خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
٥١
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٥٢
صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ
٥٣
-الشورى

تفسير القرآن

{وما كانَ لبشر أن يكلمه الله إلاَّ وحياً} أي: إلا بثلاثة أوجه، إما بوصوله إلى مقام الوحدة والفناء فيه ثم التحقق بوجوده في مقام البقاء فيوحي إليه بلا واسطة كما قال الله تعالى: { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ * فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ } [النجم، الآيات:8 - 10]. {أو من وراء حجاب} بكونه في حجاب القلب ومقام تجليات الصفات فيكلمه على سبيل المناجاة والمكالمة والمكاشفة والمحادثة دون الرؤية لاحتجابه بحجاب الصفات كما كان حال موسى عليه السلام {أو يرسل رَسُولاً} من الملائكة فيوحي إليه على سبيل الإلقاء والنفث في الروع والإلهام أو الهتاف أو المنام كما قال عليه السلام: "إنّ روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها"، {إنَّه علي} من أن يواجه ويخاطب، بل يفنى ويتلاشى من يواجهه لعلوه من أن يبقى معه غيره ويحتمل شيء حضوره {حَكِيم} يدبّر بالحكمة وجوه التكليم ليظهر علمه في تفاصيل المظاهر ويكمل به عباده ويهتدوا إليه ويعرفوه.
ومثل ذلك الإيحاء على الطرق الثلاثة: {أوحينا إليك روحاً} تحيا به القلوب الميتة {من} عالم {أمرنا} المنزّه عن الزمان المقدّس عن المكان {ما كنت تدري ما الكتاب} أي العقل الفرقاني الذي هو كمالك الخاص بك {ولا الإيمان} أي: الخفي الذي حصل لك عند البقاء بعد الفناء حال كونك محجوباً باغواشي نشأتك وحال وصولك لفنائك وتلاشي وجودك {ولكن جعلناه نوراً} عند استقامتك {نهدي به من نشاء من عِبَادنا} المخصوصين بالعناية الأزلية، إما المحبوبين وإما المحبين {وإنك} أيُّها الحبيب {لتهدي} بنا من تشاء {إلى صراطٍ مستقيم} لا يبلغ كنهه ولا يدرى وصفه.
{صِرَاط الله} المخصوص به، أي: طريق التوحيدي الذاتي الشامل للتوحيد الصفاتي والأفعالي المسمى توحيد الملك، أعني سير الذات الأحدية مع جميع الصفات الظاهرة، والباطنة بمالكية سموات الأرواح وأرض الجسم المطلق {ألا إلى الله تَصِير الأمور} بالفناء فيه، فينادي بذاته:
{ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } [غافر، الآية:16] ويجيب هو نفسه بقوله: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ } [غافر، الآية:16]، والله تعالى أعلم.