خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
٩١
وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ
٩٢
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ
٩٣
وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ
٩٤
-الأنعام

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}: قيل: نزلت سورة الأنعام في محاجة أهل الشرك إلا آيات نزلت في محاجة أهل الكتاب، إحداها هذه: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ...} الآية، وذكر في موضع آخر: { مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } [الحج: 74] { إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [الحج: 74] وقال في آية أخرى: { وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } [الزمر: 67] { وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً... } [الزمر: 67] الآية.
ثم قال بعض أهل التأويل: ما عرفوا الله حق معرفته.
وقال غيرهم: ما عظموا الله حق عظمته؛ ذكروا أن هؤلاء لم يعظموا الله حق عظمته، ولا عرفوه حق معرفته، ومن يقدر أن يعظم الله حق عظمته، أو أن يعرفه حق معرفته، أو من يقدر أن يعبد الله حق عبادته؟!
وكذلك روي في الخبر:
"أن الملائكة يقولون يوم القيامة: يا ربنا ما عبدناك حق عبادتك" ، مع ما أخبر عنهم أنهم: { لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6]، وقال: { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } [الأنبياء: 19]، فهم مع هذا كله يقولون: "ما عبدناك حق عبادتك"، ومن يقدر أن يعرفه حق معرفته، أو يعظمه حق عظمته؟!
ولكن تأويله - والله أعلم - أي: ما عرفوا الله حق المعرفة التي تعرف بالاستدلال، ولا عظموه حق عظمته التي تعظم بالاستدلال، هذا تأويلهم، وإلا لا أحد [يقدر أن] يعرف الله حق معرفته، ولا يعظمه حق عظمته حقيقة.
وهو يخرج على وجهين:
أحدهما: ما قدروا الله حق قدره، ولا اتقوه حق تقواه مما كلفوا به وأطاقوه ومما جرى الأمر بذلك، وإنما تجري الكلفة منه على قدر الطاقة والوسع، وإلا لا يقدر أحد أن يعظم ربه حق عظمته ولا يتقيه حق تقواه، لكن ما ذكرنا مما جرت [به] الكلفة.
والثاني: ما قدروا الله حق قدره ولا حق تقاته على القدر الذي يعملون لأنفسهم، أي: لو اجتهدوا في تقواه وعظمته القدر الذي لو كان ذلك العمل لهم فيجتهدون، ويبلغ جهدهم في [ذلك] ذلك فقد اتقوا.
وقوله - عز وجل -: {إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ}.
لو كان هؤلاء في الحقيقة أهل الكتاب ما أنكروا الرسل ولا الكتب؛ لأن أهل الكتاب يؤمنون ببعض الرسل وببعض الكتب، وإن كانوا يكفرون ببعض، لكن هؤلاء أنكروا الرسل لما كانوا أهل نفاق، ويكون من اليهود أهل نفاق، كما يكون من أهل الإسلام، كانوا يظهرون الموافقة لهم، ويضمرون الخلاف لهم والموالاة لأهل الشرك، ويظاهرون عليهم؛ كما كان يفعل ذلك منافقو أهل الإسلام؛ كانوا يظهرون الموافقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويضمرون الخلاف له، ويظاهرون المشركين عليه، فأطلع الله رسوله على نفاقهم؛ ليعلم قومهم خلافهم، وأن ما كان من تحريف الأحكام وتغيرها وكتمان نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته إنما كان من هؤلاء.
وذكر في بعض القصة
"أنها نزلت في شأن مالك بن الصيف، وكان من أحبار اليهود، وكان سمينا فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد في التوراة أن الله يبغض كل حبر سمين؟ قال: نعم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فأنت حبر سمين يبغضك الله، فغضب فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء أنكر الرسل والكتب جميعاً، فأكذبه الله تعالى، وأظهر نفاقه عند قومه" ، فقال: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً}، قيل: تجعلونه قراطيس، يعني: صحفاً، أي: كتبتموه في الصحف، ثم تنكرون أنه ما أنزل الله على بشر من شيء، أي: ما الذي كنتم كتبتموه إن لم ينزل الله على بشر من شيء {تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً}، يقول: تظهرون من الصحف ما ليس فيه صفة رسول الله ونعته صلى الله عليه وسلم وتخفون ما فيه صفته ونعته وتغيرون.
وقيل: {تُبْدُونَهَا} أي: تظهرون قراءتها {وَتُخْفُونَ كَثِيراً} مما فيه نعته صلى الله عليه وسلم أو: ما فيه من الأحكام التي لا تطيب بها أنفسهم من أمر الرجم والقصاص وغير ذلك.
