خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٦١
وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ
٦٢
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٦٣
يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٦٤
يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ
٦٥
ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ
٦٦
-الأنفال

حاشية الصاوي

قوله: {وَإِن جَنَحُواْ} أي الكفار مطلقاً وبنو قريظة، وعلى هذين القولين، يتخرج القول بالنسخ والقول بالتخصيص، الذي أشار له المفسر بقوله: (قال ابن عباس) الخ، وهذا مبني على أن المراد بالصلح عقد الجزية، وأما إن أريد بالصلح غيره من الهدنة والأمان فلا نسخ، إذ يصح عقد ذلك لكل كافر، وهذا التقرير مرور على مذهب الشافعي، من أن الجزية لا تضرب إلا على أهل الكتاب فقط، وقال مالك: إن الجزية تضرب على كل كافر صح سباؤه، كان من أهل الكتاب أو لا، فعلى مذهبه ليس في الآية نسخ أصلاً. قوله: (بكسر السين وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي فوض أمرك له. قوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} تعليل لما قبله.
قوله: {وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ} شرط حذف جوابه، تقديره فصالحهم ولا تخف من عذرهم. قوله: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ} أي قواك بأسباب باطنية، وهي نصره لك من غير واسطة، وبأسباب ظاهرية وهم المؤمنون. قوله: (بعد الإحن) جمع إحنة وهي العداوة والشحناء التي كانت بين الأوس والخزرج. قوله: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} أي بعد أن كان كان ما كان بينهم من البغضاء والعداوة والحروب العظيمة، مائة وعشرين سنة، حتى لو أن رجلاً من قبيلة لطم لطمة واحدة لقاتل عنه أهل قبيلته، حتى يدركوا ثأرهم، فلما آمنو برسول الله، زالت تلك الحالة، وانقلبت العداوة محبة في الله ورسوله، فكان معجزة عظيمة لرسول الله صلى الله عليم وسلم. قوله: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ} الخ، هذا امتنان من الله على نبيه بتلك النعمة العظيمة.
قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ} قيل نزلت ببدر، فالمراد بالمؤمنين: الذين كانوا حاضرين وقعتها، فيكون في ذلك مدح عظيم لهم، ودليل على شرفهم، ويؤخذ من ذلك، أن المؤمنين إذا اجتمعت قلوبهم مع شخص لا يخذلون أبداً، وليس في ذلك اعتماد على غير الله، لأن المؤمنين ما التفت لهم إلا لإيمانهم وكونهم حزب الله، فرجع الأمر لله، وقيل: نزلت في إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بعد إسلام ثلاثة وثلاثين رجلاً وست نسوة، فيكون هو متماً للأربعين، فعلى الأول الآية مدنية كبقيتها، وعلى الثاني تكون الآية مكية، اثناء سورة مدنية، ولا مانع أنها نزلت مرتين بمكة يوم إسلام عمر، ومرة بالمدينة في أهل بدر. قوله: {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ} معطوف على لفظ الجلالة. قوله: {حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ} أي مرهم أمراً أكيداً، أو رغبهم فيه. قوله: {إِن يَكُن مِّنكُمْ} إما تامة وفاعلها {عِشْرُونَ} و{مِّنكُمْ} حال، وإما ناقصة، فعشرون اسمها، ومنكم خبرها، وهكذا يقال فيما بعدها. و{ يَكُنْ} وقع هنا خمس مرات: الأول والرابع بالياء بالياء لا غير، والثاني والثالث والخامس بالياء والتاء، كما سيأتي للمفسر، فيما سكت عنه فبالياء لا غير، وما نبه عليه ففية الوجهان.
قوله: {صَابِرُونَ} أي محتسبون أجرهم عند الله، وهذا خبر بمعنى الأمر، لقلة المسلمين وكثرة الكافرين، وحكمة ذلك: التكليف أن المسلمين وليهم الله، فهم معتمدون عليه، ومتوكلون عليه، فبذلك الوصف كان الواحد مكلفاً بقتال عشرة، وأما الكفار فلا ناصر لهم، وهم معتمدون على قوتهم، وذلك داع للضعف والهزيمة، وفي الآية من المحسنات البديعية الاحتباك، وهو الحذف من كل نظير ما أثبت في الآخر، فقد اثبت صابرون في الأول، وحذف الين كفروا منه، وأثبت الذين كفروا في الثاني، وحذف لفظ الصبر منه. قوله: (وهذا خبر بمعنى الأمر) أي وقد كان هذا في صدر الإسلام، وكان فرار المائة من الألف حراماً، ثم نسخ. قوله: (بضم الضاد وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان، والمراد الضعف في الأبدان، لكثرة العبادة والتعب، فرحمهم الله وأكرمهم، وأيضاً علم الله ضعف ما يأتي بعد الصدر الأول عن القتال، فخفف الله عن الجميع. قوله: (وهو خبر بمعنى الأمر) أي وقد استمر ذلك الأمر إلى يوم القيامة. قوله: (ونزل لما أخذوا الفداء من أسرى بدر) أي وكانوا سبعين من صناديدهم، روي
"أنه لما جيء بالأسارى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في هؤلاء؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، أهلك وقومك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فداء يكون لنا قوة على الكفار، وقال عمر: يا رسول الله، كذبوك وأخرجوك، قدمهم نضرب أعناقهم، مكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، ومكن حمزة من العباس يضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر، وقال ابن رواحة: انظر وادياً كثير الحطب، فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم ناراً فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجبهم، ثم دخل، فقال ناس يأخذ بقول عمر، وقال ناس يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله علية الصلاة والسلام فقال: إن الله ليلين قلوب رجال، حتى تكون ألين من اللبن، ويشد قلوب رجال، حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل ابراهيم. قال {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ومثل عيسى قال: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} ومثلك يا عمر مثل نوح نوح قال: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً} ومثل موسى: قَال {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} الآية، ثم قال رسول: اليوم أنتم عالة، فلا يفلتن أحد منهم، إلا بفداء أو ضرب عنقه قال عمر بن الخطاب: فهوى رسول الله ما قاله أبو بكر، ولم يهوه ما قلت، وأخذ منهم الفداء وهو عن كل واحد عشرون أوقية من الذهب، وقيل أربعون أوقية، إلا العباس فأخذ منه ثمانون أوقية عن نفسه، وعن ابني أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث ثمانون، وأخذ منه وقت الحرب عشرون، فجملة ما أخذ منه مائة وثمانون أوقية، قال عمر: فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله وأبو بكر يبكيان، قلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله: أبكي للذي عرض لأصحابي من أخذهم الفداء، فقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه صلى الله عليه وسلم " فنزلت الآية، وهذا من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، فرسول الله لن يعمل إلا ما أبيح له، وإنما عتابه تعليماً لمن يتولى الأمور من أمته حسن السياسة، من أنه لا يقبل الفداء من الكفار، حتى يكون قادراً عليهم، وظافراً بهم. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما سبعيتان، لكن على الفوقية تتعين الإمالة في أسرى، وعلى التحتية تجوز الإمالة وعدمها.