خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ
٦٨
وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٦٩
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ
٧٠
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ
٧١
قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ
٧٢
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ
٧٣
وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ
٧٤
وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٧٥
-الزمر

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} اختلف في قوله: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} أهو على حقيقة النفخ أم لا؟
قال بعضهم: ليس هنالك نفخ ولا شيء، وإنما ذكر النفخ عبارة عن خفة الأمر على الله - عز وجل - [كقوله]:
{ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ } [النحل: 77] { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [الروم: 27].
وقال بعضهم: ليس نفخاً، إنما هو عبارة عن قدر نفخة: أنه يحيي ويميت على قدر النفخة؛ لأن أسرع شيء في الدنيا هي النفخة.
وقال بعضهم: هو على حقيقة النفخة من غير أن كانت النفخة سبباً للإحياء والإماتة، ولكن على جعل النفخة علماً وآية للإحياء أو الإماتة، امتحن بذلك الملك الذي كان موكلا به، على ما امتحن ملك الموت بقبض الأرواح في أوقات جعلت له؛ فعلى ذلك ما ذكر من النفخة، والله أعلم.
ثم اختلف في الصور أيضاً:
قال بعضهم: هو صور الخلق فيها ينفخ، وإلى ذلك [ذهب] جميع أهل الكلام.
وقال [بعضهم]: ليس هو صور الخلق، ولكن إنما هو قرن؛ لأنه قال: الصور، ولم يقل: صُوَر بالتثقيل، وإنما ذكره بالتخفيف، وهو القرن، وذكر صور الخلق بالتثقيل صُوَر؛ حيث قال:
{ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ } [غافر: 64] فلسنا ندري أيهما يقال جميعاً أم لا الصُّور والصُّوَر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} قال عامة أهل التفسير والتأويل: الصعق: هو الموت.
وقال بعضهم: الصعق: هو الغشيان؛ كقوله - عز وجل -:
{ وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً } [الأعراف: 143] أي: مغشيّاً عليه؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل -: { فَلَمَّآ أَفَاقَ } [الأعراف: 143] يفاق من الغشيان، ولا يفاق من الموت، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} اختلف فيه؛ قال بعضهم: إنما استنثى الشهادة الذين استشهدوا في الدنيا، والله أعلم.
وقال بعضهم: {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} هو جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ}:
قال بعضهم: تكون ثلاث نفخات: نفخة تحملهم على الفزع:
{ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ... } الآية [النمل: 87]، ثم الأخرى يموتون بها، والثالثة يحيون بها، وعلى هذا يروى حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ينفخ ثلاث..." ذكر كما ذكرنا، والله أعلم.
وقال بعضهم: نفختان؛ على ما ذكر في هذه الآية: إحداهما: يموتون، والثانية: يحيون بها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} يحتمل {بِنُورِ}: الذي أنشأه الله - عز وجل - لها وجعله فيها، ليس أن يكون لذاته نور أو شيء يضيء، ويكون قوله - عز وجل -: {بِنُورِ رَبِّهَا} كقوله - عز وجل -:
{ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ } [القلم: 2]: بإحسان ربك، وآلاء ربك، لا يفهم منه سوى النعمة والنشأة والآلاء المجعولة؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: {بِنُورِ رَبِّهَا} لا يفهم منه نور الذات ولا شيء من ذلك.
ثم قوله - عز وجل -: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ} أي: أضاءت، جائز أن يكون الله - عز وجل - ينشئ أرض الآخرة أرضاً مضيئة مشرقة؛ لما أخبر أنه يبدل أرضاً غير هذه؛ حيث قال - عز وجل -:
{ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ... } الآية [إبراهيم: 48]، كانت هذه مظلمة، وتلك مضيئة، على ما ذكرنا، والله أعلم.
أو أن يكون إشراقها: ارتفاع سواترها، وظهور الحق لهم، وزوال الاشتباه والالتباس، وكانت أمورهم في الدنيا مشبهة ملتبسة، ويقرون يومئذ جميعاً بالتوحيد له والألوهية والربوبية، وهو على ما ذكر من قوله - عز وجل -:
{ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً } [إبراهيم: 21]، وقوله - عز وجل -: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ}، وقوله: { ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ } [الحج: 56]، ونحو ذلك، ذكر البروز له والرجوع إليه والمصير، وإن كانوا في الأحوال كلها بارزون له، راجعون إليه، صائرون، والملك له في الدارين جميعاً، خصّ البروز والرجوع إليه والملك له؛ لما يومئذ يظهر المحق لهم من المبطل، ويومئذ أقروا جميعاً بالتوحيد له والملك؛ فعلى ذلك يحتمل إشراق الأرض وإضاءتها لما ترتفع السواتر يومئذ [و]تزول الشبه، وتظهر الحقائق، والله أعلم.
