خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ
١
ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ
٢
وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ يُغْشِى ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
٣
وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٤
وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ
٥
-الرعد

عرائس البيان في حقائق القرآن

{الۤمۤر} ان الله سبحانه تجلى من فعله الخاص لفعله العام فاجاد من بين الفعلين حروفا وجعلها صادق اسرار الصفات والذات واخبار الغيب وغيب الغيب فوضع فى الالف سر الالوهيّة لنفسه وسر الانانيّة لصفوة توحيده ووضع فى اللام سرّ ازليّته لنفسه وسر لطفه فى ظهوره بوصف الازل لاهل التباسر من اهل عشقه وشوقه ووضع فى الميم سرّ محبته فى هواء ازليته لطلب الوهيته ووضع فى الراء انوار ربوبيته وجعلها مرآة لعبوديته عبادة فيرون منها لطائف صفائه وروح ملكوت قدسه فلما انحسرت الارواح من طلب الالوهية وجعلت الى معادن انوار الربوبية وسكنت بها رات من مرآة حرف الراء من رحمته الكافية ورافة === من كل شئ دون الله فالألف صندوق الالوهية لا ينفتح الا لاهل === فى التوحيد واللام صندوق نور الازلية والجمال ولا ينفتح الا لاهل الوله فى شوقه والميم صندوق محبته الازلية والجمال ولا ينفتح الا لاهل محبته فالراء صندوق نور ربوبيته ولا ينفتح الا لسلاك عبوديته الذين مرادهم منه نفسه لا غير قال الشبلى ما من حرف من الحروف الا وهو يسبه الله بلسان ويذكره بلغة بكل لسان منها حروف ولكل حرف لسان وهو سر الله فى خلقه الذى به يقع زوائد المفهوم وزيادات الاذكار وقال حادث المحاسبى ان الله لما خلق الاحرف دعاها الى الطاعة فاجابت على حسب ما حلاها الخطاب والبسها وكانت الحروف كلها على صورة الالف الا ان الف بقيت على صورتها وحليتها التى بها ابتدئت ثم من سنة الله سبحانه ان وضع ما تكلم به من الاسرار فى لباس الحروف على رسا كل صورة واشار مما عقيباه من القول اليها والى اسرار ما فيها بقوله {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} اى ما اشرنا فى الحروف اسرار الكتاب وعلامات الخطاب ولم يكن معوجا معلولا بقوله {وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ} اى بيان وصدق واضح لمن له اهلية سر الكتاب ولا يفهم ما فيها من الاسرار ذو فترة غافل وذو غباوة جاهل بقوله {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} اى لا يعرفون حقائقها ثم وصف نفسه سبحانه بالقدرة القديمة من الصفات وبالحكمة الازلية من الافعال بقوله {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} خاطب العموم بخطاب العام اى انا رافع السّماء بلا علة من العلل وفقى العمد اذ كان معلولا وخاطب الخواص بخطاب الخاص اى دفعها بغير عمد يرونها بالابصار ولكن رفعهما بعمد ترونها بالبصائر حين ينكشف بوصف تجليها لها وتلك العمد القدرة القديمة الازلية الباقية وهى الصفات قامت الكوان والحدثان بها ورؤية الصفحة حين تجلت حق كما ان رؤية الذات حق ثم بين ان قدرته شملت الملك الاعظم بقوله {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} وايضا خلق سماوات الارواح بغير عمد بانت للخلق لانها محذوفة بسلاسل انوار الازل الى عالم القدم والبقاء ثم استوى انوار تجليه على عرش القلوب {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} شمس المعرفة وقمر العلم اجراهما بين سماوات الارواح عروس الارض تزيينا لملكه كواشفها ومعارفها يجريان فى عالم العقول بانوار المشاهدة من رؤية الذات وكشف الصفات تطلع فى سماء الارواح شموس لذات وفى عروش القلوب اقمار الصفات لانتظام امور الربوبية وتفصيل حقائق العبودية بقوله {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} يدبر امر هموم المحبة ويفصل ايات المعرفة لوقوع