خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً
٢١
وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً
٢٢
مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً
٢٣
لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً
٢٤
وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً
٢٥
وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً
٢٦
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً
٢٧
-الأحزاب

تأويلات أهل السنة

قوله: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.
قال بعضهم: ذلك حيث كان يباشر القتال بنفسه، فباشروا معه القتال [فمن باشر معه القتال] أساه بأسوة حسنة، ومن لم يفعل فلم يواسه.
وابن عباس يقول: {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، أي: سنة صالحة أو نحوه.
مثل هذا إنما يذكر عن زلات تكون إما من المنافقين أو من المؤمنين، فيقول: لكم في التأسي برسول الله الاقتداء والقدوة به، فهو يخرج على وجوه:
أحدها: أي: لقد كان لكم في رسول الله قبل أن يبعث رسولا، وقبل أن يوحى إليه فيما عرفتموه من حسن خلقه وكرمه وشرفه وأمانته - أسوة حسنة؛ فكيف تركتم اتباعه إذا بعث رسولا؟!
والثاني: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ}، أي: صار لكم {فِي رَسُولِ ٱللَّهِ} إذا بعث رسولا {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}: فيما أنزل إليه وأوحي إليه، وفيما شاهدتموه من حسن خلقه وكرمه؛ فالواجب عليكم أن تتأسوا به.
والثالث: لقد كان لكم بالمؤمنين أسوة استوائهم لو اتبعتم ما شرع لكم رسول الله وسن.
أو الأسوة: هي الاستواء؛ كقول الناس: "فلان أسوة غرمائه"، أي: يكون المال بينهم على الاستواء، هذا - والله أعلم - يشبه أن يكون تأويل الآية.
وقوله: {لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ}.
قال بعضهم: يكون في رسول الله أسوة لمن خاف الله وآمن باليوم الآخر وبجزاء الأعمال، فأما المنافق والذي لا يؤمن بالبعث، فلا يكون فيه أسوة له.
وجائز أن يكون قوله: {لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ}، أي: لقد كان لكم أسوة حسنة، ولمن كان يرجو الله واليوم الآخر.
أو أن يكون لكم في رسول الله أسوة حسنة، وفيمن كان يرجو الله واليوم الآخر، والله أعلم.
وقوله: {وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً}.
ذكر الله يحتمل في نعمته وإحسانه، يذكر بالشكر له وحسن الثناء، أو يذكر سلطانه وملكه أو جلاله وعظمته وكبرياءه، والله أعلم.
وقوله: {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ}.
حيث أخبرهم أنكم ستلقون كذا في قوله:
{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ } [البقرة: 214]: قالوا لما عاينوا ما وعد لهم وأخبرهم:
{هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} فيما أخبرنا من الوحي قبل أن يكون وقبل أن نلقاه.
{وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً}.
أي: ما زادهم إلا إيماناً ما رأوا وعاينوا، فيما وعد وأخبر، إلا إيماناً وتصديقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في وعده وخبره.
وقال قائلون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعد لهم وأخبر: أن يوم الخندق تكون من الأحزاب كذا والجنود كذا، وإنكم ستلقون يومئذ كذا، فلما رأوا ذلك وعاينوه قالوا عند ذلك: {هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً} وتصديقاً لرسول الله؛ لأن ذلك آية وحجة لرسالته؛ فهو يزيدهم تصديقاً له.
وقوله: {وَتَسْلِيماً}، أي: تسليماً لأمر الله وتفويضاً له.
وقيل: وما زادهم بما أصابهم يوم الخندق إلا إيماناً وتصديقاً إلى تصديقهم الأول، ويقيناً إلى يقينهم الأوّل، وتسليماً لأمر الله؛ لأن ذلك الأمر كان قضي عليهم أن يصيبهم، فسلموا لله أمره؛ فصبروا عليه، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ}.
قوله: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يخرج على وجهين:
أحدهما: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} - الذين هم عندكم مؤمنون - {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ}، ورجال لم يصدقوا وهم المنافقون؛ لأن ظاهر هذا الكلام يدل على أن من المؤمنين الذين هم في الظاهر عندهم مؤمنون لم يصدقوا، فأما من كان في الحقيقة مؤمناً فقد صدق عهده.
