خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ
١٣٩
إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ
١٤٠
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ
١٤١
فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ
١٤٢
فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ
١٤٣
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
١٤٤
فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ
١٤٥
وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ
١٤٦
وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
١٤٧
فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ
١٤٨
-الصافات

تأويلات أهل السنة

قوله: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}.
هذا ينقض على الباطنية قولهم حين قالوا: إن الرسل ليس إلا ستة لا يعدون يونس ولوطا - عليهم السلام - منهم فيخالفون ظاهر الآية، وهو قوله - عز وجل -: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}، وهم يقولون: ليس من المرسلين، وبالله العصمة.
وقوله - عز وجل -: {إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ}.
ذكر هاهنا الإباق، وفي سورة الأنبياء الذهاب، وهو قوله:
{ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً } [الأنبياء: 87]. فمن الناس من يجعل هذا غير الأول - يعني: إباقه الذي ذكر وذهابه - لكن جائز أن يكون ذكر الإباق وذكر الذهاب وإن كان في رأى العين في ظاهر اللفظ مختلفاً فهما في المعنى واحد، فيكون قوله - عز وجل -: {إِذْ أَبَقَ} من قومه بدينه؛ ليسلم له، أو أبق لخوف على نفسه من قومه، أو أبق على ما أوعد قومه من نزول العذاب بهم إذا لم يؤمنوا به، وكان الرسل - صلوات الله عليهم - يخرجون من بين أظهر قومهم إذا خافوا نزول العذاب بهم؛ إلا أن يونس خرج من بينهم قبل أن يأتيه الإذن من الله - عز وجل - بالخروج من بينهم؛ لذلك جاء العتاب له والتعيير، لا لما يقوله عامة أهل التأويل من الخرافات التي يذكرونها وينسبون إليه ما لا يجوز نسبة ذلك إلى أجهل الناس بربه وأخسهم، فضلا أن يجوز نسبة ذلك إلى نبي من أنبيائه ورسول من رسله.
وقوله - عز وجل -: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ}.
ذكر في القصة أنه - عليه السلام - لما أبق إلى سفينة فركبها أراد أن يعبر البحر، فجعلت تكفو وتقف وكادت أن تغرق، فقال القوم بعضهم لبعض: إن فيكم لرجلاً مذنباً [ذنباً] عظيماً، وكانوا يعرفون ذلك من عادتها من قبل كانت إذا ركبها مذنب تغرق وتتسرب في الماء، فلم يعرفوا من هو ذلك؟ فاستهموا مرارا فساهم يونس في كل مرة، فلما رأى ذلك يونس - عليه السلام - قال لهم: يا قوم ألقوني في البحر حتى لا تغرقوا جميعاً، فأبوا وقالوا: لا نلقي نبيّاً من أنبياء الله في البحر، فألقى هو نفسه فيه، فالتقمه الحوت على ما أخبر الله - عز وجل - حيث قال: {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ}.
ثم قوله: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ} قال: فكان من المغلوبين في القرعة والاستهام، أي: خرجت القرعة عليه، و{ٱلْمُدْحَضِينَ}: هو الذي لا حجة له فيما يريد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ}.
قال بعضهم: {وَهُوَ مُلِيمٌ} أي: عجيب.
وقال بعضهم: مليم من الملامة، أي: كان يلوم نفسه فيما صنع من الخروج من بينهم بلا إذن من الله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}.
يحتمل قوله: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ} لربه قبل ذلك ومن المصلين له، وإلا للبث في بطنه إلى ما ذكر؛ ولذلك قيل: من عمل لله - تعالى - في حال الرخاء، نفعه الله بذلك في حال الشدة ويرفعه إذا عثر، والله أعلم.
قيل في الحكمة: إن العمل الصالح رفع صاحبه إذا عثر وإذا صرع وجد متكئاً، والله أعلم.
ويحتمل {كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ}، أي: صار من المسبحين في بطن الحوت؛ وهو قوله - عز وجل -:
{ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ * فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ } [الأنبياء: 87-88]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -:{فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ}.
العراء: قيل: هي الأرض الصحراء التي لا شجر فيها ولا نبت ولا ركز.
وقال أبو عوسجة: العراء: الأرض التي لا ظل فيها، والمدحض: المغلوب، ومليم: أي: أتى أمراً يلام عليه.
وقال القتبي: العراء: هي الأرض التي لا يواري فيها شجر ولا غيره، كأنه من عري الشيء، والله أعلم. البعل: الزوج.
وقوله - عز وجل -: {وَهُوَ سَقِيمٌ}.
ذكر أن الحوت لما نبذه بالعراء لم يكن به شعر ولا جلد ولا ظفر ولا سن سقيم من السقم وهو المرض، أي: مريض لما مسه بطن الحوت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ}.
