خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً
٨٦
-النساء

روح البيان في تفسير القرآن

{واذا حييتم بتحية} التحية مصدر من حيى كالتسمية من سمى اصلها تحيية كتفعلة واصل الاصل تحييى بثلاث ياآت فحذفت الأخيرة وعوض عنها تاء التأنيث وادغمت الاولى فى الثانية بعد نقل حركتها الى الحاء واصل التحية الدعاء بالحياة وطولها ثم استعملت فى كل دعاء لان الدعاء بالخير لا يخلو شىء منه عن الدعاء بنفس الحياة او بما هو السبب المؤدى الى قوتها وكمالها او بما هو الغاية المطلوبة منها وكانت العرب اذا لقى بعضهم بعضا يقول حياك الله اى جعل الله لك حياة واطال حياتك ويقول بعضهم عش الف سنة. ثم استعملها الشرع فى السلام وهى تحية الاسلام قال تعالى { فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله } [النور: 61].
قيل تحية النصارى وضع اليد على الفم وتحية اليهود الاشارة بالاصابع وتحية المجوس الانحناء. وفى السلام مزية على تحية العرب وهى حياك الله لما انه دعاء بالسلامة من الآفات الدينية والدنيوية فانه اذا قال الانسان لغيره السلام عليك فقد دعا فى حقه بالسلامة منها ويتضمن الوعد بسلامة ذلك الغير وامانه منه كأنه قال انت سليم منى فاجعلنى سليما منك والسلامة مستلزمة لطول الحياة وليس فى الدعاء بطول الحياة ذلك ولان السلام من اسمائه تعالى فالبداية بذكره مما لا ريب في فضله ومزيته ومعنى الآية اذا سلم عليكم من جهة المؤمنين {فحيوا بأحسن منها} اى بتحية احسن منها بان تقولوا وعليكم السلام ورحمة الله ان اقتصر المسلم على الاول وبان تزيدوا وبركاته ان جمعها المسلم وهو ان يقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته منتهى الامر فى السلام لكونه مستجمعا لجميع فنون المطالب التى هى السلامة من المضار ونيل المنافع ودوامها ونمائها ولهذا اقتصر على هذا القدر فى التشهد ـ روى ـ عنه عليه السلام انه قال
"من قال السلام عليكم كتب له عشر حسنات ومن قال السلام عليكم ورحمة الله كتب له عشرون حسنة ومن قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة"
.والمبتدىء بالسلام ان شاء يقول السلام عليكم وان شاء يقول سلام عليكم لان كل واحد من التعريف والتنكير وارد فى الفاظ القرآن قال الله تعالى { والسلام على من اتبع الهدى } [طه: 47].
{ وسلام على عباده الذين اصطفى } [النمل: 59].
لكن التنكير اكثر والكل جائز. واما التحليل من الصلاة فلا بد فيه من الالف واللام بالاتفاق ومعنى الجمع فى السلام عليكم الخطاب الى الرجل والملكين الحافظين معه فانهما يردان السلام ومن سلم عليه الملك فقد سلم من عذاب الله تعالى {او ردوها} اى ردوا مثلها واجيبوا به لان رد عينها محال فحذف المضاف نحو
{ واسأل القرية } [يوسف: 82].
قال فى الكشاف رد السلام ورجعه جوابه بمثله لان المجيب يرد قول المسلم ويكرر ـ وروى ـ
"ان رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم السلام عليك فقال وعليك السلام ورحمة الله وقال الآخر السلام عليك ورحمة الله فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته وقال الآخر السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال وعليك فقال الرجل نقصتنى فأين ما قال الله وتلا الآية (اى أين رد الاحسن المذكور فى الآية) فقال عليه السلام انك لم تترك لى فضلا فرددت عليك مثله"
.فيكون قوله عليه السلام وعليك اى وعليك السلام ورحمة الله وبركاته من قبيل رد المثل وجواب التسليم واجب وانما التخيير بين الزيادة وتركها.
