خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً
٤
مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً
٥
فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً
٦
-الكهف

تفسير القرآن

واعلم أن الإنذار والتبشير اللذين هما من باب التكميل اللازم لكونه قيّماً عليهم كلاهما أثر ونتيجة عن صفتي القهر واللطف الإلهيين اللذين محل استعداد قبولهما من نفس العبد الغضب والشهوة، فإنّ العبد ما استعدّ لقبولهما إلا بصفتي الغضب والشهوة وفنائهما كما لم يستعدّ فلضيلتي الشجاعة والعفة إلا بوجودهما، فلما انتفتا قامتا مقامهما لأن كلاًّ منهما ظل لواحدة من تينك يزول بحصولها فعند ارتواء القلب منهما وكمال التخلق بهما حدث عن القهر الإنذار عند استحقاقية المحل بالكفر والشرك وعن اللطف التبشير باستحقاقية الإيمان والعمل الصالح، إذ الإفاضة لا تكون إلا عند استحقاق المحل.
{ما لهم به من علم ولا لآبائهم} أي: ما لهم بهذا القول من علم بل إنما يصدر عن جهل مفرط وتقليد للآباء لا عن علم ويقين ويؤيده قوله: {كبرت كلمة} أي: ما أكبرها كلمة {تخرج من أفواههم} ليس في قلوبهم من معناه شيء لأنه مستحيل لا معنى له إذ العلم اليقيني يشهد أن الوجود الواجبي العلي أحديّ الذات لا يماثله الوجود الممكن المعلول. والولد هو المماثل لوالده في النوع المكافئ له في القوة والشهود الذاتي يحكم بفناء الخلق في الحق والمعلول في المشهود، فلم يكن ثم سوّاه شيء غيره فضلاً عن الشبيه والولد كما قال أحدهم:
هذا الوجود وإن تكثّر ظاهراً وحياتكم ما فيه إلا أنتم
{إن يقولون إلاّ كذباً} لتطابق الدليل العقلي والوجدان الذوقي الشهوديّ على إحالته. {فلعلك باخع} أي: مهلك {نفسك} من شدّة الوجد والأسف على توليهم وإعراضهم، وذلك لأن الشفقة على خلق الله والرحمة عليهم من لوازم محبة الله ونتائجه ولما كان صلى الله عليه وسلم حبيب الله ومن لوازم محبوبيته محبته لله لقوله:
{ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة، الآية: 54] وكلما كانت محبته للحق أقوى كانت شفقته ورحمته على خلقه أكثر لكون الشفقة عليهم ظلّ محبته لله اشتدّ تعطفه عليهم، فإنهم كأولاده وأقاربه بل كأعضائه وجوارحه في الشهود الحقيقي، فلذلك بالغ في التأسف عليهم حتى كاد يهلك نفسه. وأيضاً علم أن المحب إذا تقوّى بالمحبوب في استمرار الوصل ظهر قبوله في القلوب لمحبة الله إياه.