خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

حـمۤ
١
تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ
٢
إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ
٣
وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
٤
وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٥
تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ
٦
-الجاثية

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ} قد ذكرناه في غير موضع.
وقوله: {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} وقد ذكرنا - أيضاً - تأويل "العزيز الحكيم" في غير موضع أيضاً.
ثم إنما ذكر قوله: {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} على إثر ذلك؛ ليعلم أنه ما أنزل الكتاب، وما أمرهم، وما نهاهم، وامتحنهم بأنواع المحن؛ ليتعزز هو بذلك، أو يزيد له عزّاً وسلطاناً أو قوة إذا ائتمروه وأطاعوه، وإذا خالفوه ولم يطيعوه فيما أمرهم، وارتكبوا ما نهاهم يلحقه ذل أو نقصان في ملكه وسلطانه؛ بل إنّما فعل ذلك من الأمر والنهي وأنواع المحن لمنفعة أنفس الممتحنين، ليتعززوا إذا اتبعوا أمره وأطاعوه، ويلحقهم ذل ونقصان إذا تركوا اتباعه، بخلاف ملوك الأرض، فإنه يزيد لهم اتباع من اتبعهم عزّاً وسلطاناً وقوة في ملكهم، وترك اتباعهم إياهم وارتكاب ما نهوهم عنه يوجب لهم ذلا ونقصاناً في ملكهم؛ لأن المخلوق كان عزيزاً بغيره، فإذا زال ذلك زال عزه وصار ذليلا؛ فأما الله - سبحانه وتعالى - عزيز بذاته فلا يلحقه النقصان بمخالفة من خالفه، ولا يزداد عزه بائتمار من ائتمره.
[و] قوله: {ٱلْحَكِيمِ} والحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير؛ يذكر هذا؛ ليعلم أنّ من أنشأه من الخلائق على علم منه أنهم يكفرون به ويعصونه لم يزل عنه الحكمة، ولا أخرجه منها؛ لما ذكرنا أنه لم ينشئهم لحاجة له فيهم، أو لمنفعة ترجع إليه، ولكن لحاجة لهم، ولمنفعة ترجع إلى أنفسهم، ومثله في الشاهد يزيل الحكمة ويدخل في حد السفه؛ لما ذكرنا أنهم إنما يفعلون لحوائجهم، فكان الفعل مع العلم بأنه لا منفعة له فيه، بل مضرة لا يكون حكمة منهم؛ لذلك افترق الشاهد والغائب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} و{ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} و{ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ونحو ذلك، يخرج ذكر الآيات لهؤلاء [على] وجوه:
أحدها: أن يكون ما ذكر من الآيات لهؤلاء آيات على أعدائهم يحتجون بها عليهم؛ فتكون هي آيات لهم على أعدائهم.
والثاني: أن منفعة هذه الآيات تجعل لهؤلاء، وهم المنتفعون بها؛ أعني: متبعها دون من ترك اتباعها.
والثالث: هنّ آيات لمن اعتقد اتباع الآيات والإيقان بها، وهم المؤمنون، فأما من اعتقد ردّها وترك الاتباع لها فليست هي آيات لهم، والله أعلم.
وقد ذكرنا في غير موضع، جهة الآيات فيما ذكر من السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وإنزال الماء من السماء، وإحياء الأرض به، وإخراج ما أخرج منها، في ذلك آيات هيبته، وآيات وحدانيته، وآيات قدرته وسلطانه، وآيات علمه وتدبيره، وآيات حكمته، وغير ذلك مما يطول بذكرها، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: {تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ}، قوله - عز وجل -: {تَلْكَ} إشارة إلى الآيات التي تقدم ذكرها {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} أنها من الله - تعالى - لما عجزوا عن إدراك ذلك من الحكمة البشرية به فيعلموا أنها من الله تعالى.
وقوله - عز وجل -: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ} هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: يقول - والله أعلم -: لو كانوا بالذين يقبلون حديثاً قط، فلا حديث أظهر صدقاً من حديث الله تعالى ولا أبين حقّاً فيه من كلامه؛ لأنها آيات معجزات، عجزوا عن إتيان مثلها.
وإن كانوا بالذين لا يقبلون حديثاً فيلحقهم السفه في ذلك، فيكفي مؤنتهم، والله الهادي.