خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً
٤٤
-الإسراء

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى {تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} ان الله سبحانه اوجد الخلق بقدرته القديمة الازلية والمشية السابقة والارادة القائمة بذاته وعلمه وحكمته فخرج الكون من العدم بما ظهر عليها من صفات القدم فباشر انوار قدرته الوجود فاثرت قدرته ومباشرتها فى الاشياء الارواح الحضرتية والعقول الربانية والالسنة الجبارية والمعرفة الابدية ورفع الحجاب من بينها وبين معدن القدرة ومصادر الفعل فشاهدت الاشياء مصادرها فاهتزت ارواحها بنعت عشقها الى معدنها وبكلمة السنتها وتقدس خالقها وتقديس باريها وتسبيح صانعها وذلك من حياة فايضة شايعة من تواتير الحياة الازلية فالكل فى حياتها قائمة بتلك الحياة مسبحة لصانعها بتلك الالسنة وذلك من استيلاء غواشى انوار القدرة وسبحات العظمة عليها فالسماوات تسبح له بلسان العظمة والارض تسبح له بلسان القدرة ومن فيهن يسبح له من ذوات الارواح والحياة بالسنة الصفات والافعال على قدر مراتبهم وجميع الاشياء يسبح له الناميات والجمادات بالظاهر من قول اهل الرسوم لا من قول اهل المعرفة يسبح له بلسان الاوصاف والاسماء والنعوت والعارفون من بينهم يسبحون له بالالسنة الذاتية لانهم فى شروق شموس الازال وانوار طلوع اقمار الاباد ولكن لا يعرف تسبيح الجميع الا من تجلى الحق لسره وروحه وعقله وقلبه وصورته بجميع الذات والصفات وللاشياء السنة روحانية ملكوتية يسبح الحق بها بلغات غيبية واشارات ازلية لا يسمعها الا اهل شهور الغيب الذين ينطقون بالحق ويعقلون بالحق ويعرفون الحق بالحق وينظرون بالحق الى الحق وتصديق ما ذكرنا فى تسبيح الجمادات ما روى انس بن مالك قال كنا عند رسول الله صلى الله لعيه وسلم فاخذ كفا من حصى يسبحن فى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا التسبيح ثم جعفهن فى يد ابى بكر حتى سمعنا التسبيح ثم جعلهن فى يد عمر فسبحن حتى سمعنا التسبيح ثم جعلهن فى ايدينا فما سبحت فى ايدينا والدليل على صدق هذا الحديث قوله تعالى يا جبال اوبى معه اى سبحى معه ومعروف ان الجبال سبحن بتسبيح داؤد عليه السّلام وعن جعفر بن محمد عن ابيه عليهما السّلام قال مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتاه جبرئيل عليه السَّلام بطبق فيها رمان وعنب فاكل النبى صلى الله عليه وسلم فسبح ثم دخل الحسين والحسن فتناولا منه فسبح العنب والرمان ثم دخل على فتناول منه فسبح ايضا ثم دخل رجل من اصحابه فتناول فلم يسبح فقال جبرئيل انما ياكل هذا نبى او وصى او ولد نبى واصدق التصديق قوله سبحانه فى آخر الاية {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} من حلمه وغفرانه عَرّف المخلوقات كلها نفسه بالصفات القديمة الازلية الابدية ولولا حلمه وغفرانه ما كان الكون ولم يكن له لسان بذكره ولكن بكرمه ورحمته وهب الكل من سلطانه وبرهانه لسانا يسبح بحمده وحمده شامل على كل ذرة وثناؤه فى لسان كل ذرة سبحان الغنى المحسن وهب عطاءه العميم والكريم القديم بغير استحقاق من الكون ولا يبالى قال ابو عثمان المغربى المكونات كلها يسبحن الله باختلاف اللغات ولكن لا يسمع تسبيحها ولا يفقه عنها ذلك الا العلماء الربانيون الذين فتحت اسماع قلوبهم.