خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ
١٦
وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ
١٧
إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ
١٨
وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ
١٩
وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ
٢٠
وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ
٢١
وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ
٢٢
وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ
٢٣
-الحجر

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} اخبر بجلاله وعز كبريائه عن سماوات الذات وابراج الصفات وانه كشف انوارها واسرارها لنظار الارواح والعقول والقلوب لتسير فى ابراجها بقدر قوتها من قوى السعادة والتوفيق فكواكب الارواح تسرى فى ابراج الازليات والابديات ونجوم العقول تسير فى ابراج انوار العظمة والكبرياء وسيارات القلوب تسير فى برج سنا الجلال والجمال واقمار الاسرار وشموسها تسير فى بروج سبحات الذات فتحصيل الارواح من اماكنها وسيرها التوحيد والتجريد والتفريد وتحصل العقول من سيرها المعارف والكواشف وتحصل القلوب من سيرها العشق والمحبة والشوق والخوف والرجاء والقبض والبسط والعلم والخشية والانس والانبساط وتحصل الاسرار من سيرها الفناء والبقاء والسكر والصحو ولكل عارف وموحد ومحب وشائق وصادق ومخلص ومحيد من كل برج من ابراج الصفات له فظروفهم وعلم ومعرفة وكشف ومقام وعمل ونطق واشارة وعبارة وجد وحال وادب وافعال وما لا يتناهى من دانيات ثمار المشاهدات ولطائفات المكاشفات لان منابعها الصفات التى منزهة عن الحدود والعلات ومن سار فى ابراج الصفات يرى منابع الصفات وهى عيون الوهية الذات سبحان من عظم شانه وتقدست اسماؤه وصفاته وذاته عن اوهام الخليقة ومن ادراك قلوب البرية وذلك قوله بوصف تنزيهه {وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} منع كشف جمال صفاتها وجلال ذاتها عن ابصار البطالين والمدعين والمبطلين الزايغين عن الحق المقبلين على الخلق هذا من اعالى دقائق الاشارات واشارة الادنى انه تعالى جعل فى سماء الارواح ابراج منورة مزينة بزينة نور الصفات والذات لسكان ارض القلوب من نظار العقول لترى العقول فى ترائيها اقمار الصفات وشموس الذات من حيث التجلى لا من حيث كينونة الحلول فتستشرف على اسرار معارف جوده ووجوده فلكل نظر منها فائدة فى القلوب من المواجيد والحالات والمعاملات والمقامات مثل الوجل والخشية والندم والرهبة والرغبة والمراقبة والمحاضرة والخطاب والشهود والوقوف باسرار العبودية والربوبية فنعت تلك القلوب بما رات تلك العقول من من ابراج سماء الارواح الوجد والهيجان والهيمان والوله والزفران والعبرات صاحبها اوتاد الارض ونقباء الاولياء واصفياء الحضرة شمائلهم انوار جود الله يظهر من وجوههم سنا وجود الله سبحان الله من هم واين ماواهم طوبى لهم ثم طوبى لهم ثم بفضله وجوده يحفظ تلك البروج من هواجسات النفوس ووساوسات الشياطين كما قال حفظناها من كل شيطان رجيم ثم بين سبحانه ان تلك النفوس الامارة والشيطان الوسواسية تسترق من عالم سماء العقول والارواح والاسرار والقلوب اسماع هواتف الغيب من صرف اخطاب والالهام لتدعى بكلمة الغيب الدعاوى الباطلة فاتبعها شهب طوارق القهريات واحرق بنيران المحبة والاشواق ليصفى هواء