قال بعضهم: هي شجرة القرع، أنبت عليه ليأكل منها، ويستظل بها.
وقال بعضهم: كل شجرة تنبسط على وجه الأرض مما يتسع أطرافه إذا مد [و] أصله واحد، فهو يقطين، من نحو البطيخ والعرجون وغيرهما.
والأشبه أن تكون شجرة القرع؛ لأنها أسرع الأشجار نبتاً وامتداداً وارتفاعاً في السماء في مدة لطيفة ووقت قريب، والوصول إلى الانتفاع بها أكلا واستظلالا لها ما لا يكون مثل ذلك [في] مثل تلك المدة من الأشجار، والله أعلم. وعلى ذلك
"روي أنه قيل: يا رسول الله، إنك لتحب القرع؟ قال: أجل هى شجرة أخي يونس، وهو تزيد في العقل" فهذا يدل إن ثبت: أنها كانت شجرة القرع، والله أعلم.
ثم فيه لطف من الله - عز جل -: حيث أنبت عليه شجرة في وقت لطيف، لا ينبت مثلها إلا بعد مدة [غير] لطيفة ووقت مديد، وأبقى عليه الضعف وقتاً طويلا مما يرتفع ذلك ويزول في وقت يسير في العرف؛ ليذكره ما أنعم عليه ويقوم بشكره، وهو كما ذكر في قصة صاحب الحمار حيث قال - عز وجل -:
{ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ } [البقرة: 259] أبقى طعامه وشرابه وحفظه وقتاً طويلا غير متغير مما طعبه التغير في وقت يسير وغير ما طبعه البقاء لطفاً منه، فعلى ذلك أنبت على يونس شجرة في وقت لطيف مما لا ينبت مثلها إلا في وقت طويل، وأبقى ذلك الضعف الذي كان به والسقم مما سبيله الزوال والارتفاع في وقت يسير لطفاً منه؛ لتذكير ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ}.
هذا يحتمل وجوهاً:
أحدها: ما ذكرنا أن حرف الاستفهام إذا أضيف إلى الله فهو على التقدير والإيجاب ليس على حقيقة الاستفهام، فعلى ذلك حرف الشك: أي: مائة ألف بل يزيدون، أو يقول: ويزيدون؛ لما يتعالى عن الشك.
والثاني: قوله: {أَوْ يَزِيدُونَ} حتى يزيدوا؛ كقوله - عز وجل -:
{ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } [الفتح: 16]، أي: حتى يسلموا.
أو كأنه وقت ما بعثه إليهم كانوا مائة ألف، ثم ازدادوا بعد ذلك، والله أعلم.
والثالث: يزيدون مائة ألف أو يزيدون عند الناس، فمعناه: أن من نظر إليهم لا يظن دون مائة ألف، ولكن يظن مائة ألف وزيادة، والله أعلم.
قال - عز وجل -: {فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ}.
قيل: آمنوا به فلم يهلكوا، ولكن أخر عنهم إلى وقت موت حتفهم.
وقال - عز وجل - في آية أخرى:
{ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ } [يونس: 98] أخبر هاهنا أنه لم ينفع قوماً إيمانهم عند معاينتهم العذاب إلا قوم يونس، وكذلك ذكر - عز وجل -: في آية أخرى: أنه لم ينفع الإيمان عند معاينة العذاب حيث قال - عز وجل - في آية أخرى: { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } [غافر: 85] ثم لا يدرآ أنه إنما يقبل إيمان قوم يونس؛ لأنهم آمنوا عند خروج يونس - عليه السلام - من بين أظهرهم قبل أن يقبل العذاب عليهم، لما كانوا يعلمون أن الرسول متى ما خرج من بينهم بعد ما أوعدهم بالعذاب أن العذاب ينزل بهم لا محالة، فآمنوا به، وإن لم يعاينوا.
أو أن يكون العذاب قد أقبل عليهم فعاينوه عند معاينتهم فعند ذلك آمنوا.
فإن كان الأول فهو بأنهم إنما آمنوا به عند خروجه منهم فهو مستقيم قبل إيمانهم؛ لأنهم لم يؤمنوا عند معاينتهم العذاب، ولكن إنما آمنوا قبل ذلك.
وإن كان الثاني، فجائز أن يكون قبل إيمانهم ونفعهم إيمانهم وإن عاينوا العذاب؛ لما عرف - جل وعلا - أن إيمانهم كان حقا وهم صادقون في ذلك محققون، لم يكونوا دافعين العذاب عن أنفسهم إلا بإيمان حقيقة، والله أعلم.