خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ
٣٠
نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ
٣١
نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ
٣٢
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ
٣٣
-فصلت

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ}.
روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال:
"أمتي أمتي؛ لأن اليهود قالوا: ربنا الله، ثم قالوا: عزير ابن الله، وأن النصارى قالوا: ربنا الله، ثم قالوا: المسيح ابن الله، وأن أمتي قالوا: ربنا الله، ولم يشركوا به أحداً" ، وكذلك روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: "{إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} قال: هم الذين لم يشركوا بالله شيئاً" فإن ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر - رضي الله عنه - فهو تفسير الاستقامة التي ذكر، والله أعلم.
وقال بعضهم: أي قالوا ربنا الله، ثم استقاموا في إخلاص العمل له والقيام بذلك.
وقال بعضهم: ثم استقاموا على أداء الفرائض والشرائع والحدود.
وقيل: ثم استقاموا في الطاعات له.
والاستقامة وجوه ثلاثة:
أحدها: في الاعتقاد، اعتقدوا ألا يعصوه ويجتنبوا جميع ما يخالف أمره ونهيه.
والثاني: استقاموا في اجتناب جميع ما يخالف ما أعطوا بلسانهم: أنه ربنا الله، وقاموا بوفاء ما أعطوا بلسانهم قولا وفعلا.
والثالث: قاموا في جميع الأعمال مخلصين لله تعالى لم يشركوا فيها أحداً لأحد فيها نصيباً من المراءاة غيرها، بل خالصاً لله تعالى سالماً، والله أعلم بما أراد بذلك.
وقوله: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ}:
اختلف فيه:
قال بعضهم: ذلك عند قبضهم الأرواح في الدنيا يبشر لهم بما ذكر.
وقال بعضهم: تقول لهم الملائكة يوم القيامة عند معاينتهم الأهوال والأفزاع؛ ليسكن بذلك قلوبهم عند تلك الأهوال والشدائد، والله أعلم.
ثم اختلف في قوله: {أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ} أي: لا تخافوا ما أمامكم ولا تحزنوا على ما خلفتم من الأهل والأولاد.
وقيل: لا تخافوا ما تقدمون عليه من الموت وأمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفتم من أهل أو دين.
وقال بعضهم: لا تخافوا من العذاب ولا تحزنوا على فوت ما وعدتم من النعيم؛ فإنها دائمة لا يفوت ولا ينقطع أبداً.
وقوله - عز وجل -: {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}.
على ألسن الأنبياء والرسل - عليهم السلام - فمن قال: إن البشارة التي ذكر في الدنيا عند قبض الأرواح، فلما ذكر في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" ؛ لأن المؤمن يُرَى له الجنة ويبشر بها في ذلك الوقت؛ فيصير الدنيا له سجناً لما عاين مما هُيِّئ له وجعل له من الثواب، والكافر لما رأى له مكانه في النار أو بشر به صارت له الدنيا جنة؛ وعلى ذلك يخرج قوله - عليه السلام -: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ}.
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: يشبه أن يكون هذا القول من الذين بشروهم بما بشروا يقولون: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
وجائز أن يكون ذلك من الله تعالى، وإن كان المذكور على أثر البشارة الملائكة؛ وذلك كقوله - تعالى -:
{ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ * إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } [غافر: 50-51] ثم إن كان ذلك من الله - سبحانه وتعالى - فيكون تأويله {نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ} في عصمتكم في الدنيا، وأولى بكم في الآخرة في المعونة، أو نقول: نحن أولى بكم في النصر والتوفيق في الدنيا والجزاء والثواب في الآخرة، والله أعلم. وإن كان ذلك من أولئك الذين بشروهم يقولون: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا بالصحبة، فكذلك يكون في الآخرة.
وقوله: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ}.
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: {مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ} أي: لكم ما ترغب به أنفسكم وتتوق إليه.
أو لكم فيها ما تتلذذ به أنفسكم وتتنعم بها.
وقوله: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}.
قيل: ما تتمنون وتسألون، أو يقول: ما تدعون من الدعوى.
وقوله: {نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ}.
قال بعضهم: {نُزُلاً} أي: رزقاً من غفور رحيم وهو من الإنزال، وقال بعضهم: {نُزُلاً} أي: إنزالا في المنزل من غفور رحيم، والله أعلم.
وقوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً}.
كأنه يقول: ومن أحسن مذهباً ومسيرة ممن دعا إلى الله، أي: إلى توحيد الله ودينه، أو دعا إلى المعروف والنهي عن المنكر، أي: دعا غيره إلى ذلك وعمل بنفسه، وهذا الحرف يجمع جميع الخيرات والطاعات، فإن كان قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً} على ما ذكرنا من المذاهب والسيرة فكأنه يقول: ومن أحكم وأتقن مذهباً وسيرة ممن ذكر، وإن كان على حقيقة القول فيكون قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً} أي: ومن أصدق قولا ممن قال ما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}.
أي: اختار الانتساب إلى الإسلام من بين غيره من الأديان والمذاهب، وقد أبى سائر الفرق الانتساب إلى الإسلام سوى أهل الإسلام.
والثاني: انتسب إلى ما خص الله سبحانه وتعالى تسميتهم به وهو الإسلام؛ كقوله:
{ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ } [الحج: 78]، وقوله: { أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } [البقرة: 128]، وقال في حق إبراهيم - عليه السلام -: { أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [البقرة: 131]، ويكون اسم المؤمن خاصّاً لأهل الحق؛ فإن اليهود والنصارى سلموا أنفسهم مؤمنين، ولا يمتنعون عن إطلاق اسم المؤمن ويمتنعون عن إطلاق اسم المسلم؛ ولهذا يقال: دار الإسلام، ولا يقال: دار الإيمان، وإن كان الإسلام والإيمان واحداً؛ لاختصاص هذا الاسم بهؤلاء، والله أعلم.
أو يقال: إنه اختار النسبة إلى الإسلام، وغيرهم من الناس انتسبوا إلى ما لهم من العز في الدنيا والشرف فيها، وغير ذلك من الأسباب التي كانت لهم في الدنيا.
ثم اختلف فيه:
قال بعضهم: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال بعضهم: هم المؤذنون، وعلى ذلك رويت الأخبار أنها نزلت في المؤذنين.
وقال بعضهم: ذلك في كل مؤمن دعا الخلق إلى طاعة الله تعالى وعمل بنفسه، والله أعلم.
وعن الحسن: أنه تلا قوله - تعالى -: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً} قال: هذا صفوة الله، هذا خِيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله تعالى، أجاب في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، قال إنني من المسلمين لربّه، هذا خليفة الله تعالى.