أو أن يكون إشراقها بإظهار لكل ما عمل في الدنيا من خير أو شرّ، وعرفه يومئذ، وإن كان في الدنيا لم يظهر ولم يعرف مما عمل من خير وشر؛ كقوله - عز وجل -:
{ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً... } الآية [آل عمران: 30]، والله أعلم.
أو أن تكون أرض الآخرة مضيئة مشرقة لما لا يُعْصى عليها الرب - تعالى عز وجل - وأرض الدنيا مظلمة بعصيان أهلها عليها الربَّ - عز وجل - وذلك كما روي في الخبر أن الحجر الأسود [أُنزل] من الجنة ككذا، صار أسود لما مسته أيدي الخاطئين العاصين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {بِنُورِ رَبِّهَا} قال بعضهم: بعدل ربها؛ أي: رضي بعدل ربها، وهو ما قال - عز وجل -:
{ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } [الحجر: 85]، أي: بالعدل، والله أعلم.
وجائز ما ذكر بنور أنشأه وجعله فيها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ}، وقال - عز وجل - في آية أخرى:
{ وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ } [الرحمن: 7]، فجائز أن يكون الكتاب الذي ذكر أنه وصفه هو ذلك الميزان، فيكونان واحداً.
وجائز أن يكون الكتاب غير الميزان.
وقال بعضهم: الكتاب هو الحساب بما قد حفظ عليهم ولهم من خير أو شر محذور فيه.
وقال بعضهم: هو الكتاب الذي يوضع في أيديهم يومئذ، فيه ما عملوا يقرءونه، وهو مثل الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ} اختلف في الشهداء:
قال بعضهم: الشهداء هم المرسلون، يؤتى بالنبيين والمرسلين يشهدون عليهم؛ كقوله - عز وجل -:
{ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً } [النساء: 41]، وقوله - عز وجل -: { إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ... } الآية [المزمل: 15].
وقال بعضهم: الشهداء - هاهنا - هم الملائكة والحفظة الذين يشهدون عليهم؛ كقوله - عز وجل -:
{ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ... } الآية [النور: 24].
وقوله - عز وجل -: {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ} أي: بالعدل.
وقوله - عز وجل -: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي: لا يحمل على أحد ما لم يعمل، ولكن يحمل عليه ما عمل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ} كافرة {مَّا عَمِلَتْ} من سوء، فأما ما عملت من خير فلا، [و]توفى كل نفس مسلمة ما عملت من خير لا ينقص منها شيء، وما عملت من سوء جائز أن يتجاوز الله عنها ويبدله حسنات؛ كقوله - عز وجل -:
{ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } [الفرقان: 70]. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ}، أي: عالم بما يفعلون من خير أو شر.
وقوله - عز وجل -: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً} قيل: أمة أمة، وجماعة جماعة؛ كقوله - عز وجل -:
{ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا... } الآية [الأعراف: 38]، وقوله - عز وجل -: { وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ } [آل عمران: 12] ونحوه.
وقوله - عز وجل -: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} جائز أن يكون لها أبواب يدخلون فيها.
وجائز أن تكون الأبواب المذكورة لا على حقيقة الأبواب، ولكن على الجهات والسبل التي كانوا فيها؛ أي: في الدنيا، وعملوا بها يدخلون النار بتلك الجهات والسبل التي كانوا في الدنيا وعملوا بها، كما يقال: فتح على فلان باب كذا، ليس يراد حقيقة الباب، ولكن سبل بابه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ} يحتمل قوله - عز وجل -: {آيَاتِ رَبِّكُمْ} أي: التوحيد وحججه.
ويحتمل آيات البعث الذي أنكروه.
وقال بعض أهل التأويل: آيات القرآن.
وقوله - عز وجل -: {وَيُنذِرُونَكُمْ} بالآيات {لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا}.
وقوله - عز وجل -: {قَالُواْ بَلَىٰ} قد فعلوا ذلك.
وقوله - عز وجل -: {وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} قال أهل التأويل: {وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ} أي: عدة العذاب، وهو ما قال - عز وجل - ووعد أنه يملأ جهنم منهم، وهو قوله:
{ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } [هود: 119] أي: حق وعد ذلك عليهم، والله أعلم.
وجائز أن يكون ما ذكر من {كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ}: هو كلمة الشرك والكفر؛ أي: حقت كلمة الكفر والشرك الذي علمنا سموا {كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ}، لما عذبوا وعوقبوا، والله أعلم.
وقوله: {قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ} تأويله ظاهر.
