خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
٤
ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ
٥
-المائدة

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ}:
ليس في السؤال بيان: مم كان سؤالهم؟ ولكن في الجواب بيان المراد من سؤالهم، فقال: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ}؛ دل قوله - تعالى -: {أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ}: [أن سؤالهم كان عن الطيبات، مما يصطاد من الجوارح.
ثم اختلف في قوله - تعالى -: {أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ}]:
قال بعضهم: {ٱلطَّيِّبَاتُ}: هو المحللات، لكنه بعيد؛ لأنه كأنه قال: "أحل لكم المحللات"؛ على هذا التأويل. لكنه يحتمل وجهين غير هذا:
أحدهما: أن أحل لكم بأسباب تطيب بها أنفسكم من نحو: الذبح، والطبخ، والخبز، وغيره. لم يحل لكم ما يكره به أنفسكم التناول منه [غير مطبوخ، ولا مذبوح، ولا مشوي، ولكن أحل لكم بأسباب طابت بها أنفسكم التناول منه،] والله أعلم.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن أحل لكم ما يستطيب به طباعكم لا ما تنكره طباعكم وتنفر عنه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ}: كأنهم سألوا [رسول الله، صلى الله عليه وسلم]، عما يحل من الجوارح؟ فذكر ذلك لهم، مع ما ذكر في بعض القصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل الكلاب، فأتاه أناس، فقالوا: ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ...} الآية.
وقيل: سميت: جوارح؛ لما يكتسب بها، والجوارح: هن الكواسب؛ قال الله - تعالى -:
"أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ" [الجاثية: 21]، قيل: اكتسبوا، وجرح: كسب.
وقال أبو عبيد: سميت: جوارح؛ لأنها صوائد، وهو ما ذكرنا من الكسب، يقال: فلان جارح أهله، أي: كاسبهم.
وقال غيره: سميت: جوراح؛ لأنها تجرح، وهو من الجراحة، فإذا لم يَجْرح، لم يحل صيده.
واحتج محمد -رحمه الله - بهذا المعنى في صيد الكلب إذا قَتَلَ، ولم [يَجْرَح في مسألة] من كتاب الزيادات، ومما يدل على صحة ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال:
"سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المعراض؟ فقال: مَا أصَبْتَ بَعَرْضِهِ فَلاَ تَأْكُلْ؛ فَهُوَ وَقِيذٌ، وَمَا أَصَبْتَ بِحَدّهِ فَكُلْ" .
وقوله - عز وجل -: {مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ...} الآية.
قال بعضهم: {مُكَلِّبِينَ} هن الكلاب يكالبن الصيد.
وقال القتبي: المكلبون: أصحاب الكلاب، وكذلك قال الفراء والكسائي: المكلبون: هم أصحاب الكلاب. والمكلب: الكلب المعلم.
وقوله - عز وجل -: {تُعَلِّمُونَهُنَّ}: قال الحسن [وأبو بكر]: تضرونهن، يقال: كلب مضراة على طلب الصيد، وهما يبيحان الصيد وإن أكل منه الكلب؛ فعلى قولهما يصح تأويل الإضراء؛ إذ يبيحان التناول، وإن أكل منه.
وقال: تؤدبونهن؛ ليمسكوا الصيد لكم، وهو عندنا على حقيقة التعليم؛ تُعَلَّم ليمسكوا الصيد لهم.
وقوله - عز وجل -: {مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ} يتوجه وجهين:
أحدهما: {مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ}، أي: مما جعل بينكم، بحيث احتمال تعليم هؤلاء، ولم يجعل غيركم من الخلائق محتملاً لذلك ولا أهلاً.
ويحتمل قوله - تعالى -: {مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ}: أن قال لكم: علموهن بكذا، وافعلوا كذا، فكيفما كان، ففيه دليلُ جَعْلِ العلم شرطاً فيه.
ثم تخصيص الكلاب بالذكر دون غيرها من الأشياء، وإن كانت الكلاب وغيرها سواء إذا عُلِّمَتْ؛ لخبث الكلاب ومخالطتها الناس، حتى جاء النهي عن اقتنائها، وجاء الأمر بقتلها في وقت لم يجيء بمثله في سائر السباع؛ ليعلم أن ما كسب هؤلاء مع خبثها إذا كن معلمين، يحتمل التناول منه، فغيرها مما لم يجيء فيه ذلك أحرى.
وقوله - عز وجل -: {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}.
إنما أباح أكل ما أمسك علينا، ولم يبح مما أمسك على نفسه؛ لأن الكلب وغيره من السباع من طباعهم إذا أخذوا الصيد يأخذون لأنفسهم ولا يصبرون على ألا يتناولوا منه، فإذا أخذ الصيد ولم يتناول منه؛ دل أنه إنما أمسك لصاحبه، وإذا تناول منه لم يمسك لصاحبه؛ لأن الباقي لا يدري أنه أمسكه لصاحبه أو أمسكه لنفسه لوقت آخر لما شبع، وعلى ذلك جاءت الآثار.
