خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ
٥١
يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ
٥٢
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ
٥٣
هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ
٥٤
فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ
٥٥
-غافر

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}.
يحتمل ما ذكر من النصر للرسل والمؤمنين وجوهاً:
أحدها: أن ينصرهم في الدنيا بالحجج والآيات التي أعطاهم في الدين حتى يدفع بها تسويلات الشيطان وتمويهات السحرة وتغلبها وتعلو على كل هذا في الدنيا، وفي الآخرة أيضاً ينصرهم بما يشهد لهم عليهم الملائكة والجوارح بالتكذيب للرسل والمؤمنين، وأنهم دعوهم إلى التوحيد والإيمان، لكنهم كذبوهم وكفروا بما دعوهم إليه، فذلك نصره إياهم في الدنيا والآخرة، والله أعلم.
والثاني: ينصرهم؛ لما يجعل لهم العواقب وآخر الأمر وإن كان في الابتداء قد يكون عليهم، وعلى ذلك لم يذكر عن أحد من الرسل إلا وقد كان عاقبة الأمر له؛ وهو كقوله - تعالى -:
{ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [الأعراف: 128]؛ فهذا النصر هو النصر في الأبدان والأول هو نصر في الدين، ولكن إن كان هو نصرا في الأبدان فهو نصر يرجع إلى الدين؛ لما يقوم الدين بسلامة الأبدان، ويتحقق به عز المسلمين، والله الموفق.
والثالث: ذكر نصرهم؛ لما أعطاهم من النعمة في الدنيا والسعة فيها، وهو يذكر للرسل والمؤمنين نصرا ونعمة ومعونة، أما هي للكفرة فتنة ومحنة لا غير لا تذكر باسم النصر والنعمة؛ إذ هي في حق المسلمين وسيلة إلى النعمة الأبدية، وفي حق الكفرة إلى العذاب الأبدي، فتكون نعمة في حقهم حقيقة؛ ولذلك قال تعالى:
{ الۤـمۤ * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } [العنكبوت: 1-2]، وقال: { بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ } [الزمر: 49]، وقوله: { نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ } [المؤمنون: 56]، وقد أخبر أن ما أعطاهم من الأموال والسعة إنما هي فتنة ومحنة له، والله أعلم.
فإن قيل: ذكر أنه ينصرهم، وقد نرى مؤمناً قد ينقطع حججه ويعجز عن إقامتها ونراه مغلوباً، والكافر هو الغالب؟!
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: من جعل العاقبة له والغلبة والنصر في آخر الأمر.
والثاني: جائز أن يكون وعده النصر لهم والظفر بالحجة بالشريطة، وهي القيام بوفاء ما لله عليهم من الحق في ذلك، فالنصر والظفر بالحجة في المناظرة أن يكون يزجى عمره في معرفة الحجج والدلائل وأن يكون عارفاً بطرق النظر، ومتى كان هذا الشرط موجوداً يكون النصر له لا محالة، وشرط الظفر في المحاربة أن يكونوا قاصدين إعزاز دين الله تعالى، دون ابتغاء الدنيا وكلمتهم واحدة ونحوها، ومتى كان المحاربة بشرائطها يكون الظفر لا محالة للمسلمين؛ وذلك كقوله تعالى:
{ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } [البقرة: 40]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ}.
قال بعضهم: الأشهاد: هم الملائكة يكتبون أعمال بني آدم، يشهدون عليهم بما عملوا من الأعمال.
وقال بعضهم: الأشهاد: هم الرسل يشهدون عند رب العالمين على الكفرة بالتكذيب والرد.
وقال بعضهم: يشهد عليهم الجوارح يومئذ بما كان منهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ}.
ذكر هاهنا: {لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ}، وذكر في موضع آخر:
{ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } [المرسلات: 36] وبينهما اختلاف من حيث الظاهر؛ لأن القول بأنه لا ينفع معذرتهم بعد وجودها منهم، وقد أخبر أنه لا يؤذن لهم بالاعتذار، لكنهم يعتذرون بلا إذن لهم، فلا يقبل اعتذارهم ولا ينفعهم ذلك؛ فيكون جمعا بينهما من هذا الوجه.
ويحتمل لا ينفع الظالمين معذرتهم لو كان منهم الاعتذار، ولا يقبل اعتذارهم، لكن لم يؤذنوا بالاعتذار حتى يعتذروا؛ وهو كقوله - تعالى -:
{ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ } [البقرة: 123]، أي: لو كان منهم فذلك لا يقبل، وكذا قوله تعالى: { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ } [المدثر: 48] أي: لو كانت لهم شفعاء يشفعون لهم، لكان لا ينفعهم شفاعتهم لا أن كان شفعاء؛ فعلى ذلك قوله تعالى: {لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ}، أي: لو كانوا يعتذرون لا يقبل اعتذارهم ولا ينفعهم معذرتهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ}.
يحتمل الهدى هاهنا وجوهاً:
أحدها: أي: آتيناه التوراة وفيها البيان والدعاء إلى الرشد، وجميع كتب الله تعالى فيها هدى ونور ورحمة.
والثاني: أي: آتاه التوحيد والإسلام.
