خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
٢٥
لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ
٢٦
وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٧
مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
٢٨
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
٢٩
ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ
٣٠
-لقمان

تأويلات أهل السنة

قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}.
أخبر رسوله أنك لو سألتهم من خلق السماوات والأرض يقولون ذلك ويجيبونك: الله خلقهم. ثم يخرج قوله: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} على أثر إقرارهم له بالتوحيد له والتفرد بالخلق على وجهين:
أحدهما: أمر رسوله بالحمد له؛ لما لا يحتاج إلى إقامة الحجة على وحدانية الله وربوبيته سوى إقرارهم؛ إذ قد أقروا له بالوحدانية فيما ذكر؛ فعلى ذلك يلزمهم ذلك في كل شيء، دق أو جل؛ فيقع الأمر بالحمد على ذلك.
أو يأمر رسوله بالحمد له؛ لما أنجاه وخلصه وسلمه عما ابتلوا هم وفتنوا من التكذيب وعبادة الأصنام بعد إقرارهم بالوحدانية له والألوهية؛ فحمده على إفضاله عليه ورحمته وعصمته له بين أولئك الكفرة.
على هذين الوجهين يخرج تأويل أمر الحمد على أثر ما ذكر، والله أعلم. ويكون قوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} مقطوعاً مفصولا من قوله: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ}؛ إذ لو لم يجعل مفصولا منه، لخرج الأمر بالحمد له في الظاهر على ما لا يعلم أولئك، وذلك لا يصلح.
ثم قوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} يخرج على وجوه:
أحدها: ما ذكرنا: أنه نفى عنهم العلم؛ لما لم ينتفعوا به من نحو البصر والسمع واللسان ونحوه؛ فعلى ذلك العلم.
والثاني: لا يعلمون؛ لما تركوا النظر والتفكر في أسباب العلم.
أو أن يكون قوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}: أن عبادتهم الأصنام لا تقربهم إلى الله زلفى ولا تشفع لهم؛ لأنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تزلفهم إلى الله، ورجاء أن يكونوا لهم شفعاء عند الله بقولهم:
{ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس: 18]، و { لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ } [الزمر: 3].
أو أن يكونوا لم يعلموا بجزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا - في الآخرة، والله أعلم.
وقوله: {لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ}.
كأنه يخبرهم ويذكر[هم]: أن ما يأمرهم به وينهاهم عنه، وما يمتحنهم من جميع أنواع المحن لا لحاجة نفسه أو لدفع المضرة عن نفسه؛ ولكن لحاجة أنفس الممتحنين ولمنفعتهم ولدفع المضرة عنهم؛ إذ من بلغ ملكه وغناه وسلطانه المبلغ الذي ذكر حتى كان له جميع ما في السماوات والأرض - لا يحتمل أن يأمر الخلق وينهى أو يمتحن لحاجة نفسه؛ ولكن لحاجة الخلق في جر المنفعة ولدفع المضرة.
أو يذكرهم نعمه عليهم؛ ليتأدى به شكره، حيث سخر لهم ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهما، وحقيقة ملك ذلك كله له.
وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ}: الغني بذاته لا يعجزه شيء، أو غني عمن استغنى عنه، {ٱلْحَمِيدُ}، قيل: أهل أن يحمد ويشكر بذاته.
وقيل: حميد في فعاله وصنائعه، ويكون الحميد بمعنى: الحامد، ويكون بمعنى: المحمود، والله أعلم.
وقوله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ}:
لا يحتمل أن يكون ذكر هذا الكلام ابتداء من غير أمر أو سؤال أو خطاب سبق من القوم حتى ذكر هذا، لكنا ما نعلم ما سبب ذلك؟ وما قصته؟ وما أمره؟ حتى أنزل هذا، لكن ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: إن اليهود - أعداء الله - سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح وما هو؟ فنزل:
{ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } [الإسراء: 85] أي: من علم ربي، لا علم لي به، وتلا قوله: { وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } [الإسراء: 85]، أي: يسيراً في علم الله، فلما قرأ عليهم هذه الآية قالوا: كيف تزعم هذا وأنت تزعم أن من أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً؛ فكيف يجتمع هذا: علم قليل وخير كثير؟! قال: فنزل {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ}، يقول: تبرى الشجرة أقلاماً، والبحر يمده سبعة أبحر؛ فتكون كلها مداداً يكتب بها علم الله لانكسرت الأقلام، ولنفذ المداد ولم ينفذ علم الله، فما أعطاكم من العلم قليل فيما عنده من العلم كثير فيما عندكم، إلى هذا يذهب أكثرهم. ولكن غير هذا كأنه أشبه بسبب نزوله وذكره، وهو يخرج على وجهين:
أحدهما: ما ذكرنا في قوله: {لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أنه بلغ ملكه وسلطانه ما لو صار ما ذكر من الأشجار كلها أقلاما والبحار كلها مدادا، فكتب بها أسماء خلقه وملكه وسلطانه لنفذ ذلك كله، ولم ينفذ خلقه ولم يبلغوا غاية ذلك.