روي عن عدي بن حاتم قال: قلت:
"يا رسول الله، إنا قوم نَتَصَيَّدُ بهذه الكلاب والبزاة، فهل يحل لنا منها؟ فقال: يَحِلُّ لَكُمْ {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} مِمَّا عَلَّمْتُمْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ، فَذَكَرْتَ [عَلَيْهِ اسْمَ اللهِ]، قلت: وإن قتل؟ قال: إِذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْهُ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ، وَإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ؛ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، فقلت: يا رسول الله، أرأيت إن خالطت كلابنا كلاباً أخرى؟ قال: إِذَا خَالَطَ كَلْبُكَ كِلاَباً فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى كَلْبِ غَيْرِكَ" .
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: إذا أكل الكلب من الصيد، فليس بمعلم.
وعنه - أيضاً - قال: إذا أكل الكلب من الصيد فلا تأكل، وإذا أكل الصقر فكل؛ لأن الكلب تستطيع أن تضربه والصقر لا.
وعن علي - رضي الله عنه - قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل واضربه.
وقد ذكرنا من الأخبار ما يدل على أن الكلب إذا كان غير معلم لم يؤكل صيده، من خبر عدي بن حاتم قال: قلت:
"يا رسول الله، إنا قوم نصيد بهذه الكلاب؟ فقال: إِذَا أَرْسَلْتَ كِلاَبِكَ المُعلَّمَةَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا، فَكُلْ مَمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، وَإِنْ قَتَلْنَ، إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ، فَإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ" ، وعلى هذا يخرج قولنا: إنه إذا أكل من دمه يؤكل؛ لأنه لو أمسكه علينا كنا لا نأكله، وذلك من غاية تعليمه؛ لأنه تناول الخبيث، وأمسك الطيب على صاحبه.
ولو كان صيد الكلب إذا أكل منه حلالاً، لكان المعلَّم وغير المعلَّم سواء، وكان ما أمسك على نفسه وعلى صاحبه سواء؛ لأن كل الكلاب تطلب الصيد إذا أرسلت عليه، وتمسكه حتى يموت، وتأكل منه إلا المعلم، فما معنى تخصيص الله - تعالى - المعلم منها والممسك على صاحبه، لو كان الأمر على ما قال مخالفنا.
وقد روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه قال: إن عُلِّمَ الكلبُ حتى صار لا يأكل من صيد، ثم أكل من صيد يصيد - لم يجز أن يؤكل من صيده الأول إذا كان باقياً.
ومذهبه عندنا - والله أعلم -: أن صيد الكلب لا يؤكل حتى يكون معلماً، وإن أمسك في أول ما يرسل فلم يأكل، فإذا أمسك مراراً ثم أكل، دَلَّنا أكله على إن إمساكه عن الأكل لم يكن لأنه معلم؛ إذ قد يمسك غير المعلم للشبع، ولو كان معلماً ما أكله، فاستدل بأكله في الرابعة على أن إمساكه في الثالثة كان على غير حقيقة تعليم، وهذا عندنا في صيد يقرب بعضه من بعض، فأما إذا كثر إمساكه، ثم ترك إرساله مدة، يجوز أن ينسى فيها ما علم، ثم أرسل فأكل - فليس فيها رواية عنه، ويجوز أن يقال: يؤكل ما بقي من صيده الأول، ويفرق بين المسألتين بأن الثاني قد نسي، والأول يبعد من النسيان؛ لتقارب ما بين الصيدين؛ فلا وجه إلا أن يجعل غير مستحكم التعليم في الصيد المتقدم.
وقد ذكرنا - فيما تقدم -: أن الصقر والبازي من الجوارح، واستدللنا على ذلك بما أوضحناه؛ فدل ذلك على أن صيد ما ليس بمعلم من الطير لا يؤكل إلا أن يدرك ذكاته.
ثم يكون تعليم البازي والصقر بإجابته صاحبه ورجوعه إليه، وتعليم الكلاب ترك الأكل منه؛ لأن البازي ونحوه مستوحش عن الناس ينفر طبعه عنهم؛ فدل إلفه الناس وإجابة أصحابهم على التعلم وإن أكل منه، ولا يحتمل أن يكون بالتناول منه يخرج عن حد التعليم؛ لأنه إنما يعلم بالأكل من الصيد، وأما الكلب: فإنه يألف الناس ولا يستوحش، ومن طبعه الأكل إذا أخذ الصيد؛ فدل إمساكه عن التناول منه على أنه معلم.