وقوله - عز وجل -: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ}، سمى عز وجل جميع كتبه نوراً وهدى، وهو نور من الظلمات، أي: يرفع الشبهات، ويجليها، وهدى من الضلالات، أي: بياناً ودليلا من الحيرة والهلاك، وبالله العصمة والنجاة.
وقوله - عز وجل -: {وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ} قال مجاهد: نزلت الآية في المسلمين؛ يقول: عُلِّمُوا ما لم يَعْلَمُوا ولا آباؤهم.
وقال الحسن: الآية في الكفرة، أي: علمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم من تحريف أولئك الكتاب وتغييرهم إياه.
وقيل: وعلمتم ما في التوراة ما لم تعلموا أنتم، ولم يعلمه آباؤكم.
ثم قال: {ثُمَّ ذَرْهُمْ}: قال بعضهم: قوله: {قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ} هو صلة قوله: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً} [قل] يا محمد الله أنزله على موسى.
وقيل: [صلة قوله: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً}] [قل يا محمد الله: {وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ}]، قال: قل يا محمد الله علمكم.
ويحتمل أن يكون - عز وجل - سخرهم حتى قالوا ذلك، فكان ذلك حجة عليهم.
وقوله - عز وجل -: {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}.
هذا يحتمل وجهين:
[الأول] يحتمل: ذرهم ولا تكافئهم بصنيعهم؛ كقوله:
{ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ } [المائدة: 13].
الثاني: أنه قد أقام عليهم الحجج وظهرت عندهم البراهين، لكنهم كابروا وعاندوا، فأمره أن يذرهم لا يقيم عليهم الآيات والحجج بعد ذلك، ولكن يدعوهم إلى التوحيد لا يذر دعاءهم إلى التوحيد، ولكن يذرهم ولا يقيم عليهم الحجج.
وقوله - عز وجل -: {فِي خَوْضِهِمْ}؛ أي: في باطلهم وتكذيبهم يعمهون.
وقوله - عز وجل -: {وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ}.
قيل: القرآن أنزلناه مباركاً؛ سماه مرة: مباركاً، ومرة نورا، ومرة هدى ورحمة، ومرة شفاء، ومجيداً وكريماً وحكيماً، وليس يوصف هو في الحقيقة بنور، ولا مبارك، ولا رحمة، ولا هدى، ولا شفاء، ولا مجيد، ولا كريم ولا حكيم؛ لأنه صفة ولا يكون للصفة صفة توصف بها، ولو كان هو في الحقيقة نوراً، ورحمة، وهدى أو ما ذكر [لكان يكون لكل واحد نوراً وما ذكر]، فلما ذكر أنه عمى على بعض، وأخبر أنه يزداد بذلك رجساً إلى رجسهم دل أنه ليس هو في الحقيقة كذلك؛ لأنه لو كان كذلك لكان لكل أحد، لكن سماه بهذه الأسماء:
سماه نوراً لما يصير نوراً للمسترشدين، ويصير شفاء ورحمة للمتبعين ليشفوا [من] الداء الذي يحل في الدين. وسماه روحا لما يحيي به الدين. وسماه حكيماً لما يصير من عرف بواطنه واتبعه حكيماً.
وكذلك سماه مجيداً كريماً لما يدعو الخلق إلى المجد والكرم، فمن اتبعه تخلق بأخلاق حميدة؛ فيصير مجيداً كريماً.
وسماه مباركاً لما به ينال كل بركة، [والبركة اسم لشيئين: اسم كل بر وخير والثاني:] اسم لكل ما [يثمر وينمو] في الحادث، فمن اتبعه نال به كل بر وخير وكل ثمرة ونماء في الحادث؛ هذا وجه الوصف بما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: {مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}.
من الكتب؛ لأنه كان يدعو الخلق إلى ما كان يدعو سائر الكتب التي أنزلها على الرسل، من توحيد الله والنهي عن إشراك غيره في الألوهية والربوبية، ويدعو إلى كل عدل وإحسان، وينهى عن كل فاحشة ومنكر؛ وكذلك سائر الكتب دعت الخلق إلى ما دعا هذا، لم يخالف بعضهم بعضا، [بل كانت موافقة بعضها] لبعض؛ لذلك قال: {مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا}.
قيل: أم القرى: مكة، وسميت أم القرى لوجهين:
أحدهما: لأنها متقدمة، ومنها: دحيت الأرض على ما ذكر أهل التأويل.
والثاني: سميت: أم القرى؛ لأنها مقصد الخلق في الحج، وفيها تقضى المناسك، وإليها يقصدون ويأمون، وإليها يتوجهون في الصلوات، وهي مقصد أهل القرى.
