خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
٤٠
ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٤١
قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ
٤٢
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ
٤٣
مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ
٤٤
لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ
٤٥
-الروم

تأويلات أهل السنة

قوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ}.
ولم تكونوا شيئاً، وأنتم تعلمون ذلك.
{ثُمَّ رَزَقَكُمْ}.
وأنتم تعلمون ذلك أن [لا يقدِّر] الأرزاق لكم غيره.
{ثُمَّ يُمِيتُكُمْ}.
وأنتم تعلمون ألا يملك أحد غيره ذلك؛ فعلى ذلك يملك إحياءكم ولا يملك أحد ممن تعبدون دونه من الأصنام ذلك؛ فكيف تعبدون دونه.
وقوله: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ}.
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: هؤلاء الذين تعبدون شركاؤكم فيما ذكر من الخلق والرزق فكيف تعبدون وتتخذون آلهة دونه؟!
والثاني: هل من شركائكم الذين أشركتموها في عبادة الله وألوهيته تملك ما ذكر، يقول: لا تملك شيئاً مما ذكر، على علم منكم أنها لا تملك ذلك، فيقول: فكيف تشركونها في ألوهيته؟ ثم نزه نفسه وبرأها عن جميع العيوب التي وصفه الملحدون، فقال:
{سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
لأن حرف {سُبْحَانَ} حرف تنزيه عن جميع العيوب، والتعالي: هو وصف وتبرئة عن أن يغلبه شيء أو يقهره؛ هو من العلو، متعال عن أن يغلبه شيء أو يقهره.
وقوله: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ}.
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون قوله: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}، وهو الشرك والكفر، {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} من الأمور التي كانوا يتعاطون من قطع الطريق، والسرق، والظلم، وأنواع أعمال السوء التي يتعاطونها، ذلك هو سبب شركهم وكفرهم بالله، وبذلك كان شركهم وكفرهم ذلك كان يغطي قلوبهم؛ حتى لا تتجلى قلوبهم للإيمان؛ كقوله:
{ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [المطففين: 14]، وكقوله: { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ... } الآية [التوبة: 77] ونحوه؛ فإن كان هذا فهو على حقيقة تقديم الأيدي والكسب.
والثاني: أن يكون {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} هو القحط وقلة الأمطار والأنزال والضيق، وقوله: {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} هو شركهم وكفرهم وتعاطيهم ما لا يحل، أي: ذلك القحط والضيق وقلة الأنزال والشدائد لهم؛ لشركهم وكفرهم وأعمالهم التي اختاروها، ويكون ذكر كسب الأيدي على المجاز لا على الحقيقة؛ ولكن لما باليد يكتسب وباليد يقدم، ذكر اليد؛ كقوله:
{ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } [الحج: 10]، ولعله لم يقدم شيئاً، لكنه ذكر أنه ظهر الشرك والكفر بحقيقة كسب الأيدي من أعمال السوء التي ذكرنا، ذلك كان يمنعهم عن الإيمان وكشف الغطاء عن قلوبهم.
وفي التأويل الآخر: الفساد الذي ظهر هو القحط وقلة الأمطار والأنزال والضيق؛ {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ}: هو الشرك والكفر وتعاطي ما لا يحل، لا على حقيقة كسب الأيدي؛ ولكن لما ذكرنا.
ثم اختلف في قوله: {فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}: قال بعضهم: البر: هو المفاوز التي لا ماء فيها، والبحر: القرى والأمصار.
وقال بعضهم: أما البر فأهل العمود، والبحر: هم أهل القرى والريف.
وقال بعضهم: البر: قتل ابن آدم وأخاه، والبحر:
{ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } [الكهف: 79].
وجائز أن يكون لا على حقيقة إرادة البر والبحر؛ ولكن على إرادة الأحوال نفسها، على ما ذكرنا من القحط والضيق وقلة الأنزال؛ بما كسبت أيدي الناس من الشرك والكفر.
{لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ}.
وهو الشرك، هذا أشبه.
وعن الحسن قال: (أفسدهم الله في بر الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة؛ لعلهم يرجع من كان بعدهم ويتعظون بهم).