وقد روي عن علي - رضي الله عنه - وابن عباس ما يدل على تأييد ما ذكرنا، قالا: إذا أكل الصقر فكل، وإن أكل الكلب فلا تأكل. وعن سلمان كذلك.
وقوله - عز وجل -: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}.
يحتمل قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}؛ فلا تستحلوا ما لم يذكر اسم الله عليه؛ فإنها ميتة. ويحتمل: اتقوا الله في ترك ما أمر ونهى كله.
{إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}، يحتمل السرعة: كناية عن الشدة.
وقوله تعالى {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}: شديد العقاب.
وقوله - عز وجل -: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ}:
يحتمل قوله: {ٱلْيَوْمَ} حرف افتتاح يفتتح به الكلام، لا إشارة إلى وقت مخصوص؛ على ما ذكرنا في قوله - تعالى -: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، وقد يُتَكَلَّم باليوم لا على إشارة وقت مشار إليه. وهو - والله أعلم - ما حرم عليهم من الثمانية الأزواج التي ذكر الله - تعالى - في سورة الأنعام، وهو قوله:
{ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ... } [الأنعام: 143] إلى آخر ما ذكر.
ثم قال:
{ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ... } الآية [الأنعام: 146]، وما حرموا هم على أنفسهم من: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وغيرها من المحرمات التي كانت، فأحل الله ذلك لهم؛ فقال: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ}، وكانت محرمة عليهم قبل ذلك، لكن أهل التأويل صرفوا الآية إلى الذبائح، لم يصرفوا إلى ما ذكرنا، وقد ذكرنا المعنى الذي به صارت الذبائح طيبات فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ}:
عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ}، أي: ذبائحهم حل لكم، وذبائحكم حل لهم. إلى هذا حمل أهل التأويل، فإن قيل: أليس جعل ذبائحنا محللة لهم وذبائحهم محللة لنا، ثم تحل ذبائحنا لهم ولغيرهم؟ كيف لا حل ذبائحهم وذبائح غيرهم، وهو ذبائح المجوس؟ قيل: حل الذبائح شرعي، وليس للمجوس كتاب آمنوا به؛ فتحل ذبائحهم، وأما أهل الكتاب، فإنهم آمنوا بما في الكتاب، حله وحرمته؛ لذلك افترقا، والله أعلم.
والآية على قول أصحاب العموم توجب حل جميع طعام أهل الكتاب لنا وحل جميع طعامنا لهم؛ لأنه قال: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ}؛ فعلى قولهم لكل واحد من الفريقين أن يتناول طعام الفريق الآخر؛ دل على أن مخرج عموم اللفظ لا يوجب الحكم عامّاً للفظ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}:
اختلف فيه:
قال بعضهم: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ} أراد به الحرائر.
وقال آخرون: أراد به العفائف منهن غير زانيات؛ كقوله - تعالى -:
{ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } [النور: 3]، نهى عن نكاح الزانيات، ورغب في نكاح العفائف، وهذا أشبه من الأول؛ لأنه قال في آخر الآية: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ}؛ دل هذا على أنه أراد بالمحصنات: العفائف منهن لا الحرائر، ودلت الآية على حل نكاح الحرائر من الكتابيات، وعلى ذلك اتفاق أهل العلم، لكن يكره ذلك.
روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كره تزوجهن، فهذا عندنا على غير تحريم منه لتزويجهن، ولكن رأى تزويج المسلمات أفضل وأحسن؛ لمشاركتها المسلم في دينها.
وروي عن عمر - رضي الله عنه - كراهة ذلك؛ وذلك لأن حذيفة - رضي الله عنه - تزوج يهودية؛ فكتب إليه عمر - رضي الله عنه - يأمره بطلاقها، ويقول: "كفى بذلك فتنة للمسلمات"، فهذا - أيضاً - [لا] على سبيل التحريم، ولكن لما ذكر من الفتنة: فتنة المسلمات، فأصحابنا - رحمهم الله - يكرهون أيضاً تزويج الكتابيات ولا يحرمونه.
واختلف أهل العلم في تزويج إمائهن:
فتأول قوم قول الله - تعالى -: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} على الحرائر، وتأوله آخرون على العفائف. وقد ذكرنا أن صرف التأويل إلى العفائف أشبه؛ بدلالة قوله: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ} مع ما لو كانت المحصنات هاهنا هن الحرائر، لم يكن فيه حظر نكاح إماء الكتابيات؛ لأنه إباحة نكاح الحرائر من الكتابيات، وليس في إباحة شيء في حال حظر غيره فيه، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم، فالمجوسية ليست عندنا من أهل الكتاب؛ والدليل على ذلك قول الله - تعالى -:
{ وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا } [الأنعام: 155-156]، فأخبر الله - تعالى - أن أهل الكتاب طائفتان؛ فلا يجوز أن يجعلوا ثلاث طوائف، وذلك خلال ما دل عليه القرآن؛ ألا ترى [أنه لو قال رجل]: "إنما لي عليك يا فلان، درهمان"، لم يكن له أن يدعي عليه أكثر من ذلك، ولو قال: "إنما لقيت اليوم رجلين"، وقد لقي ثلاثة، كان كاذباً؛ لأن قوله: ["إنما لقيت رجلين"]، كقوله: لقيت اليوم رجلين، ولا يجوز مثل هذا في أخبار الله؛ لأنه الصادق في خبره عز وجل.