المعرفة من غبار الطبيعة بقوله {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ} وايضا فيه اشارة اخرى انه تعالى بغر جوجه وجده وجلاله جعل فى سماء القلوب ابراج المقامات والحالات ويجرى فيها سيارات الهمم لطلب وجدان اهله انوار الصفة فترى كل همة من برج كل مقام نورا من انوار الغيب وسرا من اسرار الغيب حتى يستشرف على مطالع الربوبية والالوهية فى كل دورة افلاك القلوب فى هواء الهوية حين تبرز شموس اسرار الذات واقمار الصفات وسيارات حقائق الازل والابد الا ترى تقلب تلك الافلاك فى ممالك ملكوت الازل كيف وصفها حبيب الحبيب صلوات الله وسلامه عليه وعلى خلائه من الانبياء و الرسل والاصفياء بقوله القلوب بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ونظار تلك السماوات العقول القدسية والاسرار الملكوتية ترى من كل برج نور صفته فيورث تجليها لكل عقل مقاما وشرفا وحالا ووجدا وعلما ومعرفة وبجلال قدمه يحفظ تلك السماوات مع ابراجها من طوارق النفوس والوسواس فاذا قصدت النفس الامارة الى حاشية من حواشى القلب يحترق بزفره من زفرات القلب وكذلك الوسواس قال تعالى فاتبعه شهاب مبين وما ذكرنا من تلك الحقائق من انوار تلك البروج === من وجوه الصديقين وتلك الوجوه مطالع انوار صفات الحق يبرز نورها من وجوههم وجباههم للناظرين من المريدين الصادقين والشائقين من المحبين وتلك سمات الحق لاعتبار الخلق وهدايتهم قال تعالى تعرفهم بسيماهم قال بعضهم زين السماوات باكلواكب والبروج وجعل فيها علامات لمن يهتدى بها فى ظلمات البر والبحر وزين القلوب باطلاعه عليها وانواع الانوار لتهتدى بتلك الانوار الى مقام المعرفة وهذه المعاملات انما يهتدى بها من مكان بصيرا مفتوحا عين فواده ينظر اليه نظر عيان قال ابو بكر بن طاهر كما جعل الله فى السماء بروجا يهتدوا به فى ظلمات البر والبحر وزيناها للناظرين كذلك جعل فى القلوب بروجا يهتدى بها العارف الى ربه فمن ذلك برج الخوف وبرج الرجاء وبرج التوكل وبرج التفويض وبرج التسليم وبرج اليقين وبرج المعرفة وبرج المحبة وكل برج من هذه الابراج والبروج منها طريق الى الله تبارك وتعالى لا يعرفها الا السالكين فيها والعالمون بها وكما زين تلك البروج للناظرين كذلك زين بروج القلب للناظرين لا منهم القائمين باوامر الرب عليهم والعارفين حالهم ومحلهم فى كل وقت وحين قال الاستاد فى السماء بروج وهى لها زينة ثم تلك النجوم للشياطين رجوم اذا راموا ان يسترقوا السمع وفى القلوب للمعارف والعقول نجوم ثم هى للشياطين رجع فلو دنا ابليس وجنوده من قلب ولى من اوليائه احترقته بل محقته نجوم غفله واقمار علمه وشموس توحيده وكما ان نجوم السماء زينة للناظرين اذا لاحظوها فقلوب العارفين اذا نظر اليها ملائكة السماء لهم زينة ثم ان الله سبحانه وصف قدرته فى مد الارض والقائه فيها الرواسى بقوله {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} الاشارة فيه انه تعالى بجلاله وقدره بسط قلوب الاولياءببسط سعته وقدرته وعلمه ومدها بانوار تجلى جماله وجلاله فصارت مبسوطة بوقوع نور مشاهدته عليها لانها بلد الله ومقام زيارته هناك اشرقت الارض بنور ربها فكلما يتجلى لها بسطها فانبسطت وزاد فى امتدادها بقدر زيادة وقوع نور التجلى عليها فكلما ازداد نورهم من الحق ازداد بسطها وامتدادها وهى مضطرة الى زيادة بسطها وسعتها لانها يوازى