خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
١
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ
٢
وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ
٣
-الأنعام

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} الحمد: هو الثناء عليه بما صنع إلى خلقه من الخير.
ألا ترى أن الذم نقيضه في: الشاهد، ويحمد المرء بما يصنع من الخير، ويذم على ضده.
فالتحميد: هو تمجيد الرب، والثناء عليه، والشكر له بما أنعم عليهم.
والتسبيح: هو تمجيد الرب وتنزيهه عما قالت الملحدة فيه من الولد وغيره.
والتهليل: هو تمجيد الرب وتنزيهه عما جعلوا له من الشركاء والأضداد، والوصف له بالوحدانية والربوبية.
والتكبير: هو تمجيد الرب والوصف له بالعظمة والجلال، وتنزيهه عمّا وصفوه بالعجز والضعف عن أن يكون ينشىء من العظام البالية خلقاً.
وقوله - عز وجل -: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ}.
سفههم - عز وجل - بما جعلوا له من الشركاء والأضداد على إقرار منهم أنه خلق السماوات والأرض، ولم يجعلوا له شركاء في خلقهما، وعلى علم منهم أنه تُعَلَّق منافع الأرض بمنافع السماء، مع بعد ما بينهما كيف جعلوا شركاء يشركونهم في العبادة والربوبية؟!.
وقوله - تعالى -: {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ}.
قال الحسن: الظلمات والنور: الكفر والإيمان.
وقال غيره من أهل التأويل: الليل والنهار في الحقيقة ما يكشف عما استتر من الأبصار: أبصار الوجوه، وأبصار القلوب.
والظلم ما يستر ويغطي على الأبصار: أبصار الوجوه، وأبصار القلوب، فالظلمة تجعل كل شيء مستوراً عليه، والنور يجعل كل شيء كان مستوراً عليه ظاهراً بادياً، هذا هو تفسير الظلمة والنور حقيقة.
وقوله - عز وجل -: {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} قيل: يشركون مع ما بيَّن لهم ما يدل على وحدانية الرب وربوبيته، أي: جعلوا كل ما يعبدونه دون الله عديلا لله، وأثبتوا المعادلة بينه وبين الله - تعالى - وليس لله - تعالى - عديل، ولا نديد، ولا شريك، ولا ولد، ولا صاحبة، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
وقال الحسن: {بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} أي: يكذبون.
وقوله - تعالى -: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} أي: خلق آدم أبا البشر من طين، فأما خلق بني آدم من ماء؛ كقوله تعالى:
{ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ } [المرسلات: 20] أخبر الله - تعالى - أنه خلق آدم من الطين، وخلق بني آدم، سوى عيسى عليه السلام - من النطفة، وخلق عيسى - عليه السلام - لا من الطين ولا من الماء؛ ليعلموا أنه قادر على إنشاء الخلق لا من شيء، وأنه لا اختصاص للخلق بشيء، ولا ينكرون - أيضاً - إنشاء الخلق وإحياءهم وموتهم، وذلك لأنه لا يخلو؛ إما أن صاروا تراباً أو ماء، أو لا ذا ولا ذا، فإذا رأوا أنه خلق آدم من الطين، وخلق سائر الحيوان من الماء، وخلق عيسى - عليه السلام - لا من هذين، كيف أنكروا إنشاء الخلق بعد الموت، وهو لا يخلو من هذه الوجوه التي ذكرنا؛ فيكون دليلا على منكري البعث بعد الموت، على الدهرية في إنشاء الخلق لا من شيء؛ فإنهم ينكرون ذلك ويحيلونه؛ ولهذا وقعوا في القول بقدم العالم، والله الهادي.
ويحتمل قوله: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ} أن يراد به في حق جميع بني آدم، وأضاف خلقنا إلى الطين، وكأن الخلق من الماء؛ لما أُبقِيَ في خلقنا من قوة ذلك الطين الذي في آدم وأثره، وإن لم يُرِه تلك القوة وذلك الأثر، وهذا كما أن الإنسان يرى أنه يأكل، ويشرب، ويغتذي، ويحصل به زيادة قوة في سمعه وبصره، وفي جميع جوارحه، وقد يحيا بها جميع الجوارح، وإن لم ير تلك القوة، فكذلك هذا.