فإن قيل: هذا شيء حكاه الله - عز وجل - عن المشركين، وقد يجوز أن يكونوا غلطوا، فحكي الله - تعالى - عنهم ما قالوا.
قيل له: لم يحك الله - تعالى - هذا القول عن المشركين، ولكن قطع بالقرآن عذرهم، فقال:
{ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ } [الأنعام: 156]؛ لئلا يقولوا: { إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ } [الأنعام: 156]، فهذا كلام الله واحتجاجه على المشركين، وليس بحكاية عنهم.
ومن الدليل على أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب ما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو في مجلس بين القبر والمنبر: ما أدري كيف أصنع بالمجوس، وليسوا بأهل الكتاب؟"، فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"سُنُّوا بِالمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ" . صرح عمر - رضي الله عنه - بأنهم ليسوا أهل الكتاب، ولم ينكر عبد الرحمن ذلك عليه، ولا أحد من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - فلو كانوا أهل الكتاب لقال: "هم أهل الكتاب"، لم يقل: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ".
وكذلك روي عن الحسن بن محمد، [أنه] قال:
"كتب رسول الله، صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر، فقال: أَدْعُوكُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهِ، وَأَنِّي رَسُولُ الله فَإِنْ أَسْلَمْتُمْ فَلَكُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْنَا، وَمَنْ أَبَى فَعَلَيْهِ الْجِزيَةُ، غَيْرَ آكِلِي ذَبَائِحِهِمِ، وَلاَ نَاكِحِي نِسَائِهِم" .
[و] إلى هذا ذهب أصحابنا - رحمهم الله - في قولهم: إن المجوس ليسوا بأهل كتاب.
[وأما نصارى بني تغلب: فإن عليّاً - رضي الله عنه - قال: لا تحل ذبائح نصارى العرب؛ فإنهم ليسوا بأهل كتاب، وقرأ]:
{ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ } [البقرة: 78].
وقال ابن عباس - رضي الله عنه - تؤكل، وقرأ: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ...}. والآية الأولى تدل على أنهم أهل كتاب؛ لأن الله - عز وجل - قد جعلهم منهم بقوله:
{ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ } [البقرة: 78]، فحكمهم حكمهم؛ إذ أخبر الله - عز وجل - أنهم منهم.
ومما يدل على ذلك - أيضاً - قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:
"لاَ يَخْتَلِجَنَّ فِي صَدْرِكَ طَعَامٌ ضَارَعت فِيهِ النَّصْرَانِيَّة" ؛ لأنه عم فيه النصارى؛ فدخل فيه عربهم وعجمهم؛ لأنهم دانوا بدينهم، وكل من دان بدين قوم فهو منهم.
ومن الدليل على أن العرب إذا دانوا بدين أهل الكتاب فهم من أهل الكتاب -: أن العجم لما أسلموا صار حكمهم حكم عرب أهل الإسلام؛ فإن ارتد أحد منهم، وسأل أن تؤخذ منه الجزية؛ كما [كانت] تؤخذ في الابتداء من المجوس - لم يُجَبْ إلى ذلك، وقيل له: إما أن تسلم، وإما أن تقتل، فهو بمنزلة عربي مسلم لو ارتد عن الإسلام، فلما كان حكم العجمي إذا دان بدين النبي صلى الله عليه وسلم حكم العرب - وجب أن يكون حكم العربي إذا دان بدين العجم من أهل الكتاب أن يجعل حكمه حكمهم، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}: ذكر إيتاء أجورهن، وقد يحللن لنا إذا لم نؤت أجورهن؛ دل أن ذكر الحكم في حال لا يوجب حظره في حال أخرى؛ فهو دليل لنا في جواز نكاح الإماء من أهل الكتاب، وإن ذكر في الآية المحصنات.
وقوله - عز وجل -: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ...} الآية.
أي: ومن يكفر بالذي عليه الإيمان به، وهو المُؤْمَنُ به، أي: الله؛ لأنه لا يكفر بالإيمان، ولكن يؤمن به، وهو كقوله:
{ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } [الحجر: 99]، أي: المُوقَنْ به؛ فعلى ذلك الأول معناه: ومن يكفر بالذي عليه الإيمان به، وهو المُؤْمَنُ به {فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}، وبالله العصمة والهداية.