قال ابو يوسف من قال لآخر اقرىء فلانا منى السلام وجب عليه ان يفعل واذا ورد سلام فى كتاب فجوابه واجب بالكتاب للآية {ان الله كان على كل شىء حسيبا} الحسيب بمعنى المحاسب على العمل كالجليس بمعنى المجالس اى انه تعالى كان على كل شىء من اعمالكم سيما رد السلام بمثله او باحسن منه محاسبا مجازيا فحافظوا على مراعاة التحية حسبما امرتم به.
فالجمهور على ان الآية فى السلام فالسنة ان يسلم الراكب على الماشى وراكب الفرس على راكب الحمار والصغير على الكبير والقليل على الكثير ويسلم على الصبيان وهو افضل من تركه.
قال فى البستان وبه نأخذ ويسلم على اهل بيته حين يدخله فان دخل بيتا ليس فيه احد فليقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فان الملائكة ترد عليه السلام ويسلم على القوم حين يدخل عليهم وحين يفارقهم ايضا فمن فعل ذلك شاركهم فى كل خير عملوه بعده.
قال القرطبى ولا يسلم على النساء الشابات الاجانب خوف الفتنة من مكالمتهن بنزغة شيطان او خائنة عين. واما السلام على المحارم والعجائز فحسن ويسلم على اهل الاسلام من عرف منهم ومن لم يعرف. ولا يسلم على لاعب النرد والشطرنج والمغنى والقاعد لحاجته ومطير الحمام والعارى فى الحمام وغيره.
قال ابن الشيخ فى حواشيه ومن دخل الحمام ورأى الناس متزرين يسلم عليهم وان لم يكونوا متزرين لا يسلم عليهم لانه لا يسلم على المشتغل بمعصية انتهى لكن قال الام الغزالى فى الاحياء لا يسلم عند الدخول اى فى الحمام وان سلم عليه لم يجب بلفظ السلام بل يسكت ان اجاب غيره وان احب ان يجيب قال عافاك الله ولا بأس ان يفتتح الداخل ويقول عافاك الله لابتداء الكلام انتهى ولا يرد القاضى اذا سلم عليه الخصمان وكذا لا يسلم القاضى على الخصوم اذا جلس للحكم لتبقى الهيبة وتكثر الحشمة وبهذا جرى الرسم بان الولاة والامراء لا بأس بان لا يسلموا اذا دخلوا فالمحتسب لا يسلم على اهل السوق فى طوافه للحسبة ليبقى على الهيبة.
وقال بعضهم لا يسع القاضى والوالى والامير ترك السلام اذا دخلوا لانه سنة فلا يسعهم ترك السنة بسبب تقلد العمل وكذا المتصدق اذا سلم عليه السائل او ان سؤاله لا يرد وكذا من له ورد من القرآن والدعوات فسلم عليه احد فى حال ورده لا يرد وكذا اذا جلس فى المسجد للتسبيح او للقراءة او لانتظار الصلاة واذا دخل الزائر فى المسجد فسلم عليه احد من الداخلين فى المسجد يجوز واذا لم يكن فى المسجد يجوز واذا لم يكن فى المسجد احد الا من يصلى ينبغى ان يقول الداخل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ولا يسلم فانه تكليف جواب فى غير محله حتى لا يرده قبل الفراغ وبعده وهو الصحيح. ولا يبادر بالسلام على الذمى الا لضرورة او حاجة له عنده ولا بأس بالدعاء للكافر والذمى بما يصلحه فى دنياه.
قال ابن الملك الدعاء لاهل الكتاب بمقابلة احسانهم غير ممنوع لما روى ان يهوديا حلب للنبى عليه السلام لقحة فقال عليه السلام
"اللهم جمله"
.فبقى سواد شعره الى قريب من سبعين سنة.
قال النووى الصواب ان ابتداء اهل الكتاب بالسلام حرام لانه اعزاز ولا يجوز اعزاز الكفار.
وقال الطيبى المختار ان المبتدع لا يبدأ بالسلام ولو سلم على من لا يعرفه فظهر ذميا او مبدعا يقول استرجعت سلامى تحقيرا له. واما الاكل مع الكافر فان كان مرة او مرتين لتأليف قلبه على الاسلام فلا بأس فانه صلى الله عليه وسلم اكل مع كافر مرة فحملناه على انه كان لتأليف قلبه على الاسلام ولكن تكره المداومة عليه كما فى نصاب الاحتساب. وفيه ايضا هل يحتسب على المسلم اذا شارك ذميا الجواب نعم اما فى المفاوضة فلأنها غير جائزة بين المسلم والذمى فكان الاحتساب عليه لدفع التصرف الفاسد. واما فى العنان فلأنها مكروهة بين المسلم والذمى من شرح الطحاوى فكان الاحتساب لدفع المكروه واذا سلم الذمى فقل عليك بلا واو وهو الرواية من الثقات او عليك مثله.