مشاهدة جلالة القدم الذى بلا نهاية ولا غاية فاذا يزيد بسطها وامتدادها الى ابد الاباد وذلك لان هناك عرش الرحمن وكرسيه وهنالك ولاية الله ينزل عساكر تجليه عليها فى جميع الانفاس والاوقات ولم يكن موضع من العرش الى الثرى بهذه الخاصية غير قلوب الانبياء والاولياء لما روى سيد الانبياء عليه وعليهم سلام الله على الله سبحانه قال لم يسعنى السماوات والارض ويسعنى قلب عبدى المؤمن ولا يظن ان ذلك البسط بسط صورة القلب لان بسط القلوب بسط علومها وفهومها وعقولها وبسط نورها وقبولها انوار قرب الله سبحانه التى اطلعت على فطرتها واماكن غيبها وغيبها معادن علم الله وفى علم الله استغرقت الاكوان والحدثان فكل شئ من العرش الى الثرى فى تلك الاماكن من قلوب الصديقين اقل من خردلة وكيف لا يكون ذلك وهو يسع حمل الملك والملكوت ولما تجلى لها تزلزلت من هيبته واجلاله فالقى فيها رواسى العظمة وشدها بجبال انور الكبرياء وربطها باوتاد العقول وانبت فيها بمياه بحار زلال نور غيبه من جميع نبات المعارف والكواشف والمواجيد والحالات والمقامات والاداب وتلك الحقائق والنبات موزونة بقدر تجليه وميزان علمه وايضا فيه اشارة اخرى ان رواسى الارض ولياء الله وكما ان الجبال والرواسى بالتفاوت فى صغرها وكبرها فكذلك الاولياء بالتفاوت فى مقاماتهم واخوالهم عند الله فالرواسى اعظم الجبال فاعظم الاولياء الغوث والثلاثة المختارون والسبعة ثم العشرة ثم الارعون ثم السبعون ثم الثلاثمائة وهم الابدال والاوتاد والسبعون النقباء والاربعون الخلفاء والعشرة العلماء والسبعة العرفاء والثلاثة اهل المكاشفة وهم الرواسى والغوث اعنى القطب مثله مثل جبل قاف والاوتاد مغزع العامة والنقباء مفزع الاوتاد والخلفاء مفزع النقباء والعلماء مفزع الخلفاء والعرفاء مفزع العلماء واهل المكاشفة مفزع العلماء والقطب مفزع الكل قال بعضهم مد الارض بقدرته وامسكها ظاهرا بالجبال والرواسى وما الرواسىعلى الحقيقة فهو مقام اوليائه فى خلقه بهم يدفع البلاء عنهم وبمكانهم يصرف المكاره فهم الرواسى على الحقيقة لا الجبال قال محمد بن على الترمذى ان فى العباد عبادا هم المفزع ومن فوقهم الاوتاد ومن فوقهم الرواسى فالى المفزع مرجع عامة العباد ومرجع المفزع اذا هال الامر الى الاوتاد ومرجع الاوتاد اذا يستعجل الامر الى الرواسى وهم خواص الاولياء قال الله تعالى والارض مددناها والقينا فيها رواسى وقال سهل مد الارض ووسع رفعتها ليسير فيها الناظر بالغيرة والاعتبار فيطلب فيها اماكن الاولياء وهم الرواسى الذين بهم قوام الارض قال الاستاد نفوس العابدين ارض العبادة وقلوب العارفين ارض المعرفة وارواح المشتاقين ارض المحبة والخوف والرجاء لها رواسى وكذلك الرغبة والرهبة وقال كما انبت فى الارض فنون النبات انبت فى القلوب صنوفا من الازهار والاقمار فمن نور اليقين ونور العرفان ونور الحضور ونور الشهود ونور التوحيد الى غير ذلك من الانوار ثم وصف سبحانه معائش الجمهور مما ينبت ارض القلوب من زهر المعارف والكواشف بقوله {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} معائش الصديقين فى ارض القلوب انوار الشهود ومعائش المحبين ظهور نور تجلى ومعائش العارفين كشوف التدلى ومعارف الموحدين استماع الخطاب بعد الكشف ومعائش سكان ارض القلب من العقل والفهم والنفس نور الايمان والبرهان والايقان وذلك قوله {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} هو بجوده سبحانه رازق الارواح ورازق العقول والنفوس قال الاستاد سبب عيش كل احد مختلف فعيش المريدين بيمن اقباله وعيش العارفين بلطف جماله وعيش الموحدين بكشف جلاله كل مربوط بحاله ولكل نصيب من افضاله والحق منزه عن التحمل بافعاله ثم وصف سبحانه سعة قدرته وعلمه وملكه وملكوته وخزائن جوده بقوله {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} اى ما من شئ فى قلوب العارفين من انوار المكاشفة والمعرفة والتوحيد والايمان واليقين والمقامات والحالات والالهام والخطاب الا عندنا خزائنه وخزائن هذه الحقائق ذاته القدمية وصفاته الابدية فان كل وجد وكشف وعلم وحال ومعرفة وتوحيد ومقام ومقال يتعلق بكشف الذات والصفات وكشوف انوارها تظهر بقدر قوة القلوب مقرونة بالارادة الازلية بقوله {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} وعلم الاشارة فى الاية دعوة العباد الى حقائق التوكل بوصف قطع الاسباب والاعراض عن الاغيار قيل كان الجنيد اذا قرء هذه الاية وان من شئ الا عندنا خزائنه قال فاين تذهبون قال بعضهم القلوب خزائن الحق عند الخلق اودع فيها اجل شئ وهو التوحيد وزينها بالمعرفة ونورها باليقين ومجدها بالتفويض وعمرها بالتوكل وشرحها بالايمان ولم يملكهم من قلوبهم شئ لانه قائم بالحق منقلب فى اوصافه قال النبى صلى الله عليه وسلم قلب ابن ادم بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وجعل آثار انوار القلوب على الجوارح من التسارع الى الطاعات والتثاقل عن المعاصى والمخالفات وهذا دليل لما قلت من الكرامات لذلك قال الله وان من شى الا عندنا خزائنه وقال حمدون قطع اطماع عبيده عن سواه بقوله وان من شئ الا عندنا خزائنه فمن رفع بعد هذا حاجته الى غيره فهو لجهله ولومه قال ابن عطا فى هذه الاية النظر الى شواهد القسم اسكنت النفوس عن الحكم وقال سهل اخص خزائن الله فى الارض قلوب اوليائه التى هى محل معرفته وغيبه ومحل نظره فمن حفظ تلك الخزانة بالذكر الدائم والمراقبة عمر الله قلبه بالرجوع اليه على دوام الاوقات والاعراض عما سواه وقال الاستاد خزائنه فى الحقيقة مقدوراته وهو سبحانه قادر على كل ما هو موهوم الحدوث ويقال خزائنه فى الارض قلوب العارفين بالله وفى الخزانة جواهر من كل صنف فحقائق العقل جواهر وضعها فى قلوب اقوام ولطائف العلم جواهر وبدائع المعرفة جواهر واسرار العارفين مواضع سره فالنفوس خزائن توفيقه والقلوب خزائن تحقيقه واللسان خزائن ذكره ويقال ارواح قلوب الفقراء عن تحمل المنة من الاغنياء فيما يعطوهم واراح الاغنياء عن مطالبة الفقراء منهم شيئا فليس للفقير صرف القلب من الله الى مخلوق ولا افتقار منه لاحد ولا للغنى بقليل منه لاحد اذ الملك كله لله والامر بيد الله فلا قادر على الابلاغ الا الله ثم وصف الرياح اللواقح التى تحمل الاشجار ثمارها بقوله {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} غرس فى قلوب اوليائه اشجار المعرفة التى هى من بساتين غيب ملكوته وجبروته ثم ارسل عليها رياح لطفه بكشف جماله لها فتلقح بشمال جماله اشجار معرفتهم ثمار محبته وشوقه وعشقه ثم سقاها بمطر عنايته من بحر كرمه حتى اثمرت كل غصن منها حكمة من حكمه وعلما من علومه وخبرا من غيبه وسرا من اسراره وحقيقة من حقائقه === نسائم الانس ونورها لطائف القدس وزهرها من لوائح الصفات ووردها من لوامع الذات وفواكها حياة مرضى المريدين تشفيهم من داء الفراق وتربيهم بترياق الوفاق فكل سالك عارف عاشق محب واله سقاه الحق من مطر لطفه من بحار كبريائه شربات مفرحات الافراح باقداح الارواح فيصير سكران جماله من حب جلاله هائما من شوقه الى وصاله فلا العاشق الشائق يسكن من سكره ولا من سقى شرابه ولا ينقص بحر وصاله من شرب عاشق جماله وكمال جلاله

