خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ
٢٢
أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ
٢٣
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ
٢٤
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ
٢٥
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ
٢٦
فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ
٢٧
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَٰنَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ
٢٨
-محمد

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} اختلف في تأويل هذه الآية:
قال بعضهم: قوله - تعالى -: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} أي: فلعلكم {إِن تَوَلَّيْتُمْ} أي: وليتم أمر هذه الأمة {أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} قال ابن عباس - رضي الله عنه -: قد كان هذا، وهم بنو أمية، ولوا أمر هذه الأمة ففعلوا ما ذكر من الفساد في الأرض وقطع الأرحام، وكان لهم اتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان منهم ما ذكر، والله أعلم.
وقال بعضهم: إن الآية في المنافقين؛ كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسمعون منه ما قال، ثم إذا تولوا عنه كانوا يسعون في الأرض بالفساد وما ذكر؛ كقوله - تعالى -:
{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا... } [البقرة: 204] إلى قوله: { وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ... } [البقرة: 205] إلى قوله: { وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ } [البقرة: 205].
وقال بعضهم: ما أراه إلا نزلت الآية في الحرورية، وهم الخوارج.
وجائز أن يكون هذا ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال:
{ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ } [آل عمران: 144] وقد انقلبوا، على ما أخبر، وهو في أهل الردة، والله أعلم.
وقال قتادة:
{ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } [محمد: 21]، أي: طواعية الله ورسوله، وقول المعروف عند حقائق الأمور خير لهم، {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ} يقول: إن توليتم عن كتابي وطاعتي {أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} يقول: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله، ألم يسفكوا الدماء الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن، وأكلوا المال الحرام؟!
ويحتمل أن تكون الآية في الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} اللعن: هو الطرد عن الرحمة، وهو كقوله لإبليس:
{ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ } [ص: 78] أي: أنت مطرود عن رحمتي، وقوله - تعالى -: {لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أي: طردهم عن رحمته.
وقوله - عز وجل -: {فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} أي: أصمهم حتى لم يسمعوا سماع الاعتبار والتفكر، وأعمى أبصارهم حتى لم ينظروا فيما عاينوا نظر اعتبار وتفكر ما لو تفكروا وتأملوا ونظروا نظر معتبر، لأدركوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ...} الآية.
فيه أنهم لو تدبروا وتأملوا فيه، لأدركوا ما فيه.
وفيه - أيضاً - أنهم لو تدبروا العذاب لفتح تلك الأقفال التي ذكر أنها عليها، وذهب بها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} أي: على قلوب أقفالها.
ثم يحتمل أقفالها: الظلمة التي فيها، وهي ظلمة الكفر، تلك الظلمة تغطي نور البصر ونور السمع.
وجائز أن يكون ما ذكر من الأقفال هي كناية عن الطبع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} أي: زين، أضاف التزيين مرة إلى الشيطان، ومرة إلى نفسه، فما يفهم من تزيين الشيطان غير الذي يفهم من تزيين الله - تعالى - كالإضلال المضاف إلى الله - تعالى - والمضاف إلى الشيطان، فالمفهوم من إضلال الله غير المفهوم من إضلال الشيطان؛ فعلى ذلك التزيين.
وقوله - عز وجل -: {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} أي: أخرهم وأمهلهم إلى أجل ووقت؛ كقوله - تعالى -:
{ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ... } الآية [آل عمران: 178]، أي: يؤخرهم؛ ليكون ما ذكر، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى...} الآية، جائز أن تكون الآية في اليهود؛ لما ذكرنا أنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث؛ كقوله:
{ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ... } الآية [البقرة: 89]، ارتدوا على أدبارهم من بعد ما آمنوا به واتبعوه.
وجائز أن تكون في المنافقين، ارتدوا على أدبارهم، وأظهروا الخلاف بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أظهروا الموافقة في حياته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ} قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} إن كان راجعاً إلى قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ} فإن كان المراد بذلك اليهود - فالمعنى فيه غير المعنى لو كان في المنافقين.
وإن كان قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} راجعا إلى قوله: {ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ} فإذا احتمل ذلك الوجهين، فلا نفسره أنه إلى ماذا يرجع.
ثم قال بعضهم: الذين كرهوا ما نزل الله هم المنافقون، قالوا لليهود: سنطيعكم في تكذيب محمد والمظاهرة عليه.
وقال بعضهم: هم اليهود، ظاهروا سائر الكفرة على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، رضي الله عنهم.
ثم كراهة نزول ما أنزل الله على رسوله - عليه الصلاة والسلام - كان من اليهود وجميع الكفرة؛ لقوله - تعالى -:
{ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ } [البقرة: 105]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} هذا يدل على أنه لا يفسر قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ} ولا يشار على أنه أراد كذا، ورجع إلى كذا؛ لما أخبر الله - تعالى - أنه هو العالم بما أسروا، ولم يبين ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَٰنَهُ} لا أحد يقصد قصد اتباع سخط الله، ولا كراهة رضوانه، لكنهم لما اتبعوا الفعل الذي كان الله يسخط ذلك الفعل، فكأنهم اتبعوا سخطه، وكذلك إذا تركوا اتباع ما كان الله يرضاه وكرهوه فكأنهم كرهوا رضوانه، وهو كقوله - تعالى -:
{ لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ } [يس: 60]، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنهم لما اتبعوه فيما يأمرهم ويدعوهم إليه فكأنهم عبدوه، وهو تسمية الشيء باسم سببه، واللغة غير ممتنعة عن تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ} التي كانت قبل ارتدادهم في حال اتباعهم إياه، والله أعلم.