ويحتمل - أيضاً - على ما روي في القصة أنه يمازج مع النطفة شيئاً من التراب، فيؤمر الملك بأن يأخذ شيئاً من التراب من المكان الذي حكم بأن يدفن فيه، فيخلط بالنطفة، فيصير علقة ومضغة، فإنما نسبهم إلى التراب لهذا.
ويحتمل النسبة إلى التراب وإن لم يكونوا من التراب؛ لما أن أصلهم من التراب، وهو آدم.
وقوله - تعالى -: {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى}
فالقضاء يتوجه إلى وجوه كلها ترجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه، وقد يكون لابتداء فعل وإنشائه؛ كقوله - تعالى -:
{ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ } [طه: 72] [ويقال: قضيت هذا الثوب، أي: عملته وأحكمته.
وقد يكون بمعنى الأمر؛ قال الله - تعالى -:
{ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ } [الإسراء: 23] أي: أمر ربك؛ لأنه أمر قاطع حتم.
وقد يكون بمعنى الإعلام؛ قال - تعالى -:
{ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ } [الإسراء: 4] أي: أعلمناهم إعلاماً قاطعاً. وقد يكون لبيان الغاية [والانتهاء عنه والختم؛ كقوله - تعالى -: {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً} أي: ختم ذلك وأتمه، وقد] يكون غير ما ذكرنا.
ثم قوله: {قَضَىۤ أَجَلاً} يحتمل هذا كله سوى الأمر.
ثم قوله: {قَضَىۤ أَجَلاً} قيل: هو الموت، {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ} يوم القيامة، أطلعنا على أحد الأجلين وهو الموت؛ لأنا نرى من يموت ونعاين، ولم يطلعنا على الآخر وهو الساعة والقيامة.
وقيل: {قَضَىۤ أَجَلاً}: أجل الدنيا من خلقك إلى أن تموت، {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ} يوم القيامة.
وقوله - عز وجل -: {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ}.
أي: تشكون وتكذبون بعد هذا كله.
وقوله - عز وجل -: {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ} هذا - والله أعلم - صلة قوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} فإذا كان خالقهما لم يَشْرَكْهُ أحد في خلقهما، كان إله من في السماوات وإله من في الأرض لم يَشْرَكْهُ أحد في ألوهيته، ولا في ربوبيته.
ويحتمل قوله: {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ} أي: [إلى الله تدبير] ما في السماوات وما في الأرض، وحفظهما إليه؛ لأنه هو المتفرد بخلق ذلك كله؛ فإليه حفظ ذلك وتدبيره.
وقوله: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} اختلف فيه.
قيل: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ}: ما تضمرون في القلوب {وَجَهْرَكُمْ}: ما تنطقون، {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ}: من الأفعال التي عملت الجوارح؛ أخبر أنه يعلم ذلك كله؛ ليعلموا أن ذلك كله يحصيه ليحاسبهم على ذلك؛ كقوله:
{ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ } [البقرة: 284] أخبر أنه يحاسبهم بما أبدوه وما أخفوه، فعلى ذلك الأول قد أفاد أن ذلك كله يحصيه عليهم، ويحاسبهم في ذلك؛ ليكونوا على حذر من ذلك وخوف. وقيل: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ}: ما خلق فيهم من الأسرار، من نحو السمع، والبصر وغيرهما؛ لأن البشر لا يعرفون ماهية هذه الأشياء وكيفيتها، ولا يرون ذلك كما يرون غيرها من الأشياء، ولا يعرفون حقائقها؛ أخبر أنه يعلم ذلك وأنتم لا تعلمون.
وقوله - عز وجل -: {وَجَهْرَكُمْ} أي: الظواهر منكم، {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ}: من الأفعال والأقوال.