خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ
٥
إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ
٦
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
٧
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
٨
-فاطر

تأويلات أهل السنة

قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ}.
قال عامة أهل التأويل: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي: البعث أنه كائن لا محالة.
وجائز أن يكون قوله: {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} فيما وعد من الثواب على الطاعات، ووعده حق فيما أوعد من العقاب على السيئات أنه يكون، والله الموفق.
وقوله: {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا}.
معنى قوله: {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} - والله أعلم - أي: لا تشغلنكم الحياة الدنيا عن ذكر الحياة الآخرة، ولا تنسينكم الحياة الدنيا عن حياة الآخرة، وإلا الدنيا لا تغر أحدا في الحقيقة، وكذلك هي [ليست] بلعب ولا لهو، ولا هي غارة، ولكن يغر أهلها بها لما غفلوا عما جعلت هي وأنشئت، وهو ما ذكرنا: أنها جعلت زادا للآخرة وبلغة إليها، فمن لم يجعلها زاداً للآخرة ولا بلغة إلى الوصول إلى الآخرة، ولكن جعلها في غير ما جعلت هي وأنشئت وهي الحياة فيها والمقام بها - صارت لعباً ولهواً، وصارت غروراً؛ إذ صيروها كالمنشأة لنفسها لا للآخرة، وهذا كما قال:
{ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } [التوبة: 124-125] أخبر أن السورة كانت تزيد لأهل الإيمان إيماناً، ولأهل الكفر والنفاق رجساً وعمى، والسورة لا تزيد رجساً ولا عمى في الحقيقة؛ لأنه وصف القرآن بأنه نور وأنه هدى ورحمة وبرهان، ولكن صار عمى [و]رجساً لمن أعرض عنه وكذب ورده، وأما من تلقاه بالقبول وأقبل عليه، ونظر إليه بالتعظيم والإجلال له والخضوع - فهو له نور وهدى ورحمة؛ فعلى ذلك الدنيا وما فيها من النعم واللذات، إذا جعلها غير ما جعلت هي وأنشئت صارت لعباً ولهواً وغروراً، بل لو حمدت هي على ما أنشئت مكان ما ذمت لكان حقّاً وصدقاً؛ لأنها سمي نعيمها: حسنة وخيراً وصلاحاً ونحوه؛ فلا جائز أن يذم الحسنة والخير، بل حق الذم على أهلها حيث غروا بها وصيروها في غير ما صيرت وجعلت لغفلتهم عما جعلت هي، وصرفهم إياها إلى غير الذي صرفت، وجهلهم بها؛ وعلى ذلك لا يجوز ذم الغناء والسعة والصحة والسلامة؛ لأن ذلك كله نعم من الله أنعمها على الناس؛ فيجب أن ينظروا إلى ما عليهم لله من الشكر في ذلك فيؤدوه؛ وكذلك العز والثناء الحسن ونحوه لا يجب أن يذم شيء من ذلك، بل يذم من لم يعرف أن العز فيم؟ إنما العز في طاعة الله والعبادة له لا في معاصيه، فهؤلاء سموا معصية الله: عزّاً؛ لجهلهم في العز؛ وكذلك الثناء الحسن يجب أن يحمد ربه ويشكر له فيما يستر على الخلق فضائحه ومساوئه، حتى أثنوا عليه ما لو بدا ذلك منه وأظهر لهربوا منه فضلا أن يثنوا عليه ويحمدوه؛ فيجب أن يشكر ربه ويثني عليه على ستر معاصيه وفضائحه، والله الموفق.
وقوله: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ}.
الغرور - بفتح الغين - هو الشيطان؛ يقول: لا يغرنكم بالله الشيطان.
ثم يحتمل قوله: {بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} وجوهاً:
أحدها: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ} أي: بكرمه وجوده، يقول: إنه كريم وجواد غفور يتجاوز عنكم ويعفو عنكم معاصيكم [و] مساوئكم.
والثاني: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} أي: بغناه؛ يقول: إنه غني ما به حاجة إلى عبادتكم إياه، فيما أمركم به ونهاكم عنه.
والثالث: أن يكون قوله: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ} أي: لا يغرنكم عن طاعة الله وعبادته فتعصوه، وذلك جائز في اللغة "الباء" مكان "عن"؛ كقوله:
{ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ } [الإنسان: 6] أي: عنها؛ إذ لا يشرب بالعين وإنما يشرب عنها، والله أعلم.
وقوله: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}.
