خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
٤٨
وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ
٤٩
أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
٥٠
-المائدة

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ}.
قوله: {بِٱلْحَقِّ} قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}.
قد ذكرناه، أيضاً.
وقوله - عز وجل -: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}.
عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: مؤتمنا عليه.
والكسائي قال: المهيمن: الشهيد، وقيل: الرقيب على الشيء، قال: هيمن فلان على هذا الأمر؛ فهو مهيمن، إذا كان كالحافظ له والرقيب عليه.
وعن الحسن قال: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} مصدقاً بهذه الكتب، وأميناً عليها.
والقتبي قال: أميناً عليه.
وأبو عوسجة قال: مسلطاً عليه. وقيل: مفسراً يفسر التفسير.
وقال أبو بكر الكيساني: قوله: {وَمُهَيْمِناً} هي كلمة مأخوذة من كتبهم معربة، غير مأخوذة من لسان العرب.
وفيه إثبات رسالته صلى الله عليه وسلم، وتأويله: هو شاهد وحافظ على غيره من الكتب، ومصدقاً لها أنها من عند الله نزلت سوى ما غيروا فيها وحرفوا؛ ليميز المغير منها والمحرف من غير المغير والمحرف.
قال ابن عباس - رضي الله عنه - {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}، يعني: القرآن شاهد على الكتب كلها.
وقوله - عز وجل -: {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ}.
يحتمل قوله: {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} من الرجم في الزاني الثيب، على ما ذكر في بعض القصة: أنهم رفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزاني والزانية منهم، فطلبوا منه الجلد، وكان في كتبهم الرجم.
{وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} قولهم: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ}.
أو أن يقال: احكم بينهم بما أنزل الله من القتل؛ لأنه ذكر في بعض القصة أن بني قريظة كانوا يرون لأنفسهم فضيلة على بني النضير، وكانوا إذا قتلوا منهم أحداً لم يعطوهم القود ولكن يعطوهم الدية، وإذا قتلوا هم أحداً منهم لم يرضوا إلا القود؛ فأنزل الله - تعالى -: {فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} وهو القتل، {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} في تركهم القود، وإعطائهم الدية، والله أعلم بالقصة أن كيف كانت، وليس بنا إلى معرفة القصة ومائيتها حاجة، بعد أن نعرف ما أودع فيه وأدرج من المعاني.
وقوله - عز وجل -: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً...} [الآية].
فإن قيل: كيف نهاه عن اتباع أهوائهم، وقد أخبر - عز وجل -: أنه جعل لكل شرعة ومنهاجا، وقد يجوز أن يكون ما هو هواهم شريعة لهم؟!:
قيل: يحتمل النهي عن اتباع هواهم؛ لما يجوز أن يهووا الحكم بشريعة قد نسخ الحكم بها لما اعتادوا العمل بها؛ فالعمل بالمعتاد من الحكم أيسر فهووا ذلك. أو كان ما نسخ أخف؛ فيهوون ذلك؛ فنهاه عن اتباع هواهم؛ لأنه العمل بالمنسوخ والعمل بالمنسوخ حرام.
أو أن هووا في بعضٍ على غير ما شرع، وفي بعضٍ: ما شرع، فإنما نهي عن اتباع هواهم بما لم يشرع، والله أعلم.
وقوله - تعالى -: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}، وليس في نسخ شريعة بشريعة خروج عن الحكمة [عند] من عرف النسخ؛ لأن النسخ بيان منتهي الحكم إلى وقت ليس على ما فهمت اليهود من البداء والرجوع عما كان، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم ما فيه مقنع بحمد الله تعالى وَمَنِّهِ.
[وقوله - عز وجل -: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}].
قال ابن عباس - رضي الله عنه -: "الشرعة: هي السبيل، وهي الشريعة، وجمعها: شرائع، وبها سميت شرائع الإسلام، وكل شيء شرعت فيه فهو شريعة.
وقال: "المنهاج: السنة، [والشرعة: هي السبيل"].
