خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ
٨١
وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ
٨٢
تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
٨٣
-القصص

حاشية الصاوي

قوله: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} قال أهل العلم بالأخبار والسير: كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون، وأقرأهم للتوراة، وأجملهم وأغناهم، وكان حسن الصوت، فبغى وطغى واعتزل بأتباعه، وجعل موسى يداريه للقرابة التي بينهما، وهو يؤذيه في كل وقت، ولا يزيد إلا عتواً وتجبراً ومعاداة لموسى، حتى بنى داراً، وجعل بابها من الذهب، وضرب على جدرانها صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون، ويطعمهم الطعام، ويحدثونه ويضاحكونه، قال ابن عباس: فلما نزلت الزكاة على موسى، أتاه قارون فصالحه عن كل ألف دينار على دينار واحد، وعن كل ألف درهم على درهم، وعن كل ألف شاة على شاة، وكذلك سائر الأشياء ثم رجع إلى بيته فحسبه، فوجده شيئاً كثيراً فلم تسمح نفسه بذلك، فجمع بني إسرائيل وقال لهم: إن موسى قد أمركم بكل شيء، فأطعتموه وهو يريد أن يأخذ أموالكم، قالت بنو إسرائيل: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت، قال: آمركم أن تأتونا بفلانة الزانية، فنجعل لها جعلاً، على أن تقذف موسى بنفسها، فإذا فعلت ذلك، خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه، فدعوها فجعل لها قارون ألف دينار وألف درهم، وقيل جعل لها طشتاً من ذهب، وقيل قال لها قارون: أموِّلك وأخلطك بنسائي، على أن تقذفي موسى بنفسك غداً، إذا حضر بنو إسرائيل، فلما كان من الغد، جمع قارون بني إسرائيل، ثم أتى إلى موسى فقال له: إن بني إسرائيل ينتظرون خروجك لتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم موسى، وهم في براح من الأرض، فقام فيهم فقال: يا بني إسرائيل، من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه ثمانين، ومن زنى وليست له امرأة جلدناه مائة، ومن زنى وله امرأة رجمناه حتى يموت. قال قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا. قال: فإن بني إسرائيل، يزعمون أنك فجرت بفلانة الزانية، قال موسى: ادعوها، فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة، أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ وعظم عليها وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة إلا صدقت، فتداركها الله بالتوفيق فقالت في نفسها، أحدث توبة أفضل من أن أؤذي رسول الله، فقالت: لا والله، ولكن جعل لي قارون جعلاً، على أن أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجداً يبكي، وقال: اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي، فأوحى الله إليه إني أمرت الأرض أن تطيعك، فمرها بما شئت، فقال موسى: يا بني إسرائيل، إن الله بعثني إلى قارون، كما بعثني إلى فرعو، فمن كان معه فليثبت مكانه، ومن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا، فلم يبق مع قارون إلا رجلان، قال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم الأرض بأقدامهم، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم الأرض إلى أوساطهم، ثم قال يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الأعناق، وأصحابه في كل ذلك يتضرعون إلى موسى ويناشده قارون الله والرحم، حتى قيل إنه ناشده سبعين مرة، وموسى في ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه، ثم قال: يا أرض خذيبهم، فانطبقت عليهم. قال قتادة: خسفت به، فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل، لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة. وفي الخبر: إذا وصل قارون إلى قرار الأرض السابعة، نفخ إسرافيل في الصور، وأصبحت بنو إسرائيل يتحدثون فيما بينهم: إن موسى إنما دعا على قارون، ليستبد بداره وكنوزه وأمواله، فدعا الله موسى حتى خسف بداره وكنوزه وأمواله الأرض، قال بعضهم: مقتضى هذا الحديث، أن الأرض لا تأكل جسمه، فيمكن أن يلغز ويقال لنا: كافر لا يبلى جسده بعد الموت وهو قارون. قوله: {مِن فِئَةٍ} {مِن} زائدة، و{فِئَةٍ} اسم {كَانَ} إن كانت ناقصة، والجار والمجرور خبرها، أو فاعل بها إن كانت تامة. قوله: {مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ} أي الممتنعين بأنفسهم قوله: (أي من قريب) أشار بذلك إلى أن المراد بالأمس الوقت القريب لا اليوم الذي قبل يومك.
قوله: {وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ} الخ، {وَيْكَأَنَّ} فيها خمسة مذاهب، الأول: أن وي كلمة برأسها اسم فعل بمعنى أعجب، والكاف للتعليل، وأن وما دخلت عليه مجرور بها أي أعجب، لأن الله يبسط الرزق الخ، فالوقف على وي، وهو قراءة الكسائي. الثاني: إن كأن للتشبيه، غير أنه ذهب معناه منها وصارت لليقين، وحينئذٍ فالوقف على وي كالذي قبله. الثالث: إن ويك كلمة برأسها، والكاف حرف خطاب، وأن معمولة لمحذوف، أي أعلم أن الله يبسط الرزق الخ، وحينئذ فالوقف على ويك، وهو قراءة أبي عمر. الرابع: أن أصلها ويلك حذفت اللام، وحينئذ فالوقف على الكاف أيضاً. الخامس: أن ويكأن كلها كلمة بسيطة، ومعناها ألم تر أن الله يبسط الرزق الخ، وحينئذ فالوقف على النون.
قوله: {لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} أي بالإيمان والرحمة، قوله: (بالبناء للفاعل والمفعول) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: {وَيْكَأَنَّهُ} تأكيد لما قبله، ويجري فيها ما يجري في التي قبلها، قوله:{تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً} مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، فإن فرعون وقارون تكبرا وتجبرا واختارا العلو، فآل أمرهما للخسران والوبال والدمار، وموسى وهارون اختارا التواضع، فآل أمرهما للعز الدائم الذي لا يزول ولا يحول. قوله: (أي الجنة) أي وما فيها من النعيم الدائم، ورؤية وجه الله الكريم، وسماع كلامه القديم. قوله: {لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً} التعبير بالإرادة أبلغ في النفي، لأنه نفي وزيادة. قوله: {نَجْعَلُهَا} أي نصيرها. قوله: (بالبغي) أي الظلم والكبر كما وقع لفرعون وقارون وجنودهما. قوله: (بعمل المعاصي) أي كالقتل والزنا والسرقة وغير ذلك من الأمور التي تخالف أوامره تعالى. قوله: {لِلْمُتَّقِينَ} أظهر في مقام الإظمار، إظهاراً لشأنهم ومدحاً لهم بنسبتهم للتقوى وتسجيلاً على ضدهم.