خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يسۤ
١
وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ
٢
إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ
٣
عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٤
تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ
٥
لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ
٦
لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ
٧
إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ
٨
وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ
٩
وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ
١٠
إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
١١
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ
١٢
-يس

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ}.
عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: يا إنسان، يعنى: يا محمد أقسم به: يا محمد، إن هذا القرآن من عند الله نزل، وهو بلسان الحبشة.
وقال بعضهم: وهو بلسان طيئ.
وقتادة يقول: قسم، أقسم بالقرآن: إنك لمن المرسلين، ويقول: كل هجاء في القرآن فهو اسم من أسماء القرآن.
وقال بعضهم: هو من فواتح السورة.
وقال بعضهم: فواتح يفتتح بها كلامه.
وقال بعضهم: اسم من أسماء الرب.
وعن معاذ بن جبل وكعب - رضي الله عنهما - قالا: {يسۤ} قسم أقسم الله به يا محمد، {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} دل أن الخطاب به على أثر قوله: {يسۤ} على أنه هو المراد بقوله: {يسۤ}؛ إذ لا يستقيم الخطاب بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} إلا على سبق خطاب له وذكر اسمه.
وقال عكرمة: هو حرف من الهجاء الذي افتتح به السور كسائر حروف الهجاء.
وقال بعضهم: هو من حروف الهجاء التي أقسم الله بها، بما يتلو تلك الحروف من القرآن والآيات والكتاب؛ إذ من عادة العرب القسم بكل ما عظم خطره وجل قدره.
فإن قيل: كيف أقسم بالقرآن وهم كانوا ينكرون القرآن أنه من عند الله؟!
قيل إنهم وإن كانوا ينكرونه، فقد عظم قدره وجل خطره عندهم بما عجزوا عن إتيان مثله بعد قرع أسماعهم بقوله:
{ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ... } الآية [الإسراء: 88] ونحوه.
والثاني: أقسم به وإن كانوا ينكرونه؛ لما أن قسمه به يحملهم على السؤال عنه؛ إذ كانوا لا يقسمون إلا بما عظم قدره وجل خطره، يقولون: ما هذا القرآن الذي أقسم ربنا به؛ ألا ترى أنه قال: {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ}، فكأنه على سؤال خرج على هذا أنه {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ}، وأن يكون القسم به وبغيره من الأشياء التي عظم خطرها عندهم، على إضمار القسم برب هذه الأشياء وبإلهها؛ هذا على قول من يقول بأن القسم بالله حقيقة لا بتلك الأشياء - مستقيم، وعلى قول من يجعل القسم بها لا على الإضمار هو ما ذكرنا.
وقوله: {ٱلْحَكِيمِ}.
أي: المُحْكَم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه على ما وصف.
وقال بعضهم: المحكم بالحلال والحرام، والوعد والوعيد، من غير أن يكون فيه اختلاف.
وقال بعضهم: الحكيم؛ لأن من تمسك به وعمل بما فيه يصير حكيماً.
وقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}.
ولم يقل: إنك لرسول الله، وكلاهما سواء، غير أن قوله: {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} الذين آمنوا بهم من قبل وصدقوا بهم [ففيه] زيادة، ليس ذلك في قوله: (إنك لرسول)، والله أعلم.
وقوله: {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.
قال بعضهم: المستقيم: القائم بالحجج والبراهين، ليس بالهوى كسائر الأديان والسبل.
وقال بعضهم: المستقيم: المستوي، أي: مستوٍ؛ على أن من يسلكه أفضاه - أي: الله - وبلغه إلى دار السلام.
وقال بعضهم: المستقيم، أي: استقام بالحق والعدل والصدق، لا زيع فيه، ولا جور، ولا عدول، ولا اعوجاج.
ويحتمل أن يكون ذلك وصف النبوة والرسالة التي تقدم ذكرها.
ويحتمل وصف الدين، وذلك عامة قول أهل التأويل، والله أعلم.
وقوله: {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ}.
أي: ذلك القرآن الذي أقسم به {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ}، أي: من عنده نزل وأحكم، سمّى نفسه: عزيزاً رحيماً عظيماً لطيفاً ظاهراً باطناً أولا آخراً، وفي الشاهد من وصف بالعزّ لا يوصف بالرحمة، ومن وصف بالعظم لا يوصف باللطافة، ومن وصف بالظاهر لا يوصف بأنه باطن، ومن وصف بالأول لا يوصف بالآخر؛ ليعلم أن المعنى الذي وصف به الخلق غير الذي وصف به الربّ - تبارك وتعالى - لأن من وصف من الخلق بواحد مما ذكرنا لم يستحق الوصف بالآخر، [فدل] أن ما وصف به الرب - تبارك وتعالى - غير ما يوصف به الخلق، تعالى الله علوّاً كبيراً.
