خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ
٢٦
أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ
٢٧
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٢٨
قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ
٢٩
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ
٣٠
-السجدة

تأويلات أهل السنة

قوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} يقول - والله أعلم -:
أو لم يبين لأهل مكة، ولم يكفهم من الهداية والبيان ما أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم، فيرون ما حل بهم، ومن أهلك ومن نجا منهم؛ فيقع الاعتبار لهم بمن ذكر من وجهين:
أحدهما: زعموا أن آباءهم على ما هم عليه، وأنهم يقلدونهم في ذلك، وأنهم أمروا بذلك، فيخبر أنك أولاد من نجا منهم، لا أولاد من أهلكوا؛ لأنهم استؤصلوا؛ فلا يحتمل أن تكونوا أولاد من استؤصلوا؛ فدل أنهم أولاد من نجا منهم، وإنما نجا منهم المصدّق لا المكذب، فيخبر أن كيف لا اتبعتم آباءكم الذين نجوا منهم وهم المصدقون، دون الذين أهلكوا بالتكذيب والعناد؟!
والثاني: يعتبرون فيعلمون أن إهلاكهم واستئصالهم كان؛ للتكذيب والعناد مع الرسل والخلاف لهم؛ فيمنعهم ما حل بهم بالتكذيب والخلاف للرسل عن تكذيب رسول الله ومجادلتهم إياه.
وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ}.
قال بعضهم: أفلا يبصرون ذلك حيث يمشون في مساكن أولئك، ويمرّون فيها؟!
[و]قال بعضهم: أفلا يسمعون ما يحدث لهم عن أولئك، وما حل بهم، وبم نزل ذلك بهم؟!
وقال بعضهم: {أَفَلاَ يَسْمَعُونَ}: أفلا يعقلون لماذا أهلكوا أو استؤصلوا؛ فيمتنعون عن ذلك؟!
وقال بعضهم: أفلا يستمعون الوعيد الذي أوعد لهم.
وقيل: أفلا يستمعون التوحيد، والله أعلم.
وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً...} إلى آخر ما ذكر.
هذه الآية ذكرت في الاحتجاج عليهم لإنكارهم البعث، والأولى ذكرت لإنكارهم نزول العذاب بالتكذيب والخلاف للرسل، فيخبرهم أن من قدر على سوق الماء إلى الأرض الميتة اليابسة وإحيائها، لقادر على إحيائكم بعد الموت؛ إذ الأعجوبة والقدرة في إحياء الأرض الميتة اليابسة إن لم يكن أكثر فلا تكون دون ما أنكروا؛ فكيف أنكرتم القدرة على إحياء الموتى، وقد عاينتم ما هو أكثر أو مثله؟!
والأرض الجرز: قال أبو عوسجة: هي التي لا نبت فيها، وأرضون أجراز، وأرض أجراز، وكذلك قال القتبي: الأرض الجرز: اليابسة: التي لا نبت فيها، وجمعها أجراز، ويقال سنون أجراز: إذا كانت سني جدب.
وقال بعضهم: الأرض الجرز: التي تأكل نباتها، أي: يحترق فيها، يقال: امرأة جرزاء: إذا كانت أكولة، أو كلام نحوه.
{تَأْكُلُ مِنْهُ}، من الزرع الذي ذكر أنه يخرج من الأرض اليابسة بالماء.
{أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ}، قدرته في إخراج ما ذكر مما فيه غذاؤكم وغذاء ما سخر لكم من الأنعام.
أو يذكر نعمه، يقول: أفلا تبصرون نعمه؛ فكيف تكفرونه، وتعبدون غيره، وتصرفون الشكر إلى غيره؟! وذكر عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "الأرض الجرز التي لا نبات فيها".
وقوله: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
قال بعضهم: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون ويتحدثون: إن لنا يوماً أوشك أن نستريح فيه ونتنعم فيه - يعنون: يوم القيامة - فقال كفار مكة: متى هذا الفتح؟ وهو القضاء.
{إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}: بأنه كائن، فإن كان البعث والقيامة حقّاً - صدّقنا يومئذ وآمنا؛ فأنزل الله - تعالى -، {قُلْ} يا محمد لهم: {يَوْمَ ٱلْفَتْحِ}: يوم القضاء، {لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ}. بالبعث؛ لقولهم: لو كان البعث الذي يقولون حقّاً صدقناه يومئذ.
{وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ}:
يقول: لا ينظر بهم بالعذاب حين يعذبون.
وقال بعضهم: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتذاكرون - وهم بمكة - فتح مكة لهم؛ فكان ناس من أهل مكة إذا سمعوا ذلك منهم هزءوا بهم وسخروا ويقولون لهم: متى فتحكم الذي تزعمون؟ فنزل: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ} يا أصحاب محمد، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أنها تفتح عليكم.
لكن هذا بعيد؛ لأنه يقول على أثره: {قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ}، ولو كان فتح مكة، لكان ينفعهم إيمانهم، ولهم نظرة وإنظار؛ دل أنه يبعد صرفه إلى فتح مكة، والأول أشبه أن يكون؛ لما ذكر من ترك قبول الإيمان والإنظار، وفي الدنيا يقبل ذلك كله؛ فظهر أن الأول أشبه: كان السؤال عن الساعة أو عن المحاكمة، إلا أن يثبت ما ذكر في الخبر: أنه لما فتح مكة أقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ذلك اليوم وانهزم المشركون؛ فخرجوا من مكة، وأقام من أقام بها؛ فأمنه النبي صلى الله عليه وسلم فأدلج خالد بن الوليد تلك الليلة دلجة في سبعمائة رجل ومعه أبو قتادة الأنصاري، فأسروا في أسفل مكة حتى سقطوا من وراء الحرم، فوجدوا الذين كانوا يهزءون بأصحاب محمد، ويقولون: متى فتحكم هذا؟ فوق جبل قد تحصنوا فيه، فلما رأوا خالد بن الوليد قالوا: هذا خالد بن الوليد وإحنته، وقد كان بينه وبينهم في الجاهلية إحنة، فقال لهم خالد بن الوليد: ما لكم؟ قالوا: قد أسلمنا، قال: إن كنتم قد أسلمتم فانزلوا، فنظر بعضهم إلى بعض، فقال رجل منهم: أطيعوني ولا تنزلوا إليه؛ فوالله لئن نزلتم إليه ليهلكنكم، إنه لخالد بن الوليد وإحنته، قالوا: والله ما علينا سبيل؛ لقد أسلمنا، ثم نزلوا ووضع عليهم خالد بن الوليد السلاح، واعتزل أبو قتادة، فقال: معاذ الله أن أعين على شيء مما هاهنا، فبلغ ذلك النبي؛ فبعث إليهم علي بن أبي طالب بالدية من غنائم خيبر، فوداهم إليه بالدية حتى بعث إليهم بردعة الخيل حين راعوهم، ومساقي الكلاب كانوا كسروها فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء لهم، فذلك قوله: {قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ}.
{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} يا محمد إلى مدة لهم، {وَٱنتَظِرْ}، بهم العذاب، أي: القتل وهلاكهم {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} هلاككم.
وقال بعضهم: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ}: إلى ذلك اليوم، {وَٱنتَظِرْ}: بهم فتح مكة، {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ}: هلاكك.
أو أن يكون قوله: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ}، أي: لا تكافئهم لأذاهم إياك، {وَٱنتَظِرْ}: مكافأتنا إياهم، {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ}: ذلك، والله أعلم بالصواب.