خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً
١٢
وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً
١٣
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً
١٤
وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً
١٥
قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً
١٦
قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً
١٧
قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً
١٨
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً
١٩
يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً
٢٠
-الأحزاب

تأويلات أهل السنة

قوله: {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}.
يحتمل أن يكون قوله: {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}: هما واحد، وهم المنافقون.
وجائز أن يكون المنافقون هم الذين أضمروا الخلاف له، وأظهروا الوفاق، على إبانة الحق لهم وظهوره، {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}: هم الذين كانوا مرتابين في ذلك، لم يبن لهم ذلك، ولم ينجل قالوا هذا.
{مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً}:
قال عامة أهل التأويل: الذي وعد لهم فتوح البلدان، قالوا لما أحاط بهم - أعني: بالمؤمنين - الكفار قال ذلك المنافقون.
وقوله: {وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ}.
قيل: {يَثْرِبَ}: المدينة، ويقال: {يٰأَهْلَ يَثْرِبَ}: يأهل المدينة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"من قال للمدينة: يثرب، فليستغفر الله ثلاثاً؛ هي طابة هي طابة"
ثم قال بعضهم: إن قوله: {وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ} إنما قاله أهل النفاق لبعضهم: {لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ}.
ثم يحتمل قوله {لاَ مُقَامَ لَكُمْ} وجهين:
أحدهما: ما قالوا: {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} من الفتح والنصر {إِلاَّ غُرُوراً}.
والثاني: {لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ}؛ لما لم يقع عندهم أنهم يصلون إلى ما كانوا يطمعون ويأملون؛ لأنهم كانوا يخرجون رغبة في الأموال وطمعاً فيها، وهو ما وصفهم:
{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ... } الآية [الحج: 11].
وجائز أن يكون هذا القول من المؤمنين لأهل النفاق؛ فإن كان من المؤمنين لأولئك فالوجه فيه: أنهم أرادوا أن يطردوهم؛ لفشلهم ولجبنهم؛ لئلا يهزموا جنود المؤمنين بانهزامهم؛ لأنهم قوم همتهم الانهزام فإذا انهزموا هم انهزم غيرهم؛ فالمعنى: إذا كان ذلك من المؤمنين لهم غير المعنى إذا كان [من] أهل النفاق بعضهم لبعض، والله أعلم.
وقوله: {وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ}.
بالرجوع إلى المدينة، كقوله:
{ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ } [التوبة: 45].
وقوله: {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ}.
قال بعض أهل التأويل: {بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ}: خالية من الناس، ليس فيها أحد، فنخاف السرق عليها والأخذ والمكابرة.
ويحتمل أن يكونوا أرادوا بالعورة دخول العدوّ عليها إذا كانوا هم في الجند، العورة، أي: يدخل علينا مكروه ما يحزننا ويهمُّنا، أو كلام نحو هذا، فأكذبهم الله في قولهم، وقال: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ}، بل الله يحفظها على ما وعد، حتى لا يدخل عليهم مكروه لما يخافون ولا يصيبهم.
وقوله: {إِن يُرِيدُونَ}، أي: ما يريدون {إِلاَّ فِرَاراً} من القتال.
وقوله: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا}.
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما، أي: لو دخلوا عليهم من أطراف المدينة ونواحيها، ثم دعوا إلى الشرك لأجابوهم، {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً}، أي: لم يمتنعوا عن إجابتهم، بل لأجابوهم به كما دعوا.
وقال بعضهم: إنهم لو كانوا في بيوتهم، فدخلوا عليهم من نواحيها، ثم سئلوا الأموال وما تحويه أيديهم {لآتَوْهَا}، أي: لأعطوها.
{وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً}.
يخبر عن نفاقهم وخلافهم له في السرّ أنهم يعطون لأولئك ما يريدون من الأموال أو الدين، ويوافقونهم ولا يوافقونكم ألبتة، والله أعلم.
وقوله: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ}.
قال بعضهم: كان أناس غابوا وقعة بدر وما أعطى الله أصحاب بدر من الفضيلة والكرامة؛ فقالوا: لئن شهدنا قتالا لنقاتلن؛ فساق الله ذلك إليهم حتى كان في ناحية المدينة.