وقوله: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} اختلف فيه:
قال بعضهم: {لِتُنذِرَ قَوْماً} مثل الذي أنذر آباؤهم من الآيات التي أقامها، فلم يقبلوها {فَهُمْ غَافِلُونَ} أميون.
وقال بعضهم: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ}، أي: لتنذر قوماً أميين لم ينذر آباؤهم، يقول قائل: لم تكن النذارة للأميين من قبل، كأنه يقول: لتنذر قوماً أميين لم ينذر آباؤهم الأميون من قبل؛ وكذلك قال:
{ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ } [غافر: 42]؛ وهو كقوله: { لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ } [السجدة: 3]، وقوله: { وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ } [سبأ: 44]، أي: لم نرسل إليهم قبلك نذيراً، وأصله: أنه يخبر أنه لا ينجع في هؤلاء النذارة كما لم ينجع في آبائهم، بل هم غافلون.
ثم الإنذار يحتمل أن يكون بالنار في الآخرة والتعذيب بها، ويحتمل الآيات التي أقامها في الدنيا والقتل فيها، والله أعلم.
وقوله: {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ}.
قيل: هو قوله لإبليس حيث قال:
{ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } [ص: 85] و { مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } [السجدة: 13]، أي: حق ذلك القول ووجب.
ثم يحتمل ذلك في الذي ذكره بعض أهل التأويل: أن نفراً هموا برسول الله قتله وأذاه، فأهلكهم الله يوم كذا إلا واحدا أو اثنين.
ويحتمل أن يكون ذلك في جميع مكذبيه ورادّي رسالته ويتأسى أتباعه، ولا شك أن أكثر من بعث هو إليهم كانوا كذلك لهم في الآخرة أو في قوم خاص علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا؛ ألا ترى أنه قال على أثر ذلك: {وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ}.
ثم في قوله:
{ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ } [الأعراف: 18]، وقوله: {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} نقض قول المعتزلة ورده عليهم؛ لأنه وعد - عز وجل - أنه يملأ جهنم بمن ذكر، فيقال لهم: أراد أن يفي بما وعد أم لا؟ فإن قالوا: لم يرد، فيقال: أراد، إذن أن يخلف ما وعد وذلك وحش من القول سرف.
وإن قالوا: أراد أن يفي بما وعد، لزمهم أن يقولوا: أراد أفعالهم التي فعلوا فيلزمهم قولنا، وبالله العصمة.
وقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ}.
يحتمل أن يخرج على التمثيل، ويحتمل على التحقيق: فإن كان على التمثيل، فهو وصفه إياهم بالبخل، والكف عن الإنفاق على الفقراء والمساكين وأهل الحاجة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كقوله:
{ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ } [الإسراء: 29] نهاه عن البخل والكف عن الإنفاق كمغلول اليد لا يقدر على الإنفاق، ليس على إرادة غل اليد حقيقة ولكن على ترك الإنفاق؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ذلك وصفاً لهم بالبخل وترك الإنفاق عليهم.
وإن كان على حقيقة الغل والأعناق، يحتمل ما قاله أهل التأويل: إن أبا جهل - لعنه الله - حلف لئن رأى محمداً ليدمغنه، فأتاه أبو جهل وهو يصلي ومعه حجر، فرفع الحجر؛ ليدفع به النبي صلى الله عليه وسلم فيبست يده إلى عنقه وألزق الحجر بيده، فلما رجع إلى أصحابه قال رجل: أنا أقتله، فأخذ الحجر، فلما دنا منه طمس الله بصره، فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع قراءته، فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه؛ فذلك قوله: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً}.
ويحتمل أن يكون ذلك لهم في الآخرة إن كان على التحقيق؛ وهو كقوله:
{ إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي ٱلْحَمِيمِ } [غافر: 71-72]، وقوله: { لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } [الزمر: 16]، ونحو ذلك مما ذكر؛ فيكون قوله: {جَعَلْنَا}، أي: سنجعل ذلك لهم، وذلك جائز في الكلام؛ كقوله لعيسى حيث قال: { وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ } [المائدة: 116] أي: يقول له يوم القيامة، فهو بعيد غير معقول؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً}، {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً...} إلى آخر ما ذكر في الآخرة، أي: سنجعل لهم في الآخرة ذلك.
ويحتمل أن يكون فعل ذلك لهم في الدنيا من قصدهم برسول الله ما قصدوا، حتى لم يجدوا السبيل إليه لا من بين يديه ولا من خلفه ولا من جهة من الجهات.
أو أن يكون قوله: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} على التمثيل، أي: جعلنا بينهم وبين الحق سدّاً من أمام ومن خلف، فأغشينا أبصارهم فلا يبصرون الحق أبداً، وذلك في القرآن كثير، والله أعلم.
وقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً}.
إن الغل يكون طرفه في العنق، وطرفه الآخر في اليد؛ فتكون اليد اليمنى مغلولة إلى العنق، وعلى ذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه قرأ: {إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا}، وفي بعض الحروف: {في أيديهم أغلالا}.