انوار اليقين وحقائق التمكين بقوله {لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} اى بهذه الانوار تعاينون تلك الاسرار ويرون بقلوبكم مشاهدة الملك الغفار قال ابن عطا يدبر الامور بالقضاء السابق ويفصل الايات بالاحكام الظاهرة لعلكم يتيقنون ان الله يجرى عليكم هذه الاحوال ولا بد لكم من الرجوع اليه ثم وصف سبحانه عجائب الملك والملكوت وحكمة الغالبة فى مصنوعاته بقوله {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً} بسط اراضى قلوب اوليائه ببسط نور المحبة وجعل فيها رواسى المعرفة لئلا يتزلزل بغلبات هيجان المواجيد واجرى فيها انهار علوم الحقائق وانبتت فيها انواع ازهار الحكم واشجار الفطن واثمرها بثمرات المقامات والحالات بقوله {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} وقرن بكل مقام حالا بقوله {جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} ثم يمد عليا ظلال المشاهدة ويطلع عليها شمس العناية بدوام الكفاية بقوله {يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} ثم وصفها ووصف اصحاب هذه القلوب الذين هم رواسى الارضين وانفاسهم اعمدة السموات ورؤيتهم مشكوة انوار الايات انهم علامات شمائله وسرج مشكوة قدرته لاهل التفكر فى الارادة والتذكر فى المحبة بقوله {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} قال بعضهم هو الذى بسط الارض وجعل فيها اوتادا من اوليائه وسادة من عبيده فاليهم الملجأ وبهم الغياث فمن ضرب فى الارض بقصدهم فازو نجا ومن كان سعيه لغيرهم خاب قال الجريرى كان فى حوار الجنيد انسان مصاب فى خربة فلما مات الجنيد وحملنا جنازته حضر الجنازة فلما رجعنا بقدم خطوات وعلا موضعا عاليا من الارض واستقبلنى بوجهه وقال يا ابا محمد ترانى ارجع الى تلك الخربة وقد فقدت ذلك السيد ثم انشد بقوله

اواسفى من فراق قوم هم المصابيح والحصون
والمدن والمزن والرواسى والخير والامن والسكون
لم يتغير لنا الليالى حتى توفتهم المنون
فكل خمر لنا قلوب وكل ماء لنا عيون

قال بعضهم الفكرة تصفية القلوب لموارد الفوائد قال ابو عثمان الفكرة استرواح القلب من وساوس التدبير ثم وصف اراضى القلوب وما فيها من اشكال العيوب بقوله {وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ} قلوب المحبين متجاورات لقلوب المشتاقين وقلوب المشتاقين متجاورات قلوب العاشقين وقلوب العاشقين متجاورات قلوب الوالهين وقلوب الوالهين متجاورات قلوب الهائمين وقلوب الهائمين متجاورات قلوب العارفين وقلوب العارفين متجاورات قلوب الموحدين وفى ارض قلوب العارفين قطع متجاورات قطع النفوس الامارة متجاورات بعضها بعضا وقطع العقول متجاورات بعضها بعضا وقطع الارواح متجاورات بعضها بعضا وقطع الاسرار متجاورات بعضها بعضا فقطع النفوس مالحة ملح الهوى وقطع العقول عذب بعذب العلم وقطع الارواح طيبة بطيب المعرفة وقطع الاسرار لطيفة بلطف الانوار متقاربة بعضها بعضا فقطعة النفوس تنبت شوك الشهوات وقطعة العقول تنبت نوره العلوم وقطعة الارواح تنبت زهر المعارف وقطعة الاسرار تنبت كواشف الانوار {وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ} العشق يسكر منها الارواح وفيها زروع دقائق المعرفة تأكل من حبها العقول فتربى بها انواع المعاملات وفيها يحيل الايمان ثمرها الايقان ياكل منها اطيار الاسرار {صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} ايمان مع يقين وعرفان من غير علة الاستدلال ورؤية الايات سقى هذه البساتين من زلال قاموس الكبرياء لقوله {يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ} اصل سقيها من عيون الالوهية بوصف تجليها وهو واحد منزه عن الاكوان والتغائر لسقيها من سواقى الصفات فى جداول الافعال فلما وصل مياه التجلى وانوار الصفة الى عالم الفعل يورث كل صفة الفعل نوعا من هذه الاشجار والازهار ففرع الفعل يتلون