والثاني: ذكر {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}؛ خصّ بعض المؤمنين بصدق ما عاهدوا وهم الذين خرجوا لذلك: لم يكن بهم عذر فوفوا ذلك العهد؛ وتخلف بعض من المؤمنين؛ للعذر؛ فلم يتهيأ لهم وفاء ذلك العهد لهم وصدقه؛ وكذلك يخرج قوله: {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ}، أي: وفي بعهده. {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِر}.
بالوفاء أن يرتفع عنه العذر؛ فبقي ذلك، والله أعلم.
ثم قوله: {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِر}: وفاءه.
وقال بعضهم: {مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ}، أي: هلك عليه، {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِر} ذلك، أي على شرف الهلاك.
وقوله: {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً}.
هذا يقوي التأويل الذي ذكرنا: أخبر في قوله: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ}: أن الذين خلفهم العذر فلم يوفوا عهده، والذين لا عذر بهم، فخرجوا فوفوا كلهم لم يبدلوا عهد الله تبديلا؛ لأنه إنما خلفهم العذر؛ فلم يكن في ذلك تبديل.
وقوله: {لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} على ما وفوا، {وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}:
هذا يدل أن من المنافقين من قد يتوب؛ حيث قال: {وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}، ويعذب الذي مات على نفاقه.
{إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}، أي: لم يزل غفوراً رحيماً، حيث رحمهم، ولم يأخذهم وقت ارتكابهم الجرم، ولكن أمهلهم، والله أعلم.
وقوله: {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ}، أي: ردّ كفار مكة يوم الخندق، {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً}.
قال بعضهم: أي: غنيمة، أي: ردهم بغيظهم، لم يصيبوا شيئاً من الغنيمة؛ فإن كان المراد من الخير: الغنيمة، فجائز أن يستدل على تملك أهل الحرب أموال المسلمين إذا أحرزوها، حيث قال: {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً}، أي: مالا.
وجائز أن يكون قوله: {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً}، أي: سرورا بما كانوا يأملون ويطمعون هلاك المؤمنين على أيديهم، لما أحاطوا بهم وضيقوا عليهم الأمر؛ حتى احتاجوا إلى الخندق؛ فكانوا في أيديهم. يقول: إنهم لم ينالوا ذلك السرور الذي كانوا يأملونه ويرجونه، والله أعلم.
وقوله: {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ}.
حيث بعث عليهم الريح وسلط عليهم الملائكة؛ حتى هزموهم حتى كفوا القتال والحرب معهم.
{وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً}.
أي: كان الله لم يزل قويّاً عزيزاً؛ لأنه قوي بذاته عزيز بذاته لا يلحقه ذل، وإن لحق أولياءه الذل والضعف، ليس كملوك الأرض إذا ذهب أصحابهم أو دخل فيهم ذل وضعف؛ ذلّ ملكهم؛ لأنه عزيز بجنده وحشمه، فأمّا الله - سبحانه - [فهو] قوي بذاته، عزيز بذاته، لا يلحقه ذل ولا ضعف بذهاب أوليائه.
وقال بعضهم في قوله: {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ}: كان رجال فاتهم يوم بدر؛ فقالوا: لئن حضرنا قتالا، لنفعلن ولنفعلن، فلما كان يوم الأحزاب قاتلوا؛ فذلك قوله: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ}، أي: مات على ما عاهد الله عليه، {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ}: يوما آخر يكون فيه قتال؛ فيقاتل على ما عاهد الله عليه، {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً}.
وفي حرف أبي: {ومنهم من بدل}؛ فيرجع ذلك إلى المنافقين الذين ذكرنا بدءاً.
وقال القتبي قوله: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ}، أي: خالية، وأصل العورة: ما ذهب عنه الستر والحفظ؛ فكأن الرجال ستر وحفظ للبيوت؛ فإذا ذهبوا، أعْوَرَتِ البيوت؛ تقول العرب: أعور المنزل، أي: ذهب ستره، أو سقط جداره، وأعور الفارس: إذا بدا فيه موضع خلل للضرب بالسيف.
يقول الله - تعالى - {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ}؛ لأن الله حافظها، ولكن يريدون الفرار.
وقوله: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا}، أي: من جوانبها، {ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ}، أي: الكفر، {لآتَوْهَا}، أي: أعطوها من أرادها، {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً}، أي: بالمدينة. ومن قرأها: {لآتَوْهَا} - بغير مدّ - أراد: لصاروا إليها.
