يفرق الحاكم بينهما ويطرد أحدهما من صاحبه؛ إذ اللعن هو الطرد في اللغة، وهو عندنا كالعقود التي تفسخ: لا يكون إلا بالحاكم، نحو ما ذكرنا من العنين، والذي يأبى الإسلام، وغيرها من العقود؛ فإنه لا يقع بينهما الفرقة إلا بالحاكم؛ فعلى ذلك هذا.
وروي عن عمر أنه قال: المتلاعنان يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً.
ثم مسألة أخرى: أنه إذا فرق بينهما باللعان فأكذب الملاعن نفسه: يجوز له أن يتزوجها أم لا؟
فعند بعض أهل العلم: ليس له أن يتزوجها؛ احتجوا بما روي عن عمر وعلي - رضي الله عنهما -: "المتلاعنان لا يجتمعان أبداً"، وعن عبد الله كذلك.
وعند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -: له أن يتزوجها إذا أكذب نفسه، وليس في الخبر: "لا يجتمعان أبدا"، وإن تاب وأكذب نفسه فجائز أن يكون قوله: "لا يجتمعان أبداً" ما داما في تلاعنهما وما أقام على قوله ولم يكذب نفسه، وإن كان فيه حجة لمن قال إذا قال: "لا يجتمعان" قبل التوبة وبعدها، يدل على ما ذكرنا قوله:
{ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً } [الكهف: 20]، وقوله: { وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً } [الكهف: 20] ما داموا في ملتهم، فأمّا إذا انقلعوا منها فقد أفلحوا؛ فعلى ذلك: لا يجتمعان أبدا ما داموا في تلاعنهما وما أقام الزوج على قوله، فأمّا إذا رجع عن ذلك لهما الاجتماع، واجتمعوا: أنه إذا أكذب نفسه وادعى الولد ألحق به؛ فعلى ذلك هي.
والثاني: لو أكذب الزوج نفسه بعد اللعان قبل الفرقة، وجب أن يحدّ، ويكونان على نكاحهما، فيجب إذا أكذب نفسه بعد اللعان فجلد - فله أن يتزوجها.
ثم فرقة اللعان عندنا طلاق، وهي تطليقة بائنة؛ لما روي
"أن النبي صلى الله عليه وسلم لما لاعن بين عويمر وامرأته - قال: كذبت عليها إن أمسكتها؛ هي طالق ثلاثا" ؛ فصارت سنة في المتلاعنين، فإذا كانت سنة الفرقة بين المتلاعنين الطلاق الذي أوقعه عويمر؛ فواجب أن يكون كل فرقة تقع باللعان: طلاقا.
ومن الدليل على ذلك أن قذف الزوج كان سبب هذه الفرقة، وكل فرقة تكون من الزوج، أو أن يكون الزوج سببها، وتقع بقوله فإنها طلاق: كالعنين، والخلع، والإيلاء ونحوه؛ فعلى ذلك فرقة اللعان تطليقة بائنة؛ لأن الزوج سببها وتقع به، وعلى ذلك جاءت الآثار عن السلف أن كل فرقة وقعت من قبل الرجال بقول، فهي طلاق، من نحو إبراهيم، والحسن، وسعيد وقتادة وهؤلاء، وكذلك يقول أصحابنا: إن كل فرقة جاءت من الرجال بقول - فهي تطليقة.
فإن عورض بأفعال تكون من الرجال، فتقع بها الفرقة والحرمة: من نحو الجماع ونحوه - فذلك ليس بمعارضة لما ذكرنا، والله أعلم.
ثم قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}.
هذا الحرف مما يقتضي الجواب، ثم يحتمل أن يكون جوابه: لولا فضل الله عليكم ورحمته لأظهر الكاذب منهما من الصادق، والمذنب من غيره.
ويحتمل: لولا فضل الله عليكم ورحمته لأظهر الملعون منهما من غيره، لكن لا ينتفع بأحدهما مما لحقه الّلعن الّذي ذكر، ولا يحل الانتفاع بالملعون؛ ألا ترى أنه روي في الخبر: أن امرأة ركبت ناقتها فلعنتها فاستجيب؛ فأمرت أن ترفع ثيابها وتخلي سبيلها. لكن بفضله ورحمته ستر على الملعون حتى يجوز لغيره أن ينتفع به، وإن كان لا يجوز لواحد منهما أن ينتفع بصاحبه ما دامت اللعنة فيها قائمة.
وجائز أن يكون وجه آخر: وهو أن يقال: لولا فضل الله عليكم ورحمته لأظهر الملعون منهما، وإلا جعل العقوبة بين الزوجين كهي في الأجنبيين: وهي الحدّ، ولأظهر الزاني، لكن بفضله لم يجعل، والله أعلم.
وقوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ}.
جائز أن يكون {تَوَّابٌ}: يقبل التوبة إذا تاب وأكذب نفسه؛ فيرفع اللعن عنهما بالتوبة؛ فإذا رفع اللعن جاز لهما الانتفاع والاجتماع بينهما؛ ففيه حجة لقول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - في جواز نكاحهما إذا أكذب نفسه.
{حَكِيمٌ}: حيث حكم بالحكمة بين المتلاعنين، أو {حَكِيمٌ}: وضع كل شيء موضعه.
وفيه نقض قول المعتزلة في قولهم: إن الله لا يفعل بأحد إلا ما هو أصلح له في الدين وأخير؛ إذ لو لم يكن له أن يفعل غير الذي فعل لم يكن لتسمية ما فعل فضلا ورحمة - معنى؛ فدل أن له أن [يفعل] غير الأصلح في الدّين.