وقال بعضهم: قوله: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ}، وذلك أنهم كانوا عاهدوا الرسول على عهدهم بمكة على العقبة بمنى، واشترط عليهم لربّه ولنفسه: أمّا لربّه: أن يعبدوه وألا يشركوا به شيئاً، واشترط لنفسه أن ينصروه ويعزروه ويعينوه [ويمنعوه] ما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأولادهم؛ فقالوا: فإذا فعلنا ذلك؛ فما لنا با نبي الله؟ قال: لكم النصر في الدنيا، [و]الجنة في الآخرة؛ قالوا: قد فعلنا؛ فذلك قوله: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ} ليلة العقبة حين شرطوا للنبي المنعة: ألا يولوا الأدبار منهزمين.
{وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً}.
أي: يسأل من نقض العهد في الآخرة ومن وفى.
وجائز أن يكون قوله: {وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً} مجزيا نقضاً أو وفاءً، يجزون على وفاء العهد ونقضه.
وقوله: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ}.
قال أهل التأويل: إن قضي عليكم الموت أو القتل؛ فلن ينفعكم الفرار.
وقال بعضهم: إن جعل انقضاء آجالكم الموت أو القتل لن ينفعكم الفرار؛ بل تنقضي.
وأصله: إن كان المكتوب عليكم الموت أو القتل لن ينفعكم الفرار منه؛ بل يأتي لا محالة؛ كقوله:
{ لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ } الآية [آل عمران: 154]، أي: لا محالة المكتوب عليهم القتل - وإن كانوا في بيوتهم - لبرزوا؛ فيقتلون.
{وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}.
قال بعضهم: إنما الدنيا قليل إلى آجالكم.
وجائز أن يكون معناه: ولئن نفعكم الفرار عنه {لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}؛ كقوله:
{ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ } الآية [الشعراء: 205-206].
قال أبو عوسجة والقتبي: أدعياءكم: من تبنيتموه واتخذتموه ولدا، ما جعلتم بمنزلة الصلب وكانوا يورثون من ادعوا.
{ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ}.
إن قولكم على التشبيه والمجاز، ليس على التحقيق.
{وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ}.
وقوله: {أَقْسَطُ }: أعدل.
{وَإِذْ زَاغَتِ}: عدلت ومالت {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ}، أي: كادت تبلغ الحلقوم من الخوف، والحناجر جماعة الحنجرة، وهي المذبح.
وقوله: {وَزُلْزِلُواْ}، أي: شددوا عليهم وهوّلوا، والزلزال: الشدائد، وأصلها من التحريك و{ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ} و{وَٱللاَّتِي} مآلهما واحد، والله أعلم.
وقوله: {قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً}.
ذكر هذا على أثر قوله: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ}، يقول - والله أعلم -: إنكم، وإن فررتم من الموت أو القتل، فإن الله إن أراد بكم سوءاً أو هلاكاً لا يملك أحد دفعه عنكم، أو إن أراد بكم رحمة ونجاة وخيراً لا يملك أحد منعه عنكم، وقد تعلمون أنكم لا تجدون من دون الله وليّاً ينفعكم ولا نصيراً ينصركم ويمنعكم عن حلول ذلك عليكم، والله أعلم.
وقوله: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ}: هم المانعون منكم، {وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ}:
قال بعضهم: هم اليهود أرسلوا إلى المنافقين، وقالوا: من ذا الذي يحملكم على قتل أنفسكم بأيدي أبي سفيان ومن معه من أصحابه؟! فإنهم إن قدروا عليكم هذه المرة ما استبقوا منكم أحدا، فإنا نشفق عليكم؛ فإنما أنتم إخواننا ونحن جيرانكم، {هَلُمَّ إِلَيْنَا}.
وقال بعضهم: هم المنافقون، عوق بعضهم بعضا ومنع عن الخروج مع رسول الله إلى قتال العدوّ. وفيه أمران:
أحدهما: دلالة على إثبات الرسالة؛ لأنهم كانوا يسرون هذا ويخفون فيما بينهم، ثم أخبرهم بذلك؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله تعالى.