وقال أبو عوسجة: قولهم: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ}: من ناحية العدو، والعورة: الموضع الذي يخاف منه.
وقوله: {أَقْطَارِهَا}، أي: من نواحيها، الواحد: قطر، {ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ}، أي: عرضت عليهم، وهو الكفر.
وقال القتبي: {سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ}، يقول: آذوكم بالكلام، يقال: خطيب مِسْلَق وسلاق. وفيه لغة أخرى: {صلقوكم} بالصاد: وهو الضرب.
أبو عوسجة يقول قريباً منه: {سَلَقُوكُمْ}، أي: كلموكم وضربوكم {بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ}، أي: طوال، والسلق: الضرب، والخاطب: السلاق والمسلاق من هذا، وهو طول اللسان والجرأة على الكلام.
وقوله: {لاَ مُقَامَ لَكُمْ} بنصب الميم لا يكون إلا من القيام، و{لاَ مُقَامَ لَكُمْ} برفع الميم يكون من الإقامة، وهو قول أبي عوسجة.
وأبو عبيدة يقول: {لاَ مُقَامَ لَكُمْ}، أي: ليس لكم مقام تقومون فيه، و{لاَ مُقَامَ}، أي: لا إقامة لكم.
وقال أبو عوسجة: المقامة: المجلس، ومقامات - جمع المقام -: موضع القدمين، والمقام: الموضع الذي يقيم فيه الرجل.
وقال: {ٱلْمُعَوِّقِينَ}، قال: المتعوق: المحتبس، والمعوق: الذي يعوق غيره، أي: يحبس.
وقوله: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ}، أي: حراصاً على ما نالكم من الشر، الواحد: شحيح، يقال: شح يشح شحّاً؛ فهو شحيح، أي: حرص يحرص حرصا؛ فهو حريص.
وقال غيره: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ}، أي: بخلاء، لا ينفقون عليكم أو في سبيل الله.
وقال بعضهم: {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ}؛ من شدة الفرق؛ فهم هؤلاء المعوقون: اليهود أو المنافقون، {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ}: والأحزاب: هم الفرق أعداء رسول الله وأصحابه، {يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ}، يقول: خارجون في الأعراب من الرهبة، {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ}: يسألون عن خبر المؤمنين ساعة بعد ساعة؛ جزعاً ورهبة، يقول الله للمؤمنين: {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ} أي: معكم عند القتال هؤلاء الذين تقدم ذكرهم {مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً} رميا بالحجارة؛ من ضعفهم وفرقهم، أو ما ذكرنا؛ دفعاً عن أنفسهم، وأمّا غيره فلا.
وقوله: {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ}.
ذكر في القصة:
"أن اليهود: يهود بني قريظة ظاهروا أبا سفيان وأصحابه على رسول الله وعلى المؤمنين، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، فلما انهزم المشركون تحصن بنو قريظة في حصونهم، ورجع النبي إلى المدينة، فجاءه جبريل، فقال له: يا محمد، والله ما وضع أهل السماء أسلحتهم، وقد وضعتم أنتم أسلحتكم، اخرج إلى بني قريظة؛ فقال له النبي: فكيف أصنع بهم وهم في حصنهم؟ قال: اخرج إليهم؛ فوالله لأدقنهم بالخيل والرجال كما تدق البيضة على الصفا، ولأخرجنهم من حصنهم؛ فنادى رسول [الله] في الناس، وأمر بالخروج إلى بني قريظة؛ فخرجوا فحاصروهم كذا كذا ليلة؛ حتى صالحهم على حكم سعد بن معاذ؛ فنزلوا على حكمه؛ فحكم سعد؛ أن يقتل مقاتلتهم، ويسبى ذراريهم ونساؤهم، فقيل: إن رسول الله قال يومئذ: يا سعد، لقد حكمت بحكم الله؛ فأخرجت المقاتلة فقتلوا، وسبوا ذراريهم، وقسم أرضهم بين المهاجرين؛ فقال قومه والأنصار: آثرت المهاجرين بالعقار دوننا، فقال: إنكم ذوو عقار وإن القوم لا عقار لهم" ، أو كلام نحو هذا، فذلك قوله: {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ}، يعني الذين ظاهروا أبا سفيان والمشركين جميعاً على رسول الله وأصحابه، {مِن صَيَاصِيهِمْ}، أي: من حصونهم.
{وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ}، وهم المقاتلة، {وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً}، وهم النساء والذراري.
{وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا}، أي: لم تملكوها، اختلف في قوله: {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا}:
قال بعضهم: هي أرض مكة.
وقال بعضهم: هي أرض الشام وقراها.
وقال بعضهم: هي أرض خيبر، أي: سيورثكم الله إياها: فأما أرض مكة فقد فتحها وتركها في أيدي أهلها، وكذلك بلاد الشام وقراها.
وعن الحسن: هي أرض الروم وفارس وما فتح الله عليكم.
وأما خيبر فقد فتحها وقسمها بين من ذكرنا وجعلها فيئاً؛ فهو أشبه من غيره؛ ففيه أن من يخلف في ملك غيره وصفا ملكه للآخر وانتقل إليه يسمى: وارثاً بموت أو بغيره؛ حيث قال: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ...} الآية، وكذلك ما قال:
{ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ... } [الزمر: 74] إلى كذا، وقوله: { يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ } [المؤمنون: 11]، أي: يبعثون فيها، ونحوه، وكقوله: { وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } [آل عمران: 180]، أي: يبقى [له] ملك السماوات والأرض، أي: لا ينازع فيه. وكذلك يخرج قوله: { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ } [مريم: 40] أي: نبقى فيها، والخلائق يفنون.
ثم الفائدة في ذكر هذا وأمثاله لنا، إذ هم قد شاهدوها وعاينوها، يخرج على وجوه:
أحدها: تعريف لآخر هذه الأمة أن أوائلهم ما قاسوا وما تحملوا من الشدائد والبلايا في أمر هذا الدين، حتى بلغ هذا المبلغ؛ فنجتهد نحن كما اجتهد أولئك في حفظ هذا الدين وفي أمره.
والثاني: أمرهم بالتأهب مع العدوّ حتى أمروا بالخندق والتحصن بأشياء، ثم جاءهم الغوث من الله بغير الذي أمروا؛ ليكونوا أبداً متأهبين مستعدين لذلك، ولا يرجون النصر والظفر من ذلك الوجه، وذلك بفضل الله ونصره، على ما أخبر عنهم:
{ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً... } الآية [التوبة: 25].
والثالث: ألا يؤيسهم خروج أنفسهم من أيديهم، وإحاطة العدو بهم، وكونهم في أيديهم من روح الله ورحمته وغوثه إياهم؛ لأن الخوف قد بلغ بهم المبلغ الذي ذكر؛ حيث قال: {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ...} إلى قوله: {وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً}.
وفيه دلالة إثبات الرسالة لرسول الله؛ لأنه وعد لهم النصر، فكان على ما وعد؛ ليعرفوا [صدقه] في كل ما يخبر ويعد.
{وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ}، أراد: من فتح، أو نصر، أو غيره، {قَدِيراً}.
وقال القتبي وأبو عوسجة: {قَضَىٰ نَحْبَهُ}، أي: قتل، وقضى أجله، وأصل النحب: النذر؛ كأن قوماً نذروا: إن لقوا العدو أن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله، فقتلوا.
وقوله: {مِن صَيَاصِيهِمْ}: حصونهم، وأصل الصياصي: قرون البقر؛ لأنها تمتنع بها، وتدفع عن أنفسها، فقيل للحصون: صياصي؛ لأنها تمنع، والواحدة: صِيصِيَة، وصيصية الديك: عرفه، والصيصية: خف صغير يحوك به الحائك، ويجمع هذا كله: صياصي. والأحزاب: الفرق، واحدها: حزب، ويقال: حزبت القوم، أي: جمعتهم، وحزبتهم، أي: فرقتهم، وتحزب القوم: إذا اجتمعوا وصاروا حزباً حزباً، وتقول: هؤلاء حزبي، أي: أصحابي وشيعتي، وتقول: حازبني محازبة، أي: صاحبني مصاحبة.
وقوله: {بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ}، أي: أن يكونوا في البادية مع الأعراب، رجل باد: قد نزل البادية،
{ يَوَدُّواْ } [الأحزاب: 20] أن يكونوا في البادية مع الأعراب.
وقال بعضهم في قوله: {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا}: هو ما يظهر عليه المسلمون إلى يوم القيامة.