وقوله: {فَهُم مُّقْمَحُونَ}.
قال بعضهم: رافعو رءوسهم إلى السماء؛ لأنه كذلك يكون إذا غل عنق المرء إلى الذقن لا يستطيع أن ينظر في الأرض، وكذلك قيل للإبل إذا شربت الماء: أقمحت، أي: رفعت رأسها. وقال بعضهم: الإقماح: هو غض البصر.
وقال أبو عوسجة والقتبي: المقمح: الذي يرفع رأسه ويغض بصره، ويقال: غاضّ طرفه بعد رفع رأسه، جمعت أيديهم إلى أعناقهم.
وقوله: {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ}.
قد قرئ بالرفع والنصب والخفض جميعاً: فمن قرأها بالرفع فهو على الابتداء، ومن قرأها بالخفض فهو على العنت؛ كقوله: {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ}، ومن قرأ بالنصب فعلى القطع؛ لأن الكلام قد تم دونه.
وقوله: {فَأغْشَيْنَاهُمْ}.
بالغين والعين جميعاً: فمن قرأ بالغين فهو من الغشاوة، ومن قرأ بالعين فهو من قوله:
{ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ } [الزخرف: 36] وهو من الإعراض.
وفي قوله: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} وجهان من الاستدلال على المعتزلة لقوله: {فَأغْشَيْنَاهُمْ} أضاف إلى نفسه وإن كان منهم صنع، ويجوز أن يستدل بخلق أفعالهم منهم.
وقوله: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ}: ومن لم يتبع، {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ}: ومن لم يخش.
أو إنما ينتفع بالذكر من اتبع الذكر وخشي الرحمن، فأما من لم يتبع الذكر ولم يخش الرحمن فلا ينتفع.
أو أن يكون فيه إخبار بإنذاره من اتبع الذكر، وليس فيه نفي عن إنذار من لم يتبع الذكر ولا تخصيص منه بالإنذار أحد الفريقين دون الآخر، والله أعلم.
والذكر يحتمل القرآن، ويحتمل غيره من الذكرى؛ كقوله:
{ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [الذاريات: 55].
وقوله: {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ}.
بالغيب: بالآثار والأخبار التي انتهت إليهم من غير مشاهدة وقعت لهم، أو بالغيب بما رأوه من آثار سلطانه وقدرته هابوه وخشوا عذابه ونقمته، والله أعلم.
وقوله: {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}.
يحتمل البشارة بالمغفرة عما سلف من الذنوب والإجرام إذا رجعوا عنها، أو عن تقصير كان منهم في الفعل في خلال ذلك، وإن اعتقدوا في الجملة ألا يخالفوا ربهم في فعل ولا في قول؛ إذ كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه ترك مخالفة الرب في كل الأحوال، وإن تخلل في بعض أحواله تقصيراً ومخالفة الرب بغلبة شهوة أو طمع في عفوه ورحمته.
{وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} قيل: حسن، ويحتمل تسميته: كريماً؛ لما يكرم كل من نال ذلك، والله أعلم.
وقوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ}.
كأنه - والله أعلم - يذكر هذا ليس في موضع الاحتجاج عليهم، ولكن على الإخبار أنه هو محييهم إذا ماتوا.
وقوله: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ}.
قال عامة أهل التأويل: نكتب ما قدموا وآثارهم و[ما] أسلفوا في حياتهم وعملوه، ونكتب أيضاً آثارهم وهو ما سنوا من سنة من خير أو شر فاقْتُدي بهم من بعد موتهم، على ما ذكر في الخبر:
"إن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة، فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يقوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" ؛ وهو كقوله أيضاً: { يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ } [القيامة: 13].
وقال بعضهم: {وَآثَارَهُمْ} أي: خطاهم التي خطوها في الخير والشر.
وقال قتادة: لو كان الله مغفلا شيئاً من شأنك يابن آدم، أغفل ما تعفى الرياح من هذه الآثار، وروي على هذا عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري - رضي الله عنهما - قالا:
"إن الأنصار كانت منازلهم بعيدة من المسجد [فأرادوا] أن ينتقلوا قريباً من المسجد، فنزل: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ}، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن آثاركم تكتب" فلم ينتقلوا، فإن ثبت هذا فهو دليل لمن يقول بالآثار: الخطا.
وقوله: {وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ}.
أي: كل شيء من أعمالهم من خير أو شر محصى محفوظ {فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ}.
يحتمل قوله: {فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ}، أي: في الكتاب الذي تكتب [فيه] أعمالهم في الدنيا؛ كقوله:
{ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ } [الإسراء: 71] أي: بكتابهم الذي كتبت أعمالهم فيه؛ ألا ترى أنه قال: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ... } الآية [الحاقة: 19].
ويحتمل {فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ}: في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، والله أعلم.