ويحتمل: آتاه النبوة والرسالة، وآتاه كل ما لله عليه من حق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ}.
يحتمل قوله: {ٱلْكِتَابَ}: التوراة خاصة، ويحتمل التوراة وسائر الكتب؛ لأن الكتب في بني إسرائيل كانت كثيرة، كان فيها التوراة والزبور والإنجيل وغير ذلك، فجائز أن يريد بالكتاب: جميع الكتب التي كانت فيهم؛ إذ ذكر الكتاب بالألف واللام، وإنه يحتمل الجنس والعهد؛ فيجوز الصرف إلى التوراة لمكان العهد، ويجوز الصرف إلى الجميع لمكان الجنس، والله أعلم.
وفي الآية دلالة أن لا جميعَ كتب الله التي أنزلت فيهم غيرت وبدلت، بل فيهم ما لم يغير ولم يبدل حيث قال: {وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ * هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}.
ثم قوله - تعالى -:
{هُدًى}: هو ما ذكرنا أن جميع كتب الله تعالى هدى من الضلالة إلى الرشد، وبيان لما لله عليهم وما لبعض على بعض.
وقوله: {وَذِكْرَىٰ} قال بعضهم: موعظة.
وقال بعضهم: تفكرا لأهل اللب والعقل.
وجائز {ذِكْرَىٰ}، أي: ذكر ما سبق، أي: يذكرهم ما نسوا.
وقوله: {لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}؛ لأن أهل اللب هم الذين يتفكرون ويتأملون فيه، أو أن أهل اللب هم المنتفعون بالذكرى وما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ}، يحتمل قوله: {فَٱصْبِرْ} وجوهاً:
أحدها: التكذيب، كان يتأذى بتكذيبهم إياه.
والثاني: كان يتأذى باستهزائهم به.
والثالث: أنواع ما يكيدون: من همهم قتله وضربه وغير ذلك.
والرابع: يحتمل قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ}، أي: اصبر على تبليغ الرسالة إليهم، ولا يضجرك تكذيبهم إياك، ولا يمنعك ذلك عن تبليغها، والله أعلم.
والخامس: اصبر ولا تستعجل لهم العذاب قبل ميقاته، وذلك أن الرسل - عليهم السلام - كانوا لا يستعجلون العذاب ما لم يؤذن لهم بذلك، والله أعلم.
ثم قوله: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} إن كان المراد من وعده نفس الوعد؛ فيكون تأويله: إن وعد الله صدق، أي: لا يخلف، ولا يكون كذباً؛ لأن خلف الوعد في الشاهد إنما يكون لأحد معنيين:
إما لعجزه عن القيام بوفائه.
وإما لضرر يخاف أن يلحقه لو قام بوفاء ما وعد، والله تعالى بريء عن المعنيين جميعاً متعال عن ذينك.
وإن كان المراد من قوله - تعالى -: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ}، أي: موعود الله؛ فيكون تأويله: إن موعد الله تعالى لكائن حقّاً، فوعد الله تعالى على الوجهين اللذين ذكرناهما، وعلى هذا يذكر أمر الله تعالى: قد يراد به نفس الأمر، كقوله:
{ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } [الروم: 4]، ويذكر ويراد به المفعول؛ كقوله تعالى: { وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } [النساء: 47] أي: ما يكون بأمره مفعولا، ويكون موعود الله مفعولا، والله أعلم. وما ذكر الصلاة أمر الله.
ثم لسنا ندري ما كان من وعده لرسوله حتى أخبر أنه كائن، فجائز أن يكون ما قال بعض أهل التأويل: إنه وعد له أن يعذب كفار مكة يوم بدر بالقتل وغير ذلك، فكذبوه، وقالوا مستهزئين به:
{ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [يونس: 48] قال: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} يحتمل غيره.
وقوله: {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ}.
جائز أن يكون ما ذكر في قوله:
{ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } [الفتح: 2] باستغفاره إياه.
وجائز أن يكون قوله:
{ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ } [الفتح: 2] ما يغفر له من أمته بشفاعته كما ذكر في الخبر: "يغفر للمؤذن مد صوته" أي: يجعل له الشفاعة إلى حيث يبلغ صوته.
وقوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}.
قد ذكرنا التسبيح بحمد ربه، ثم جائز أن يريد بالتسبيح نفس التسبيح، فإن كان كذلك فيكون ذكر العشي والإبكار ليس هو ذكر التوقيت له، ولكن الأوقات كلها الليل والنهار؛ كقوله - تعالى -:
{ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ } [الكهف: 28]: ليس يريد نفس الغداة والعشي خاصة دون غيرهما من الأوقات، بل هما عبارة عن جميع الأوقات كأنه يقول: اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم آناء الليل والنهار؛ فعلى ذلك الأول يحتمل هذا، والله أعلم.
وإن كان المراد من التسبيح هاهنا: الصلاة، فكأنه يقول: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} كناية عن صلاة النهار.
أو أن يكون {وَٱلإِبْكَارِ} كناية عن صلاة الغداة، و{بِٱلْعَشِيِّ} كناية عن صلاة العشاء على ما ذكره بعض الناس، والله أعلم.