شربت الحب كاسا بعد كاس فما نفذ الشراب ولا رويت

قال بعضهم رياح الكرم اذا هبت على اسرار العارفين اعتقتهم من هواجس انفسهم === طباعهم وفساد هواهم ومراداتهم ويظهر فى القلوب نتائج الكرم وهو الاعتصام باله وبالاعتماد عليه والانقطاع عما سواه قال الله وارسلنا الرياح لواقح فقلوب تلقح بالبر وقلوب تلقح بالفجور وما روى فى الاخبار قلوب الابرار تغلى بالبر وقلوب الفجار تغلى بالفجور قال ابو عثمان كما ان رياح الربيع اذا هبت فتحت عروق الاشجار لحمل الماء فكذلك رياح العناية تلقح الثبات على الطاعات ورياح الكرم تلقح فى القلوب معرفة النعم ورياح التوكل تلقح فى النفوس الثقة بالله والاعتماد عليه وكل ريح تظهر فى الابدان زيادة وفى القلوب زيادة والشقى من حرمها وقال الاستاد كما ان الرياح فى الافاق مقدمات المطر كذلك الامال فى القلوب مما يتفهمه العبد مما يتادّى الى قلبه من مبشرات الخواطر وتنشم النجاح فى طلبه يحصل فيستروح القلب اليه قبل حصول المامول من الكفاية واللطف ويقال ان رياح البسط اذا هبت على قلوب العارفين ما تركت فيها للوحشة اثرا ويقال اذا هبت رياح القرب على قلوب العارفين عطرت بنفحات الانس فيبقون فى نسيمها على الدوام ومما يؤيد تحقيق التوحيد اخر الاية قوله وما انتم له بخازنين بين ان لطائف انوار المشاهدة لا تعلق بكسب العباد ويكلفهم فى المجاهدات واذا انكشفت انوارها فى القلوب لم يكونوا بحابسيها لانها شعاع شمس الوحدانية وهى منزهة عن تناول الحدوثية وهذا معنى قوله وما انتم له بخازنين وبتلك المياه والرياح يحيى ارواح الصديقين وقلوب الموحدين بقوله {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ} نحيى بمشاهدتنا قلوب المنقطعين من موت الفراق ونميت نفوس المريدين بالخوف عنا وقهر عظمتنا عن حياة الشهوات وايضا نحى الارواح بتجلى بقائنا عن موت فنايها فى مشاهدة قدمنا ونفينها عن حيوتها بمشاهدة البقاء برؤية قدمنا وازل ازلنا نحيى اسرار العارفين بجمالنا ونميتها باحتجاب مشاهدة جلالنا عنها ونحن الوارثون ما عليها من احكام الربوبية وما لها من احكام العبودية قال الواسطى نحيى من نشاء بنا ونميت من نشاء عنا قال بعضهم نحيى اقواما بالطاعة ونميت اقواما بالمعصية وقال الوراق نحيى القلوب بنور الايمان ونميت الانفس باتباع الشهوات وقال ابو سعيد الخراز الحى من العباد من الحق حيوته والميت منهم من جركانه بقاؤه وقيل نحيى القلوب بالمشاهدة ونميت النفوس بالاستتار وقال الحريرى كم من حى حيوته موته وميت موته == وقال سهل نحى اهل الصفوة بمعرفتنا والاقبال علينا ونميت المخالفين بانكارنا واعراض عنا وقال === نحيى النفوس السعيدة بمتابعة القلوب الرضية ونميت النفوس الشقية بمتابعة الهوى والشهوات وقال الاستاد نحيى القلوب بالمشاهدة ونميت نفوسهم بالمجاهدة ويقال نحيى المريدين بذكره ونميت الغافلين بهجره ويقال === بان يلاطفهم بلطف جماله ويميت قوما بان يحجبهم عن نيل افضاله.