أو ذكر هذا لهذا القرآن؛ لقول كان من الكفرة في قلته في نفسه وصغر ما كتب هو فيه أن يقولوا: كيف يسع في هذا المقدار علم الكتب السالفة المتقدمة، وهي أوقار وهو جزء؟! فيخبر - والله أعلم -: أنه جمع في هذا من المعاني والعلم والحكمة ما لو فسره وبين ما أودع فيه وضمنه، ما لو جعل ما في الأرض من الشجر أقلاماً والبحار مداداً، فكتب ما أودع فيه وضمنه - لنفذ ذلك كله ولم ينفذ ما جمع فيه وضمنه، هذا - والله أعلم -: يشبه أن يكون تأويله وسبب نزوله، والله أعلم بذلك.
{إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
وقوله: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}.
قال بعضهم: ذكر هذا؛ لأن نفراً من قريش قالوا للنبي: إن الله خلقنا أطوارا: نطفة، علقة، مضغة، عظما، لحماً، ثم تزعم أنا نبعث خلقاً جديداً في ساعة واحدة؟! فقال الله - عز وجل -: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ} أيها الناس جميعاً على الله في القدرة إلا كبعث نفس واحدة.
{إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ}، لقولهم الذي قالوه: إنا لا نبعث، {بَصِيرٌ}، بأمر الخلق والبعث.
وجائز أن يكون قال: هذا، لما قد أقروا ببعث نفس واحدة لما انتهى إليهم [من] الأخبار عما كان في الأمم السالفة من الإحياء بعد الممات وتواترت على ذلك، من ذلك قوله:
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ } [البقرة: 243]، وكقولهم: - حيث قالوا -: { أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً... } الآية [النساء: 153]، وكقوله: { ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ } [البقرة: 56]، وقوله: { فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } [البقرة: 259] فكأنهم أقروا ببعث هؤلاء لما تواترت عليهم الأخبار بذلك، وأنكروا بعث سائرهم؛ فقال: ما خلقكم ولا بعثكم جميعاً إلا كبعث نفس واحدة: إذا ثبت لواحد ففي الكل كذلك.
أو أن يذكر هذا؛ لأن الأسباب إنما تختلف في الأمور على الخلق وتعسر لخصال ثلاث: إما لعجز، أو لجهل، أو لشغل، فإذا كان الله - سبحانه وتعالى - يتعالى عن أن يعجزه شيء، أو يخفى عليه شيء، أو يشغله شيء؛ فصار خلق الكل عليه وبعث الكل كخلق نفس واحدة وكبعث نفس واحدة.
أو أن يذكر [هذا]؛ لأن الواحد والكل والقليل والكثير [و]ما كان وما يكون تحت قوله:
{ كُنْ فَيَكُونُ } [البقرة: 117] معبر بكن مترجم به من غير أن كان منه (كاف) أو (نون)، لكنه ذكر {كُنْ}؛ لأنه أوجز حرف في كلام العرب وأقصر كلام يترجم به من غير أن كان منه (كاف) أو (نون)، والله أعلم.
وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}: كأنه قد كان من أولئك من قول أو كلام في ذلك؛ حتى قال: {سَمِيعٌ} لذلك؛ {بَصِيرٌ} عالم لذلك.
أو بصير بأحوال الخلق وبأمورهم.
وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ}.
يذكرهم قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره؛ وفيه دلالة البعث.
أما قدرته: فلما أدخل الليل في النهار والنهار في الليل، ثم حفظهما على حد واحد وعلى ميزان واحد، على غير تفاوت يقع في ذلك ولا تغير؛ فمن قدر على ذلك لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء؛ وكذلك ما ذكر: من تسخير الشمس والقمر، وما يقطعان في يوم واحد وليلة واحدة - مسيرة خمسمائة عام ما لا يتصور ذلك في أوهام الخلق ولا في تقديرهم قطع ذلك المقدار من المسير في مثل تلك المدة.
ودل إنشاء أحدهما وإحداثه بعدما ذهب الآخر برمته وكليته حتى لا يبقى له أثر - على أنه قادر على الإحياء بعد الموت وبعدما ذهب أثره؛ ففي ذلك دلائل من وجوه:
أحدها: دلالة قدرته؛ حيث أدخل أحدهما في الآخر، وحفظهما كذلك على حد واحد وتقدير واحد، على غير تغيير وتفاوت يقع في ذلك؛ دل ذلك على قدرته وعلمه وتدبيره.
ودل إنشاء كل واحد منهما بعدما ذهب الآخر على القدرة على البعث.
وقوله: {كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}.
إلى الوقت الذي جعل له، لا يتقدم ولا يتأخر.
{وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}، ظاهراً وباطناً هذا وعيد؛ ليكونوا أبداً خائفين حذرين متيقظين، والله أعلم.
وقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ}.
أي: ذلك الذي ذكر من خلق الخلق وإنشاء ما ذكر وتسخيره لمن ذلك، وصنعه في الليل والنهار والشمس والقمر وجميع ما ذكر هو صنع الإله الحق المستحق لتسيمة الألوهية والعبادة.
{وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ}، من الأصنام مبطلون غير مستحقين تسمية الألوهية والعبادة.
أو هو الحق؛ لأنه هو الذي يسوق إليكم هذه النعم والمنافع، {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ}: لا ينفعكم عبادتكم إياها.
{وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ}.