خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ
٢٠
أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ
٢١
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٢٢
-غافر

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ}.
قال أهل التأويل: أي: الحكم بالحق. والقضاء المذكور في الكتاب يخرج على وجوه:
أحدها: {يَقْضِي} أي: يأمر؛ كقوله تعالى:
{ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ } [الإسراء: 23]؛ وكقوله: { إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً } [الأحزاب: 36] أي: إذا أمر أمراً، يقول: {وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ} أي: يأمر بالحق، {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} أي: لا يملكون الأمر بالحق، فكيف تعبدون من دونه؟!
والثاني: القضاء: الوحي والخبر؛ كقوله تعالى:
{ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ } [الإسراء: 4] أي: أوحينا إليهم، فكأنه يقول: والله يوحي بالحق ويخبر به، والذين يدعون من دونه لا يملكون الوحي ولا الخبر، فكيف اخترتم عبادتهم على عبادة من يوحي بالحق ويخبر؟! والله أعلم.
والثالث: القضاء هو الخلق والإنشاء؛ كقوله تعالى:
{ فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ } [فصلت: 12] أي: خلقهن، فيكون قوله على هذا {وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ}، أي: يخلق بالحق، والذين يدعون من دونه لا يخلقون شيئاً، وقد يعلمون استحقاق العبادة إنما يجوز بالخلق والإنشاء؛ وهو كقوله تعالى: { أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } [النحل: 17]، { خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ } [الرعد: 16] يقول: خلق من يدعون دونه كخلقه حتى تشابه ذلك عليهم فعبدوهم؛ إذ يعلمون أن من خلق ليس كمن لم يخلق، وقد تعلمون أنها لم تخلق شيئاً، فكيف عبدتموها؟! والله أعلم.
ثم أقول: أصل التأويل {يَقْضِي بِٱلْحَقِّ} أي: يحكم بالحق في الدنيا بالآيات والحجج ما عرف كل أحد أنها حجج وآيات وبراهين، والحكم بما ذكرنا حكم بالحق، والله أعلم.
والثاني: أي يحكم بالحق في الآخرة وهو الشفاعة، أي: لا يجعل الشفاعة لمن يعبدون على رجاء الشفاعة؛ كقولهم:
{ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس: 18]، ولكن إنما يجعل لمن ارتضى؛ كقوله تعالى: { وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } [الأنبياء: 28]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}.
روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: السميع للمؤمن، أي: المجيب للمؤمن، والبصير لعقاب أولئك.
وقيل: السميع لأقوالهم، البصير بأفعالهم.
وجائز أن يكون قوله - تعالى -: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} صلة ما تقدم من قوله: {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ} يقول: السميع بما يكون منهم ظاهرا من قول أو فعل، والبصير بما أخفوا في قلوبهم وتكن صدورهم، يخبر بهذا؛ ليكونوا أبداً مراقبين حافظين أنفسهم ما ظهر وما خفي، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً}.
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: ما قال الحسن: إنهم لو ساروا فنظروا في آثار من كان قبلهم من مكذبي الرسل، لكان لهم في ذلك زجر ومنع عن مثل صنيع أولئك.
وقال بعضهم: هو على الخبر، أي: قد صاروا في الأرض، ونظروا في آثار من تقدمهم، لكنهم لم ينظروا نظر اعتبار أنه لماذا أصابهم ما أصابهم؟ والله أعلم.
وقال قائلون: هو على الإيجاب والإلزام، أي: سيروا في الأرض وانظروا في آثار أولئك الذين كانوا من قبل هؤلاء؛ كقوله:
{ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ } [النمل: 69].
ولكن نقول: ليس على حقيقة السير في الأرض بالأقدام ولا نظر العين والبصر، ولكنه أمر منه لهم بالتفكر والاعتبار في آثار من كان قبلهم، وإلى ماذا صار عاقبة أمر صنيع مكذبي الرسل ومصدقيهم؟ لينزجروا عن مثل صنيع مكذبهم، ويرغبوا في مثل صنيع مصدقهم، والله أعلم.
وقوله: {كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً}، في أبدانهم وأنفسهم، {وَآثَاراً}، أي: خبر أو ذكر في الأرض.
ويحتمل {وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ} أي: أشد أعمالا في الأرض، وليس كما يقول بعض المعتزلة: أي: أنهم كانوا أشد منهم قوة في الخيرات، فإن كان ما ذكر فذلك ليكون أصلح لهم، وهذا بعيد سمج من القول، والوجه فيه ما ذكرنا أنهم كانوا أشد منهم قوة في أبدانهم وأنفسهم.
وقوله - عز وجل -: {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ}.
يخبر أن أولئك الذين كانوا من قبل هؤلاء كانوا أشد من هؤلاء قوة وأشد آثارا في الأرض، ثم لم يمنعهم شدة قوتهم في أبدانهم وأنفسهم وما ذكر من آثار الأرض ولم يدفعوا عن أنفسهم ما نزل بهم من عذاب الله، فأنتم يا أهل مكة دونهم في البطش والقوة، فكيف تمنعون عذاب الله إذا نزل بكم؟! والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: { وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ}.
ذكر - والله أعلم - أن أولئك قد عبدوا الأصنام رجاء أن تشفع لهم في الآخرة وتقربهم إلى الله زلفى، كما تعبدون أنتم على رجاء الشفاعة لكم والتقرب إليه، ولو كانت عبادتهم إياها طريق الشفاعة وسبب التقريب، لكان يغيثهم من عذاب الله في الدنيا، وهو كما ادعت اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه، فقال ردّاً عليهم بقوله:
{ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم } [المائدة: 18] أي: في الدنيا لو كنتم على ما تزعمون؛ إذ لا أحد يهلك ويعذب ولده وحبيبه في الدنيا فعلى ذلك الأول.
وقوله - عز وجل -: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ}.
فقوله: {ذَلِكَ} يقول: ذلك العذاب والإهلاك الذي نزل بهم لما كانت أتتهم رسلهم بالبينات، فكفروا وكذبوا الآيات والأدلة التي أتتهم رسلهم أنهم رسل الله إليهم، فأصابهم ما أصابهم، كذلك فأنتم يا أهل مكة إذا كذبتم الرسول بعد ما أتتكم البينات والأدلة على رسالته، ينزل بكم ما نزل بأولئك بالتكذيب والعناد ورد الآيات والأدلة، والله أعلم.