بالوان الاحوال وان كان اصلها منزها عن العلل وتغاير الحدثان وبعض المقام اشرف من بعض لقوله {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ} ورد المعرفة انور من نرجس المحبة ونرجس المحبة من ياسمين الارادة وثمر المشاهدة اطيب من ثمرة المراقبة وهذه الاشارات من الله سبحانه لا يعرفها الا العالمون بالله بعقول صافية من الاكدار وقلوب حاضرة مضغولة بالله عن الاخيار لقوله {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فالعقل ريق الربوبية فى مواطن الفطنة والفطرة يزم بها الحق قلوب الخلق ويجريها الى العبودية لوجدان المعرفة والقربة فمن وافق حاله مع الله فى معرفته حال واحد من اوليائه فهما من اصل واحد من غير تبائن وتفرق كما روى جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال لعلى رضى الله عنه الناس من شجر شتى وانا وانت من شجرة واحدة ثم قرأ النبى صلى الله عليه وسلم وفى الارض قطع متجاورات حتى بلغ يسقى بماء واحد وقال الحسن البصرى هذا مثل ضربه الله لقلوب بنى ادم كانت الارض فى يد الرحمن طينة واحدة فسطحا وبطحا فصارت الارض قطعا متجاورة فينزل عليها الماء من السّماء فيخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها ويخرج نباتها ويحيى موتاها ويخرج هذه سنجها وملحها وخبثها وكلتاهما يسقى بماء واحد فلو كان الماء ملجاء قبل انما هذه من قبل الماء كذلك الناس خلقوا من ادم فنزل عليهم من السماء تذكرة فبرق قلوب فتخشع وتخضع وتقسوا قلوب وتلهوا وتسهوا وتجفوا وعن الجنيد قال خلق الله الخلق واظهر اثارها واحيى منبتها متحرفة الى كل فج عميق وبلد سحيق وجعلها قطعا متجاورات قيعانا متقاربات والوانا متشابهات جميعها فى النظر وفرقها فى المواطن فسقاها بماء واحد وفضل بعضها على بعض فى الاكل فجلّ ربنا عز وجل من قادر قاهر جعل ذلك سببا الى معرفته ودلالة لربوبيته قال الواسطى فى قوله يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الاكل لم يتلون الارادات وتلونت المرادات كما تلونت الاشجار والثمار ولم يتلون المياه التى سبقت الاشياء المختلفات كذلك العلم بالاشياء لا يتلون ويتلون المعلومات فمن قال كيف فهو لضيق القدرة عنده وعلل تكوين الحدثان لعله اثبات الربوبية واقتارها ولئلا يسبق الى الاوهام ان شيئا من الكن بغير ارادته اراد الموت والحياة والظلمة والضياء ولم يتلون الارادة كذلك ما اراد من الكفر والايمان قال الله يسقى بماء واحد الاية وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قا لالعاقل من عقل عن الله امره وقال الواسطى العقل ما عقلك عن المجازى ثم بين سبحانه انما وصف من ذكر الاية ونعمائه وصنعائه ومصنوعاته لا ينفع بمن لا سعادة سابقت له مساعده ولا ينفتح له عين غير العقل بحيث يعجب المخاطب الكريم افكارهم بقوله {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ} من غاية استغراقه فى بحر كمال التوحيد وغلبة صدق الرسالة عليه السلام يعجب ممن لا يعرفه بالصدق فى رسالته حيث اطلع من جماله وشمائله شمس ايات القدم ونور قمر الكرم واى شئ اعجب من ذلك ان من له عقل ونظر لا يبصر فيه شواهد الملكوت وانوار الجبروت اذ الجمادات نطقت بصدق رسالته لتسلاه الحق سبحانه بقوله فعجب اى اعجب من ذلك العجب ان من يظهر فى نفسه ايات الله فى كل لمحة الف مرة ولو يرها بعين البصيرة ويموت ويحيى فى كل ساعة الف مرة ولا يعرف وجوده من عدمه ولا عدمه من وجوده فان عند كل نفسين للانسان موتا وحياة فعند صعود النفس له موت وعند دخول النفس فى جوفه من طريق الحسن حياة ولكن ليس من الحق عجب فانه تعالى يضل به من يشاء ويهدى به من يشاء فاذا ضهب العجب اذ ليس شئ منه عجب قال الجنيد ذهب العجب بقوة سلطان العجبُ كل العجب من العجب ان لا تعجب قال الله وان تعجب فعجب قولهم قال الترمذى ليس العجب من العجب العجب ممن يتعجب من العجب اذ لا عجب.