يذكر هذا - والله أعلم - لأن ما يدعو الشيطان الخلق إليه في الظاهر يخرج مخرج الشفقة لهم والنصيحة كما يدعو الأولياء؛ لأنه يدعوهم إلى قضاء شهواتهم ولذاتهم وما تهوى به أنفسهم، وإن كان يضمر ويقصد به هلاكهم؛ ألا ترى أنه كيف أظهر لآدم وحواء من الشفقة لهم والنصيحة حيث قال:
{ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ... } [الأعراف: 20] إلى قوله: { لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ } [الأعراف: 21] ونحوه، وكان قصده بذلك ما ذكر: { فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ... } [الأعراف: 20] الآية، هذا كان يضمر ويقصد في دعائه إياهما إلى التناول من تلك الشجرة التي نهاهما ربهما [عنها]؛ فعلى ذلك فيما يدعو الناس به إلى قضاء شهواتهم وحاجاتهم في الظاهر، فهو يقصد بذلك هلاكهم لمخالفتهم المولى لا ما يظهر ويبدي لهم؛ لذلك قال: إنه عدو لكم ليس بولي، {فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}، أي: كونوا من دعائه وأمره على حذر، كما يحذر المرء دعاء عدوه.
{إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ}.
قال بعضهم: أهل طاعته.
وقال القتبي و[أبو] عوسجة: حزبه: أنصاره، والحزب: الأنصار.
وقال بعضهم: جنده.
وقال بعضهم: حزبه: ولاته الذين يتولاهم ويتولونه؛ وكله واحد.
ثم يقول: {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ} لكنه خصّ حزبه بالدعاء لهم؛ لما أن حزبه هم بالمجيبون له والمطيعون، فأما غير حزبه فلا يجيبونه؛ وهو كقوله:
{ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ } [يس: 11]، وكان ينذر من اتبع الذكر ومن لم يتبع الذكر، لكن خص بإنذار من اتبع الذكر؛ لما أن متبع الذكر هو المنتفع به دون من لم يتبع؛ لذلك خص - والله أعلم - فعلى ذلك ما خصّ بدعائه حزبه؛ لأن حزبه هم المجيبون له والمطيعون.
وقوله: {لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}.
قصد بدعائه إلى ما يدعوهم، ليكونوا من أصحاب السعير، وإلا لو كان أظهر لهم الدعاء إلى أصحاب السعير ما أجابوه ولا أطاعوه، ولكن دعاهم إلى أعمال توجب لهم السعير، أو ليكون لهم عذاب السعير.
وقوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}: وهو ظاهر.
{وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}.
قوله: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} لما عملوا من غير الصالحات بعد إيمانهم، أو مغفرة لذنوبهم في الإيمان، {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} لإيمانهم وأعمالهم الصالحات.
وقوله: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً}.
ليس لهذا الحرف في ذا الموضع جواب، فجائز أن يكون جوابه في قوله: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} على التقديم له، كأنه يقول - والله أعلم -: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً}، {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
أو أن يكون قوله: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ} فلزمه كمن قبح له؛ فانتهى عنه، ليسا بسواء، كقوله:
{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ } [الأنعام: 122] ذكر أن قوله: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ } [الأنعام: 122] نزل في عمر بن الخطاب، وقوله: { كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ } [الأنعام: 122] في أبي جهل؛ فعلى ذلك الأول، وأن يكون ما ذكر بدءاً على التقديم والتأخير.
وقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ}: من الضلالة إلى الهدى، يضل من علم منه أنه يختار الضلال، ويهدي من علم منه أنه يختار الهدى.
وقوله: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}.
هذا يحتمل وجوهاً:
أحدها: قوله: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} أي: لا تضل ولا تذهب نفسك عليهم حسرات؛ إشفاقاً على ما ينزل بهم بتركهم الإيمان؛ لأن رسول الله كاد أن يهلك نفسه إشفاقاً عليهم فنهاه عن ذلك.
والثاني: على تخفيف الحزن عليه ودفعه عنه وتسليته إياه؛ لأنه يشتد به الحزن، لمكان كفرهم وتكذيبهم إياه وتركهم الإيمان به ليس على النهي؛ كقوله:
{ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } [الحجر: 88] وقد ذكرنا معناه فيما تقدم مقدار ما حفظنا فيه، والله أعلم.
وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}.
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى على علم بصنيعهم أنشأهم، لا عن جهل بما يكون منهم.
والثاني: عليم بما يصنعون؛ فلا تكافئهم ولا تشغلن بشيء مما يكون منهم، ولكن فوض ذلك إلى الله وأسلم إليه.