"والمتكبرين" يحتمل المتكبرين على آياته وحججه، ويحتمل المتكبرين على رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، والله أعلم.
وقال القتبي وأبو عوسجة: {وَأَشْرَقَتِ}، أي: أضاءت وأنارت، و{زُمَراً} أي: جماعات، والواحد: زمرة، ويقال: تزمر القوم إذا اجتمعوا، زمرتهم، أي: جمعتهم، وأصله: أن يساق كل فريق على ما أحبوا، وكانوا في الدنيا جماعة جماعة وأمة أمة، وعلى ما يجتمعون في هذه الدنيا: أهل الخير على أهل الخير، وأهل الشر على أهل الشر، وسروا بالاجتماع في ذلك، لكن أهل الخير يساقون إلى الجنة على ما كانوا يجتمعون في هذه الدنيا مسرورين، وأهل الكفر يساقون إلى النار على ما [كانوا] يجتمعون في هذه الدنيا على الشر حزنين مغتمين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ}؟
يحتمل: اتقوا الشرك بربهم، أو اتقوا سخط ربهم ونقمته، أو اتقوا المهالك، وقد ذكرناه فيما تقدم والله أعلم.
{وَسِيقَ}، وإن كان في الظاهر خبرا عما مضى لكنه يخرج على وجهين:
أحدهما: على الاستقبال، وذلك جائز في اللغة استعمال حرف الماضي على إرادة الاستقبال، كأنه قال: يساقون.
والثاني: كأنه خبر أمر قد كان مضى، فقال - عز وجل -: {وَسِيقَ}؛ ولذلك ذكره بحرف {وَسِيقَ}، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {زُمَراً} قد ذكرناه، أي: جماعة جماعة، وأمة أمة، على ما كانوا في هذه الدنيا، ويجتمعون على ذلك؛ فعلى ذلك يساقون في الآخرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}.
فتح الأبواب لهم يحتمل حقيقة الأبواب، ويحتمل كناية عن الوجوه والسبل التي يأتونها في الدنيا لا على حقيقة الأبواب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ}.
بدأ الخزنة بالسلام عليهم، فجائز أن يكون الله - عز وجل -: امتحن الخزنة بالسلام على المؤمنين كما امتحن رسوله ببدئه السلام على من آمن، وهو قوله - عز وجل -:
{ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ... } الآية [الأنعام: 54].
ثم يحتمل سلام الخزنة عليهم: السلام والبراءة عن جميع العيوب والآفات التي في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ}.
فقوله: {طِبْتُمْ} أي: صرتم طيبين لا تخبثون أبداً، وقد برئتم من الآفات والعيوب كلها، والله أعلم.
أو يقول: طاب العيش أبداً من حيثما يأتيكم بلا عناء.
وقوله - عز وجل -: {وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ}.
ولا شك أن الله - عز وجل - إذا وعد صدق وعده، لكن معنى قولهم: {ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ}، أي: الحمد لله الذي جعلنا مستحقين وعده؛ إذ وعده لا شك أنه يصدق، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: {وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ} أي: الجنة.
وقوله - عز وجل -: {نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ}.
يحتمل قوله: {حَيْثُ نَشَآءُ} نرغب فيها، وهم لا يرغبون النزول من منازلهم.
أو أن يكون قوله: {نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ}، أي: جميع مكان الجنة مختار ليس مما يتخير في الدنيا مكاناً دون مكان؛ لأن جميع أمكنتها ليست بمختارة فيقع فيها الاختيار، فأما الجنة فجميع أمكنتها مختارة فلا يقع هنالك اختيار مكان على مكان، والله أعلم. وإلا ظاهر قوله: {نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ} ما لهم وما لغيرهم، والوجه فيه ما ذكرناه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} ظاهر.
وقوله - عز وجل -: {وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ}.
قيل: محدقين حول العرش.
وقوله - عز وجل -: {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}.
قال بعض أهل التأويل: بأمر ربهم، لكن التسبيح بحمد ربهم هو أن يسبحوا بثناء ربهم وحمده ويبرئونه وينزهونه عن جميع معاني الخلق بحمد وثناء يحمدونه ويثنون عليه على ما ذكرنا في غير موضع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ}.
قيل: بين الأمم والرسل، وقيل: بين الخلائق كلهم.
وجائز أن يكون قوله : {وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} قال الحسن: فتح الله نعمه في الدنيا بالحمد له، وهو قوله - عز وجل -:
{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ... } الآية [الأنعام: 1]، وقوله - عز وجل: { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ... } الآية [الكهف: 1]، وغير ذلك من الآيات، وختم نعمه في الآخرة بالحمد له حيث قال: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}، وقوله - عز وجل -: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الطاهرين أجمعين.