خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

حـمۤ
١
تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ
٢
كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
٣
بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ
٤
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ
٥
قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ
٦
ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ
٧
إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
٨
-فصلت

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}.
ظاهر هذا أن تفسير {حـمۤ} هو قوله: {تَنزِيلٌ}، وحم خبر لمبتدأ محذوف مقدر {تَنزِيلٌ} مبتدأ من: {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} وكذلك قوله:
{ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } [غافر: 2]، والأصل في حواميم وسائر الحروف المقطعة: أنها تبعث سامعها على التفكر والتأمل؛ لأنه لا يفهمها وقت قرعها السمع حتى يتأمل ويتفكر فيها؛ لأنها كلام لم يسمعوه قبل ذلك، فيحملهم ذلك على الاستماع والتفكر فيها والنظر، فيقع ما هو المقصود من الخطاب في سماعهم ويعرفوا وجه الإعجاز؛ فيتوصلوا بذلك إلى الحق، وقد ذكرنا في الحروف المقطعة وجوهاً أخر فيما تقدم.
ثم ذكر هاهنا رحمته ورأفته؛ ليرغبهم فيما يرحمهم ويرأف بهم، وهو قوله: {حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}، وذكر في السورة الأولى عزه وقدرته وسلطانه وعلمه؛ ليحذروا مخالفته وعصيانه ظاهرا وباطناً حيث قال:
{ حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } [غافر: 1-2]، ليطلبوا العز من عنده.
وقوله: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ}.
قال أهل التأويل: {فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} أي: ثبت فيه من الحلال والحرام، وما لهم وما عليهم، وما يؤتى وما يتقى ونحوه.
وعندنا يحتمل قوله: {فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} وجهين:
أحدهما: {فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} أي: فرقت كل آية من الأخرى، من نحو: آية التوحيد فرقت من آية الرسالة، وفرقت آية البعث من غيرها، فرق كل آية من الأخرى.
والثاني: يحتمل التفريق في الإنزال، أي: فرقت آياته في الإنزال، لم يجمع بينها في الإنزال، ولكن فرق في أوقات متباعدة.
ويحتمل قوله: {فُصِّلَتْ}: ثبتت، على غير ما قاله أهل التأويل، وهو أن يثبت آياته بالحجج والبراهين حتى يعلم أنها آيات من الله تعالى.
وقوله: {قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.
أي: أنزله بلسان يعلمونه ويفهمونه لا بلسان لا يعلمونه ولا يفهمونه، أي: أنزله بلسانهم. ويحتمل {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي: ينتفعون بعلمهم، أي: حصل إنزاله لقوم ينتفعون، فأما من لم ينتفع به، فلم يحصل إلا الإنزال له، والله أعلم.
وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: {قرآنا عربيا لقوم يعقلون}.
وقوله: {بَشِيراً وَنَذِيراً}.
البشارة والنذارة هي بيان ما يكون في العاقبة من الخير والشر، أو يقال: البشارة هي الدعاء إلى ما يوجب لهم من الحسنات والخيرات في العاقبة، والنذارة هي الزجر عما يوجب لهم من السيئات والمكروهات في العاقبة، والنذارة هي الزجر؛ فصار معنى الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل داعياً إلى الحسنات وزاجراً عن السيئات، والله أعلم.
وقوله: {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ}.
يحتمل إعراضهم عنه وجهين:
أحدهما: أي: أعرضوا عن التفكر فيه والتأمل.
والثاني: أعرضوا عن اتباعه بعدما تأملوا فيه وتفكروا، وعرفوا أنه حق وأنه من الله تعالى، لكنهم تركوا اتباعه عناداً منهم ومكابرة؛ حذرا عن ذهاب الرياسة، والله أعلم.
وقوله: {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ}.
أي: لا يجيبون على ما ذكرناه.
قوله: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ}.
لا شك أن قلوبهم على ما ذكروا أنها في أكنة وفي آذانهم وقر؛ لأنه ذكر - جلا وعلا - أنه جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا؛ حيث قال تعالى:
{ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً } [الأنعام: 25] على ما أخبروا أن قلوبهم في أكنة وغطاء، وفي آذانهم وقر، لا يفقهون ما يدعون إليه، ولا يسمعون ذلك وإن كانوا يفقهون غيره ويسمعون؛ لأنهم كذلك قالوا: {قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ}.
وقوله: {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ}.
