خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً
٤٧
-الفرقان

روح البيان في تفسير القرآن

{وهو} اى الله تعالى وحده {الذى جعل لكم الليل لباسا} كاللباس يستركم بظلامه كما يستر اللباس فشبه ظلامه باللباس فى الستر. واصل اللبس ستر الشىء وجعل اللباس وهو ما يلبس اسما لكل ما يغطى الانسان من قبيح وجعل الزوج لزوجها لباسا فى قوله { هن لباس لكم وانتم لباس لهن } من حيث انه يمنعها عن تعاطى قبيح وجعل التقوى لباسا فى قوله { ولباس التقوى } على طريق التمثيل والتشبيه، فان قلت اذا كان ظلمة الليل لباسا فلا حاجة الى ستر العورة فى صلاة الليل، قلت لااعتبار لستر الظلمة فان ستر العورة باللباس ونحوه لحق الصلاة هو باق فى الظلمة والضوء {والنوم سباتا} النوم استرخاء اعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد والسبت قطع العمل ويوم سبتهم يوم قطعهم للعمل وسمى يوم السبت لذلك او لانقطاع الايام عنده لان الله تعالى ابتدأ بخلق السموات والارض يوم الاحد فخلقها فى ستة ايام فقطع عمله يوم السبت كما فى المفردات. والمعنى وجعل النوم الذى يقع فى الليل غالبا راحة للابدان بقطع المشاغل والاعمال المختصة بحال اليقظة او جعله موتا فعبر عن القطع بالسبات الذى هو الموت لما بينهما من المشابهة التامة فى انقطاع الحياة وعليه قوله تعالى { وهو الذى يتوفاكم بالليل } فالموت والنوم من جنس واحد خلا ان الموت هو الانقطاع الكلى اى انقطاع ضوء الروح عن ظاهر البدن وباطنه والنوم هو الانقطاع الناقص اى انقطاع ضوء الروح عن ظاهره دون باطنه والمسبوت الميت لانقطاع الحياة عنه والمريض المغشى عليه لزوال عقله وتمييزه وعليه قولهم مثل المبطون والمفلوج والمسبوت ينبغى ان لا يبادر الى دفنهم حتى يمضى يوم وليلة ليتحقق موتهم {وجعل النهار نشورا} النهار الوقت الذى ينتشر فيه الضوء وهو فى الشرع مابين طلوع الفجر الى غروب الشمس وفى الاصل مابين طلوع الشمس الى غروبها والنشور اما من الانتشار اى وجعل النهار ذا نشور اى انتشار ينتشر فيه الناس لطلب المعاش وابتغاء الرزق كما قال { لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } او من نشر الميت اذا عاد حيا اى وجعل النهار زمام بعث من ذلك السبات والنوم كبعث الموتى على حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه اى نفس البعث على طريق المبالغة، وفيه اشارة الى ان النوم واليقظة انموذج للموت والنشور، وعن لقمان عليه السلام يابنى كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر: وفى المثنوى

نوم ماجون شد اخ الموت اى فلان زين برادر آن برادررا بدان

وفى الآية رخصة للمنام بقدر دفع الضرورة وهو فتور البدن، قال بعض الكبار النوم راحة للبدن والمجاهدات اتعاب البدن فيتضادان وحقيقة النوم سد حواس الظاهر لفتح حواس القلب والحكمة فى النوم ان الروح القدسى او اللطيفة الربانية او النفس الناطقة غريبة جدا فى هذا الجسم السفلى مشغولة باصلاحه وجلب منافعه ودفع مضاره محبوسة فيه مادام المرء يقظان فاذا نام ذهب الى مكانه الاصلى ومعدنه الذاتى فيستريح بواسطة لقاء الارواح ومعرفة المعانى والغيوب مما يتلقى فى حين ذهابه الى عالم الملكوت من المعانى التى يراها بالامثلة فى عالم الشهادة وهو السر فى تعبير الرؤيا فاذا هجر المجاهد النوم والاستراحة ذابت عليه اجزاء الاركان الاربعة من الترابية والمائية والنارية والهوائية فيعرى القلب حينئذ عن الحجب فينظر الى عالم الملكوت بعين قلبه فيشتاق الى ربه وربما يرى المقصود فى نومه كما حكى عن شاه شجاع انه لم ينم ثلاثين سنة فاتفق انه نام ليلة فرأى الحق سبحانه فى منامه ثم بعد ذلك كان يأخذ الوسادة معه ويضطجع حيث كان فسئل عن ذلك فانشأ يقول

رأيت سرور قلبى فى منامى فاحببت التنعس والمناما

فهذا حال اهل النهاية فانهم حيث كانت بصيرتهم يقظانة كان منامهم فى حكم اليقظة ولذا قال بعضهم

مشو بمرك زامداد اهل دل نوميد كه خواب مردم آكاه عين بيداريست

واما حال غيرهم فكما قيل

سر آنكه ببالين نهد هوشمند كه خوابش بقهر آورد دركمند

وعن ذى النون المصرىرحمه الله ثلاثة من اعلام العبادة حب الليل للسهر فى الطاعة والخلوة بالصلاة وكراهة النهار لرؤية الناس والغفلة عن الصلاة والمبادرة بالاعمال مخافة الفتنة، قال بعضهم جعل الليل وقتا لسكون قوم ووقتا لانزعاج آخرين فارباب الغفلة يسكنون فى ليلهم والمحبون يسهرون فان كانوا فى روح الوصال فلا يأخذهم النوم لكمال انسهم وان كانوا فى ألم الفراق فلا يأخذهم النوم لكمال قلقهم فالسهر للاحباب صفة اما لكمال السرور او لهجوم الغموم ثم الادب عند الانتباه ان يذهب بباطنه الى الله تعالى ويصرف فكره الى امر الله قبل ان يجول الفكر فى شىء سوى الله ويشغل اللسان بالذكر فالصادق كالطفل الكلف بالشىء اذ انام ينام على محبة الشىء واذا انتبه يطلب ذلك الذى كان كلفا به وعلى هذا الكلف والشغل يكون الموت والقيام الى الحشر فلينظر وليعتبر عند انتباهه من النوم ماهمه فانه يكون هكذا عند القيام من القبران كان همه الله والا فهمه غير الله، وفى الخبر "اذا نام العبد عقد الشيطان على رأسه ثلاث عقد فان قعد وذكر الله تعالى انحلت عقدة فان توضأ انحلت اخرى وان صلى ركعتين انحلت كلها فاصبح نشيطا طيب النفس والا اصبح كسلان خبيث النفس" وفى خبر آخر "ان نام حتى يصبح بال الشيطان فى اذنه" والعياذ بالله من شر النفس والشيطان.