والثاني: أن يكونوا أبدا على حذر مما يضمرون من الخلاف له؛ كقوله:
{ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ... } الآية [التوبة: 64].
وقوله: {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً}.
أي: لا يأتون القتال والحرب إلا مراءاة وسمعة، هذا - والله أعلم - يشبه أن يريد بالقليل: أنهم لا يأتون إتيان من يريد القتال والقيام معهم؛ ولكن مراءاة وسمعة وإظهاراً للوفاق لهم، والله أعلم.
وقوله:{أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ}.
قال عامة أهل التأويل: أي: بخلاء على الإنفاق عليكم، أي: لا ينفقون عليكم ولا على سبيل الخير، والله أعلم.
وقال بعضهم: الشح - أيضاً - هو الحرص، يقول: {أَشِحَّةً}، أي: حراصاً على قسمة الغنيمة، يخبر عن معرضهم في الدنيا وركونهم إليها وميلهم فيها، ثم أخبر عن جبنهم وفشلهم وشدة خوفهم، وهو ما قال:
{ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } [الأحزاب: 19].
يخبر أنهم لجبنهم وفشلهم يصيرون كالمغشي عليه من الموت.
{فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ}.
يخبر عن شدة حرصهم في قسمة الغنيمة ورغبتهم فيها - أنهم أشح قوم وأسوؤهم مقاسمة، يقولون: أعطونا، أعطونا؛ إنا قد شهدنا معكم؛ كقوله:
{ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } [النساء: 141] ونحوه.
وقوله: {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ}.
قال بعضهم: هذا قولهم، أي: إنا أشح منكم على رسول الله وعلى دينه، وأضنن منكم على الخير، أي: نحن أحرص عليه منكم.
وقال بعضهم: {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ}، أي: حراصاً على الغنيمة والنيل منها.
ثم أخبر عنهم، وعن خلافهم له؛ حيث قال: {أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ}.
التي عملوها في الظاهر، {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً}:
أي: صنعهم الذي صنعوا على الله، {يَسِيراً}، أي: لا يضره.
وقال بعضهم: حبط أعمالهم، وتعذيبه إياهم مع كثرة أتباعهم وأعوانهم على الله يسير، أي: لا يشتد عليه ولا يصعب، والله أعلم.
وقوله: {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ}.
أي: يحسب هؤلاء المنافقين أن الأحزاب لم يذهبوا؛ من الفرق والجبن والفشل الذي فيهم يوم الخندق.
{وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ}، أي: يقبل الأحزاب، {يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ}، أي: بألسنتهم كانوا بمنزلة البداء؛ وأنهم تركوا أوطانهم وديارهم.
{يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ}:
كانت همتهم التخلف والفرار من القتال وطلب أخبار المؤمنين: أنهم ما فعل بهم؟ نحو ما قال:
{ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ } [التوبة: 56-57] هكذا كانت عادتهم، ثم ابتلاهم الله بما كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين ويضمرون الخلاف لهم؛ والعداوة بفضل فشل وجبن ما لم يكن ذلك في غيرهم؛ ففي ذلك تحذير للمؤمنين وزجر عن مثل هذا الصنيع ومثل هذه المعاملة؛ لئلا يبتلوا بمثل ما ابتلي أولئك.
وفيه أنه يعامل بعضهم بعضا على الظاهر الذي ظهر دون حقيقة ما يكون؛ وعلى ذلك يجري الحكم على ما عامل رسول الله وأصحابه أهل النفاق، وحكمه على ما أظهروا دون ما أضمروا في الأنكحة والصهر وغير ذلك من الأحكام، والله أعلم.
وقوله: {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً}.
قال بعضهم: {مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً}، أي: إلا فيما يدفعون عن أنفسهم لو قصدوا، فأما الدفع عن المؤمنين ودينهم فلا.
وجائز أن يكون المراد بالقليل، أي: لا يقاتلون ألبتة حقيقة القتال، وهو ما ذكر عنهم؛ حيث قال:
{ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً } [التوبة: 47]، أي: فسادا في أمركم، والله أعلم.