وقوله - عز وجل -: {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} أي: أهل أم القرى.
وقوله - عز وجل -: {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ}.
فإن قيل: أخبر أن من آمن بالبعث يؤمن بهذا الكتاب، وأهل الكتاب يؤمنون بالبعث ولا يؤمنون به، فما معناه؟
قيل: يحتمل هذا وجوهاً:
أحدها: أن يكون هذا في قوم مخصوصين إذا آمنوا بالبعث آمنوا به؛ كقوله:
{ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } [يس: 10]، هذا في قوم مخصوصين؛ لأنه قد آمن كثير منهم بالإنذار؛ فعلى ذلك الأول.
والثاني: قوله: {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ} بالعلم والحجج آمنوا بالقرآن؛ لأن القرآن جاء في تأييد حجج البعث وتأكيده، فلا يجوز أن يؤمنوا بما يؤيده القرآن ولا يؤمنوا بالقرآن.
والثالث: يحتمل أن يكون إخبارا عن أوائلهم: أنهم كانوا مؤمنين بالبعث بالآيات والحجج راغبين فيه، فلما جاء آمنوا به.
وأمكن أن تكون الآية في المؤمنين، أخبر أنهم آمنوا بالآخرة وآمنوا بالقرآن؛ ألا ترى أنه قال: {وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ}.
ويحتمل [أن] الذين يؤمنون بالآخرة يحق لهم أن يؤمنوا بالقرآن؛ لأنه به يتزود للآخرة.
ويحتمل [غير] ما ذكرنا من الوجوه.
وقوله - عز وجل -: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}.
هذا في الظاهر استفهام وسؤال لم يذكر له جواب، لكن أهل التأويل فسروا فقالوا: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، وهذا جواب له [ليس] هو تفسيره، لكن ترك ذكر الجواب لمعرفة أهل الخطاب [به]، وقد يترك الجواب لمعرفة أهله به.
وقوله - عز وجل -: {وَمَنْ أَظْلَمُ}: أكثرهم قد ظلموا أو كلهم قد ظلموا؛ لكن كأنه قال: لا أحد أفحش ظلماً ممن افترى على الله؛ لأنه يتقلب في نعم الله في ليله ونهاره وأحيانه، فهو أفحش ظلماً وأوحش كذباً.
وقوله - عز وجل -: {أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ}.
في الآية دلالة أن نافي الرسالة عمن له الرسالة في الافتراء على الله الكذب؛ كمدعي الرسالة لنفسه وليست له الرسالة، سواء، كلاهما مفتر على الله كذبا؛ وكذلك من ادعى أنه ينزل مثل ما أنزل الله، أو من ادعى أنه لم ينزل الله شيئاً، فهو في الافتراء على الله كالذي ادعى أنه ينزل مثل ما أنزل الله النافي والمدعي في ذلك سواء شرعا؛ فعلى ذلك يكون نافي الشيء ومثبته في إقامة الحجة والدليل سواء، والله أعلم.
وذكر أهل التأويل أن قوله: {أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} نزل في مسيلمة الكذاب، ونزل قوله: {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ} في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لكن ليس لنا إلى معرفة هذا حاجة؛ هم وغيرهم ومن ادعى وافترى على الله كذباً سواء في الوعيد.
وقوله: {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ}.
ادعى بعضهم أنهم يقولون مثل ما قال الله إنكارا منهم له؛ كقوله تعالى:
{ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا } [الأنفال: 31].
وقوله - عز وجل -: {وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ}.
عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قوله: {فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ}: نزعات الموت وسكراته وغشيانه {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ}: يقول ملك الموت وأعوانه الذين معه من [ملائكة الرحمة و] ملائكة العذاب، {بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ}: يقول: ضاربون بأيديهم أنفسهم يقولون لها: اخرجي، يعني الأرواح، وهو قوله: {أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ} وهو عند الموت؛ وكذلك يقول قتادة.
وقال الحسن: ذلك في النار في الآخرة ضرب الوجوه والأدبار.
وقوله - عز وجل -: {فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ}، أي: كثرة العذاب وشدته؛ يقال للشيء الكثير: الغمر؛ وهو كقوله:
{ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ } [إبراهيم: 17] أي: أسباب الموت، ولو كان هناك موت يموت لشدة العذاب.
وقوله - عز وجل -: {بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ}: بضرب الوجوه والأدبار، {أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ}: على حقيقة الخروج منها؛ كقوله:
{ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا } [المائدة: 37]، والأول ليس على حقيقة الخروج، ولكن كما يقال عند نزول الشدائد: أخرج نفسك.
