خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ
١٨
ويَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ
١٩
فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ
٢٠
وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ
٢١
-الأعراف

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {ٱخْرُجْ مِنْهَا}.
يحتمل {مِنْهَا}: من السماء.
ويحتمل من الأرض.
ويحتمل من الصورة التي كان فيها على ما قلنا في قوله: {فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا}. وقيل: الجنة.
وقوله - عز وجل -: {مَذْءُوماً مَّدْحُوراً}.
قيل: مذموماً مدحوراً، أي: مذموماً ملوماً عند الخلق جميعاً.
مدحوراً قيل: مقصيّاً مبعداً عن كل خير. قال أبو عوسجة: مذءوم ومذموم ومدحور واحد مباعد مطرود.
وقوله: {ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ}.
أخبر - عز وجل - أنه يملأ جهنم من إبليس ومن تبعه وأطاعه؛ لأنهم [إنما] يتبعونه ويطيعونه في الكفر والشرك بالله.
تعلق الخوارج بظاهر قوله: {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ}، وكل مرتكب معصية تابع له؛ لذلك استوجب الخلود.
وقالت المعتزلة: كل مرتكب كبيرة بوعيد هذه الآية؛ لأنه تابع له.
وعندنا: ليس لهم في الآية حجة في تخليد من ذكروا في النار؛ لأنه إنما ذكرت على أثر نقض الدين ورد التوحيد؛ فكأنه قال: لمن تبعك في نقض الدين وردّ التوحيد لأملأن جهنم منكم أجمعين.
وقوله - عز وجل -: {وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا}.
كان السكون في موضع من القرار فيه والأمن؛ كقوله:
{ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } [يونس: 67]؛ لتقروا فيه وتأمنوا؛ فقوله لآدم: {ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} أسكنهما عز وجل ليقروا فيها ويأمنوا من [كل ما] ينقصهما من تلك النعم التي أنعم عليهما؛ لأن الخوف، مما ينقص النعم ويذهب بلذتها، فلما أسكنهما عز وجل الجنة أمنهما عن ذلك كله.
ثم فيه أن أول المحنة والابتلاء من الله لعباده إنما يكون بالإنعام والإفضال عليهم، ثم بالجزاء والعدل بسوء ما ارتكبوا؛ لأنه عز وجل امتحن آدم أولاً بالإفضال والإنعام عليه؛ حيث أسجد [له ملائكته]، وأسكنه جنته، ووسع عليه نعمه، ثم امتحنه بالشدائد وأنواع المشقة؛ جزاء ما ارتكبوا من التناول من الشجرة التي نهاه عن قربانها، فهو ما ذكرنا أن [شرط] امتحانه عباده في الابتداء يكون بالإفضال والإنعام، ثم بالعدل والجزاء لسوء صنيعهم.
ألا ترى أنه قال:
{ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [الشورى: 30] أخبر أن ما يصيبنا هو من كسب أيدينا وهو جزاء ما كسبنا.
[وفيها وفي غيرها من القصص والذكر دليل إثبات] رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته؛ لأنه [أخبر عما كان] من غير أن اختلف إلى أحد ممن يعرف ذلك ولا نظر في الكتب التي فيها [ذكرها] دل أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى.
ثم اختلف أهل التأويل في الجنة التي أسكن عز وجل آدم فيها وزوجته:
قال بعضهم: [هي] الجنة التي يكون عود أهل الإسلام إليها في الآخرة، ولهم وعد عز وجل تلك.
وقال بعضهم: هي جنة أنشأها لآدم ليسكن فيها في السماء، ولكن لا ندري ما تلك الجنة، وليس لنا إلى معرفة تلك الجنة حاجة، إنما الحاجة إلى ما ذكر من المحن.
واختلف - أيضاً - في الشجرة التي نهي آدم عن قربانها:
قال بعضهم: هي شجرة العلم.
وقال بعضهم: هي شجرة الحنطة.
وقد ذكرنا أقاويل أهل التأويل واختلافهم في صدر الكتاب قدر ما حفظناه.
وكذلك اختلفوا في وسوسة الشيطان لآدم وحواء: أنه كيف وسوس إليه ومن أين كان، وهذا - أيضاً - قد ذكرناه في تلك القصة. والحسن يقول: إنما وسوس إليهما من الدنيا لا أن كان دخل الجنة.
وقال بعضهم: وسوس إليهما من رأس الجنة ومن فيها بكلمتهما.
وقوله - عز جل -: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}.
لم يرد [به] الدنو منها، ولكن أراد الذوق والأكل منها؛ لأنه قال:
{ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ } [الأعراف: 22]، دل أن النهي لم يكن للدنو منها، ولكن للذوق والأكل منها.
وفيه: أن الامتحان من الله مرة يكون بالحل، ومرة يكون بالحرمة؛ لأنه أذن [له] التناول مما فيها من أنواع النعم، وحرم عليه التناول من واحدة منها؛ فذلك محنة منه، ثم النهي عن التناول من الشيء يخرج على وجوه:
أحدها: ينهى بحق الحرمة لنفسه، وينهى بحق إيثار الغير عليه، وينهى عن التناول منه لداء فيه وآفة، وينهى لما يخرج التناول منها بحق الجزاء فلم يكن بعد وقت الجزاء له.
وقوله - عز وجل -: {مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا}.
قوله: {مَا وُورِيَ} أي: ستر وغطي، وسوءاتهما: عورتهما، والسوءة: العورة في اللغة.
وفيه أنه يجب أن نكون على حذر من شر إبليس اللعين؛ لئلا يجد فرصة علينا؛ فإنه أبداً على [سلب] النعم [التي] أنعمها الله على عباده، حيث احتال كل حيلة؛ حتى أبدى لهما ما ووري وستر عنهما من العورة وعمل في إخراجهما من النعم واللذات؛ وأوقعهما في الشدائد والمشقة.
وفيه أنه ليس [حال] عليه أشد من أن رأى أحداً في النعم والسعة.
وقوله - عز وجل -: {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ}.
قد ذكرنا معنى هذا - أيضاً - في صدر الكتاب.
وقوله - عز وجل -: {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ}.
قال الحسن قاسمهما في وسوسته إياهما إني لكما لمن الناصحين وهذا الذي يقول الحسن يومئ إلى أن آدم قد علم أنه الشيطان.
وقال أبو بكر الكيساني: إنه قد وقع عند آدم أن الشجرة التي نهاه ربه أن يتناول منها هي المفضلة على جميع الشجر، فلمّا وسوس إليه الشيطان، وقال له ما قال:
{ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } [طه: 120]؛ فوافق ظنُّه قول اللعين وما دعاهما إليه، ثم اشتغل فنسي ذلك؛ فتناول على النسيان [والنسيان] على وجهين:
نسيان الترك على العهد، ونسيان السهو، ولا يحتمل أن يكون آدم ترك [ذلك] عمداً؛ فهو على نسيان السهو، إلى هذا يذهب أبو بكر الأصم أو كلام نحوه.
وقرأ بعضهم قوله: {إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ}، بكسر اللام من الملك؛ ذهب في ذلك إلى ما قال:
{ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } [طه: 120]. وقراءة العامة الظاهرة: {إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ}، بنصب اللام من الملائكة، وقد ذكرنا جهة رغبة آدم في أن يصير ملكاً؛ حيث تناول منها، في صدر الكتاب على قدر ما حفظنا.