إن ثبت ما ذكر بعض أهل التأويل: أن ثوباً فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: كن أنت يا محمد في جانب، ونكون نحن في جانب آخر، ونحوه من الكلام - فهو ذلك، وإلا احتمل أن يكون قوله: {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ}: هو ما حجبتهم ظلمة الكفر وغطتهم عن فهم ما دعوا إليه وعلم ما دعاهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ}، هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: اعمل أنت بدينك فإنا عاملون بديننا؛ كقوله تعالى:
{ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } [الكافرون: 6].
والثاني: فاعمل أنت في كيدنا فإنا عاملون في كيدكم والمكر بكم، والله أعلم.
ويحتمل أن يقولوا: اعمل أنت لإلهك فإنا عاملون لإلهنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}.
هذا الحرف يخرج على وجهين:
أحدهما: كأنه يقول لهم: إنما أنا بشر مثلكم أفهم وأعقل يوحى إليَّ وأسمع ذلك، فأنتم في قولكم: إن قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر - لا عذر لكم في ذلك؛ لأنه إنما يحجبكم عن ذلك ويغطي قلوبكم عن فهم ذلك الكفرُ الذي أنتم عليه والضلال الذي أنتم فيه، فاتركوا ذلك حتى تفهموا وتعقلوا ما تدعون إليه وتؤمرون به، كما أفهم أنا وأعقل إذ أنا بشر، والله أعلم.
والثاني: يقول: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ}، أي: إنما أنا بشر مثلكم أمرت أن أبلغ إليكم أن إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه، وإلا لو [لم] أؤمر بتبليغ الرسالة إليكم إنما إلهكم إله واحد - لكنت أترككم وما أنتم عليه؛ لقولكم: إن قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر فاعمل إننا عاملون. على هذين الوجهين تأويل الآية، والله أعلم.
وقوله: {فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ}.
قال بعضهم: أي: فاستقيموا إليه بالطاعة.
وقيل: أي: استقيموا إلى ما دعاكم إليه من التوحيد.
وقوله: {وَٱسْتَغْفِرُوهُ}.
أي: انتهوا عما أنتم عليه من الكفر والضلال؛ ليغفر لكم ما كان منكم في حال الكفر؛ كقوله تعالى:
{ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } [الأنفال: 38].
ويحتمل: أي: كونوا على حال بحيث يقبل استغفاركم وطلب تجاوزكم.
وقوله: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ}.
والإشكال: أنه لماذا خص المشرك الذي لم يؤتِ الزكاة، وينكر الآخرة - بالويل، وقد يلحق الويل للمشرك آتى الزكاة أو لم يؤت، آمن بالآخرة أو كفر بها - فنقول: قال بعض أهل التأويل: معناه: وويل للمشركين الذين لا يؤمنون بإيتاء الزكاة، ولا يؤمنون بالآخرة، وخصهم بذكر جحود الزكاة والآخرة؛ لما كان سبب كفرهم مختلفاً: منهم [من] كان سبب كفره بخله في المال وشحه، حمله ذلك على إنكار الزكاة والامتناع عن الإيتاء، [و]منهم من كان كفره إنكاره جزاء الأعمال، حمله ذلك على إنكار الآخرة، ومنهم من كان سبب كفره الخضوع لمن دونه أو مثله في أمر الدنيا، حمله ذلك على إنكار الرسالة والجحود لها، وغير ذلك من الأسباب التي حملتهم على الكفر والضلال وهي مختلفة.
ويحتمل قوله: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} لا على زكاة الأموال، ولكن على زكاة الأنفس؛ كأنه يقول: وويل للمشركين الذين لا يعلمون ولا يسمعون فيما به تركوا أنفسهم ويشرف ذكرها ويصلح أعمالهم به ولا ما يجزون به في الآخرة، أي: ويل لمن لا يعمل ذلك، والله أعلم.
وهذان الوجهان جواب عمّن تعلق بظاهر هذه الآية على أن الكفار يخاطبون بالشرائع؛ حيث ألحق الوعيد بهم بترك إيتاء الزكاة، والزكاة من الشرائع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}.
أي: غير مقطوع وذلك في الآخرة.
وقال بعضهم: أي: غير ممتن عليهم، وذلك في الآخرة أيضاً، ومعناه - والله أعلم -: أنه يزاد لهم في الآخرة على قدر أعمالهم، ولا يمن عليهم في تلك الزيادة، وقال بعضهم: {غَيْرُ مَمْنُونٍ} أي: غير منقوص ولا ممنوع، وذلك - والله أعلم - أن من كان يعمل في حال شبابه وقوته الصالحات والطاعات، ثم كبر وعجز عن إتيانها أنه لا يمنع ولا ينقص منه الأجر الذي كان مُجرى عليه ويكتب له في حال شبابه وقوته، والله أعلم.