وقيل: الشرعة: السنة، والمنهاج: السبيل، يعني: الطريق الواضح الذي يتضح لكل سالك فيه إلا المعاند والمكابر؛ فإنه يترك السلوك فيه مكابرة، يخبر - عز وجل، والله أعلم - أنه لم يترك الناس حيارى لم يبين لهم الطريق الواضح يسلكون فيه؛ بل بيَّن لهم ما يتضح لهم إن لم يعاندوا؛ ليقطع عليهم العذر والحجاج، وإن لم يكن لهم حجاج، وبالله التوفيق.
وقوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}.
اختلف فيه، قيل: لو شاء الله، لجعلكم جميعا على شريعة واحدة، لا تنسخ بشريعة أخرى، لكن نسخ شريعة بشريعة أخرى؛ لفضل امتحان، ولله أن يمتحن عباده بمحن مختلفة، كيف شاء بما شاء.
وقيل: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}، أي: على دين واحد، وهو دين الإسلام، لم يجعل كافراً ولا مشركاً، ولكن امتحنكم بأديان مختلفة على ما تختارون وتؤثرون، ثم اختلف في المشيئة:
قالت المعتزلة: هي مشيئة الجبر والقسر.
وقال أصحابنا: المشيئة مشيئة الاختيار، وقد ذكرناها في غير موضع.
وقوله: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ}.
قيل: سابقوا يا أمة محمد الأمم كلها بالخيرات.
ويحتمل قوله: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ}.
أي: سابقوا إلى ما به تستوجبون المغفرة؛ كقوله:
{ سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ } [الحديد: 21].
وأصل قوله: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ}، أي: اعملوا الخيرات؛ كقوله:
{ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً... } الآية [سبأ: 11].
وقوله - عز وجل -: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ}.
نهى رسوله - عليه السلام - أن يتبع أهواءهم - على العلم: أنه لا يتبع أهواءهم - والوجه فيما ما ذكرنا: أن العصمة لا تمنع النهي؛ بل تؤيد، وقد ذكرنا فيما تقدم.
ويحتمل أن يرجع النهي إلى غيره، ويراد بالنهي والأمر: غير المخاطب به؛ على ما ذكرنا من عادة الملوك: أنهم إذا خاطبوا، خاطبوا من هو أجل عندهم وأعظم قدراً، وأرفع منزلة؛ فعلى ذلك هذا. وقوله: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} فيما غيروا وبدلوا؛ هذا يحتمل.
ويحتمل ألا تتبع أهواءهم: فيما طلبوا منك من الجلد مكان الرجم، أو الدية مكان القصاص؛ لما رأى بنو النضير لأنفسهم من الفضل على بني قريظة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ}.
قوله: {أَن يَفْتِنُوكَ}، أي: يصدوك عن الحكم ببعض ما أنزل الله إليك، والفتنة هي المحنة، وهي تتوجه إلى وجوه، وقد ذكرنا الوجوه فيه فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ}.
[قوله: {فَإِن تَوَلَّوْاْ}: فإن أعرضوا] عن الحكم الذي تحكم بما أنزل الله؛ {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ}، اختلف فيه:
قال بعضهم: إنما يعذبهم الله ببعض ذنوبهم، لا يعذبهم بجميع ذنوبهم.
وقال آخرون: عذاب الدنيا عذاب ببعض الذنوب، ليس هو عذاباً بكل الذنوب؛ لأنه لا يدوم، وأما في الآخرة: فإنهم يعذبون بجميع ذنوبهم؛ لأن عذاب الآخرة دائم؛ فهو عذاب بجميع الذنوب، وعذاب الدنيا زائل؛ فهو عذاب ببعض الذنوب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}.
قال بعضهم: هذا صلة قوله: {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ}؛ فقال الله - عز وجل -: {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}.
وقال آخرون: روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: فحكمهم في الجاهلية يبغون عندك يا محمد في القرآن. يعني: بني النضير.
وقوله - عز وجل -: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً} [المائدة: 50].
أي: لا أحد أحسن من الله حكماً، على إقرارهم أن الله إذا حكم لا يحكم إلا بالعدل.