وقتادة يقول: لعل راجعاً يرجع، لعل تائباً يتوب، لعل مستغيثاً يستغيث، وأصله: لكي يلزمهم الرجوع والتوبة عما عملوا، وينبههم عن ذلك كله.
وقال بعضهم: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}، أي: أجدب البر وانقطعت مادة البحر؛ بذنوب الناس.
قال أبو عوسجة: الربا من الربو مثل ما يصنع أصحاب الربا، {لِّيَرْبُوَاْ}، أي: ليزيد ويكثر؛ يقال: ربا ماله، أي: كثر.
والقتبي: يقول: أي: يزيدكم من أموال الناس من زكاة وصدقة.
وقوله: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ}.
قد ذكرنا في غير موضع: أنه ليس على حقيقة الأمر بالسير في الأرض؛ ولكن كأنه يقول: لو سرتم في الأرض ونظرتم لرأيتم عاقبة من كان قبلكم من المشركين، وهكذا في الرسل وما حل بهم؛ فينبهكم ويمنعكم عن تكذيب الرسل والشرك بالله.
أو أن يكون هو على الأمر بالفكر والنظر والاعتبار؛ كأنه يقول: تفكروا واعتبروا فيما سرتم في الأرض، وانظروا إلى ماذا صار عاقبة مكذبي الرسل من قبل؛ فينزل بكم بالتكذيب ما نزل بأولئك؟ والله أعلم.
وقوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ}.
قد ذكرناه فيما تقدم في قوله:
{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً } [الروم: 30].
وقوله: {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ}.
قال بعض أهل التأويل: لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم من الله.
ثم هو يخرج على وجهين:
أحدهما: لا مرد له من الله، أي: لا يردون من ذلك اليوم إلى ابتداء المحنة؛ كقولهم:
{ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ } الآية [الأنعام: 27]، وقولهم: { أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ } [فاطر: 37]، ثم أخبر عنهم فقال: { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } [الأنعام: 28]، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: {لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ}، أي: لا يردون إلى ما يسألون الرد.
والثاني: {لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ}، أي: لا إقالة لهم من الله ولا عفو ولا توبة إذا أتاهم ذلك اليوم؛ كقوله:
{ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا... } الآية [الأنعام: 158].
وقوله: {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ}.
أي: يتفرقون؛ كقوله:
{ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } [الروم: 14]، هو يوم الافتراق، ويوم الجمع، ويوم الفصل على اختلاف الأحوال والأوقات، والله أعلم.
وقوله: {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}.
أي: من كفر فعليه كفره وعليه ضرر كفره، ومن آمن وعمل صالحاً، فله ثواب إيمانه، وله منفعة عمله؛ لأنه - عز وجل - إنما امتحنهم بأنواع ما امتحن لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، لا لحاجة أو لمنفعة له، وكذلك قوله:
{ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا } [فصلت: 46]، وقوله: { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ } الآية [الإسراء: 7]، وهو ما ذكرنا أنه إنما أمرهم ونهاهم وامتحنهم؛ لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، لا لحاجة أو لمنفعة لنفسه؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: {يَمْهَدُونَ}، قال بعضهم: يفترشون.
وقال أبو عوسجة والقتبي: فلأنفسهم يعملون ويوطئون، وهو من المهاد، والمهاد في الأصل: الفراش.
وقوله: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ}.
هذا يدل أن الثواب والجزاء سبيل وجوبه الفضل في الحكمة؛ لما سبق من الله إليهم نعم ما لم يتهيأ لهم القيام بشكر واحدة منها، فضلا أن يقوموا للكل؛ فإذا كان كذلك صار الثواب والجزاء وجوبه الفضل لا الاستحقاق والاستيجاب وأما العقوبات فوجوبها الاستحقاق؛ إذ في الحكمة وجوبها؛ لذلك افترقا.
وجائز أن يكون قوله: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: يجزيهم في الآخرة بالخيرات التي عملوها في الدنيا، وذلك من فضله به نالوا ذلك وبفضله، والله أعلم.