خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
٣٠
-البقرة

تفسير القرآن

{وإذْ قالَ ربكَ للملائكةِ} إذ: إشارة إلى السرمد الذي هو من الأزل إلى الأبد، والقول هو إلقاء معنى تعلق مشيئة الله تعالى بإيجاد آدم في الذوات القدسية الجبروتية التي هي الملائكة المقرّبون والأرواح المجرّدة والملكوتية التي هي النفوس السماوية إذ كل ما يحدث في عالم الكون له صورة قبل التكوين في عالم الروح الذي هو عالم القضاء السابق، ثم في عالم القلب الذي هو قلب العالم المسمّى باللوح المحفوظ، ثم في عالم النفس أي: نفس العالم الذي هو لوح المحو والإثبات المعبر عنه بالسماء الدنيا في التنزيل كما قال تعالى: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } [الحجر، الآية: 21]، فذلك قوله تعالى للملائكة: {إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةٌ} واعتبر بحالك في نفسك، فإنّ كل ما يظهر على جوارحك التي هي عالم كونك وشهادتك من القول والفعل، له وجود في روحك التي هي ما وراء غيب غيبك، ثم في غيب غيبك، ثم في نفسك التي هي غيبك الأدنى وسماؤك الدنيا، ثم يظهر على جوارحك. والجعل أعم من الإبداع والتكوين، فلم يقل (خالق) لأن الإنسان مركب من العالمين: خليفة يتخلق بأخلاقي، ويتصف بأوصافي، وينفذ أمري، ويسوس خلقي، ويدبر أمرهم، ويظبط نظامهم، ويدعوهم إلى طاعتي.
وإنكار الملائكة بقولهم:
{قالوا أتجعل فيها من يُفْسِدُ فيها ويَسفِكُ الدماءَ} وتعريضهم بأولويتهم لذلك بقولهم: {ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لك} هو احتجابهم عن ظهور معنى الإلهية والأوصاف الربانية فيه التي هي من خواص الهيئة الاجتماعية والتركيب الجامع للعالمين الحاصر لما في الكونين. وعلمهم بصدور الأفعال البهيمية التي هي الإفساد في الأرض، والسبعية المعبر عنها بسفك الدماء اللتين هما من خواص قوّة الشهوة والغضب الضروري وجودهما في تعلق الروح بالبدن، وبنزاهة ذواتهم وتقدّس نفوسهم عن ذلك، إذ كل طبقة من الملائكة المقدّسة تطلع على ما تحتها وما في أنفسها ولا تطلع على ما فوقها، فهي تعلم أنه لا بدّ في تعلق الروح العلوي النوراني بالبدن السفلي الظلماني من واسطة تناسب الروح من وجه، وتناسب الجسم من وجه، هي النفس، وهي مأوى كل شرّ، ومنبع كل فساد. ولا تعلم أن الجمعية الإنسانية جالبة للنور الإلهيّ الذي هو سرّ {إني أعلم ما لا تعلمون} والفرق بين التسبيح والتقديس، أن التسبيح: هو التنزيه عن الشريك والعجز والنقص. والتقديس: هو التنزيه عن التعلق بالمحل وقبول الانفعال وشوائب الإمكان والتعدّد في ذاته وصفاته وكون شيء من كمالاته بالقوة. فالتقديس أخص، إذ كل مقدّس مسبح وليس كلّ مسبح مقدساً، فالملائكة المقرّبون الذين هم الأرواح المجرّدة بتجرّدهم وعدم احتجابهم عن نور ربهم وقهرهم ما تحتهم بإضافة النور عليهم، وتأثيرهم في غيرهم، وكون جميع كمالاتهم بالفعل مقدّسون وغيرهم من الملائكة السماوية والأرضية مسبّحون ببساطة ذواتهم وخواص أفعالهم وكمالاتهم.