وقال مجاهد: هذا في القتال تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، يعني: الأستاه، ولكنه يكون - وهو كقول ابن عباس رضي الله عنه وقتادة -: عند الموت.
قال أبو عوسجة: غمرات الموت: سكراته وشدائده، والغمر: هو الماء الكثير، والغمر: العداوة، والغمر: الذي لم يجرب الأمور، والغمر: الدسم، والغُمر: القدح الصغير من الخشب، وغمرة الحرب: وسطها.
وقوله - عز وجل -: {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ}: قيل: عذاب الهون لا رأفة فيه ولا رحمة، أي: الشديد {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ}، بأن معه شريكاً وآلهة، {وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}، أنه لم ينزل شيئاً ولم يوح إليه شيء، وإنما يوحي إليّ، وغير ذلك من الافتراء الذي ذكروا، وبالله العصمة.
وقوله - عز وجل -: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}.
يحتمل هذا - والله أعلم - وجوهاً:
[الأول]: أي: أعدناكم وبعثناكم فرادى بلا معين ولا ناصر؛ كما خلقناكم أول مرة بلا معين ولا ناصر.
والثاني: أعيدكم وأبعثكم فرادى بلا أعوان لكم ولا شفعاء يشفعون لكم يعين بعضكم بعضا؛ كما خلقناكم في الابتداء فرادى، لم يكن لكم شفعاء ولا أعوان.
وقيل: يبعثكم ويعيدكم بلا مال ولا شيء من الدنياوية؛ كما خلقكم في الابتداء، ولم يكن لكم مال ولا شيء من الدنياوية.
وجائز أن يكون قوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ} ليس معكم ما تفتخرون به من الخدم والأموال والقرابات التي افتخرتم [بها] في الدنيا؛ [وليس معكم ما تفتخرون به] كما خلقناكم أول مرة.
وجائز أن يكون قوله: {كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} منفصلا [عن] قوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا}، لكن جواب سؤال: أن كيف يبعثون؟ فقال: أي تبعثون كما خلقناكم أول مرة.
وقوله - عز وجل -: {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} [يحتمل وجهين]:
يحتمل تركتموه وراء ظهوركم لا تلتفتون إليه ولا تنظرون؛ كالمنبوذ وراء ظهوركم، إنما نظرتم إلى أعمالكم التي قدمتموها.
والثاني: لم تقدموا ما خولناكم، ولم تنتفعوا منه، بل تركتموه وراء ظهوركم لا تنتفعون به، إنما منفعتكم ما قدمتموه وأنفقتم منه.
وقوله - عز وجل -: {خَوَّلْنَٰكُمْ}.
قيل: أعطيناكم.
وقيل: رزقناكم.
وقيل: مكناكم؛ وهو واحد.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ}.
أنهم كانوا يجعلون لله شركاء في عبادته وألوهيته، ويقولون:
{ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس: 18] و: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ } [الزمر: 3]، يقول الله: وما نرى [معكم شفعاءكم] الذين زعمتم أنهم شركاء لله في عبادتكم، وزعمتم أنهم شفعاؤكم عند الله بل شُغِلُوا هُم بأنفسهم؛ يخبر عن سفههم وقلة نظرهم فيهم.
وقوله - عز وجل -: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}: قرئ بالرفع والنصب جميعاً.
فمن قرأ بالرفع يقول: لقد تقطع تواصلكم.
ومن قرأ بالنصب يقول: لقد تقطع ما كان بينكم من الوصل.
يخبر عز وجل عن قطع ما كان بينهم من التواصل، وتعاون بعضهم بعضا في هذه الدنيا، أنهم كانوا يتعاونون ويتناصرون بعضهم بعضا - يخبر أن ذلك كله ينقطع في الآخرة، ويصير بعضهم أعداء بعض، ويتبرأ بعضهم من بعض؛ كقوله:
{ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ } [البقرة: 166]؛ وكقوله: { ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } [الزخرف: 67]؛ وكقوله - تعالى -: { وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً } [الأحقاف: 6]؛ وكقوله: { سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ } [مريم: 82] الآية؛ يصير المعبودون أعداء للعابدين، والعابدون أعداء للمعبودين، وتصير الوصلة والمودة التي فيما بينهم في هذه الدنيا عداوة، والرحم والقرابة اللتين كانتا بينهم منقطعاً، حتى يفر بعضهم من بعض؛ كقوله - تعالى -: { يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ } [عبس: 34-35] الآيات.
وقوله - عز وجل -: {وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}.
أي: ذهب عنكم وبطل ما كنتم تزعمون أنهم شفعاؤكم عند الله، وبالله العصمة والنجاة.