قال فى الكشف ولا يقال لاهل الذمة وعليكم بالواو لانها للجمع وقال عليه السلام
"اذا سلم عليكم احد من اليهود فانما يقول السام عليكم فقل عليك"
.اى عليك مثله "ـ روى ـ انه عليه السلام اتاه ناس من اليهود فقالوا السام عليكم يا ابا القاسم فقال عليكم فقالت عائشة بل عليكم السام والزام فقال عليه السلام يا عائشة ان الله لا يحب الفحش والتفحش قالت فقلت اما سمعت ما قالوا قال أو ليس قد رددت عليهم فيستجاب لى فيهم ولا يستجاب لهم فى"
.والسنة الجهر فى السلام لقوله عليه السلام "افشوا السلام"
.وعن ابى حنيفة رحمة الله عليه لا يجهر بالرد يعنى الجهر الكثير ـ وحكى ـ ان سياحا دخل على عالم فسلم عليه فرد عليه السلام وخافت ثم دخل عليه غنى فسلم فرد عليه الجواب وجهر فصاح السياح وقال رحمك الله ما تقول فى السلام أعلى نوعين ام على ثلاثة انواع فقال لا بل على نوع واحد فقال ايد الله الفقيه ارى السلام ههنا على نوعين فتحير الفقيه وخجل فى نفسه فقال ايد الله الفقيه اسألك مسألة ما تقول فيمن حلف لا يدخل الدار التى بنيت بغير سنة فدخل دارك هذه أيحنث ام لا فسكت الفقيه فلم يجبه فقال تلاميذ الفقيه للسياح اخرج فانك شغلتنا فقال ايها الشبان ما مثله ومثلكم الا كمثل ضال ضل طريقه فجعل يسترشد من ضال مثله ارشده ام لا فهذا استاذكم ضل طريق الآخرة وانتم جئتم تطلبون منه ان يرشدكم فأنى يرشدكم ثم خرج كذا فى روضة العلماء: قال الصائب

زبى دردان علاج درد خود جستن بان ماند كه خار ازبا برون آردكسى بانيش عقربها

الى هنا كلام الاحياء فاذا بلغ المقابر ومر بها قال وعليكم السلام اهل الديار من المسلمين والمؤمنين رحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين منا انتم لنا سلف ونحن لكم تبع وانا ان شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية وفى الحديث "ما من عبد يمر بقبر رجل كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه الا عرفه ورد عليه السلام"
.قال ابن السيد على فى شرح الشرعة وعل المراد انه يرد السلام بلسان الحال لا بلسان المقال يؤيده فى بعض الاخبار من انهم يتأسفون على انقطاع الاعمال عنهم حتى يتحسرون على رد السلام وثوابه انتهى.
قال الامام السيوطىرحمه الله الاحاديث والآثار تدل على ان الزائر متى جاء علم به المزور وسمع كلامه وأنس به ورد عليه وهذا عام فى حق الشهداء وغيرهم وانه لا توقيت فى ذلك وهو الاصح لان رسول الله صلى الله عليه وسلم شرع لامته ان يسلموا على اهل القبور سلام من يخاطبون من يسمع ويعقل.
قال ارباب الحقيقة للروح اتصال بالبدن بحيث يصلى فى قبره ويرد على المسلم عليه وهو فى الرفيق الاعلى ومقره فى عليين ولا تنافى بين الامرين فان شأن الارواح غير شأن الابدان وانما يأتى الغلط هنا من قياس الغائب على الشاهد فيعتقد ان الروح مما يعهد من الاجسام التى اذا شغلت مكانا لم يمكن ان تكون فى غيره.
وقد مثل بعضهم بالشمس فى السماء وشعاعها فى الارض كالروح المحمدى يرد على من يصلى عليه عند قبره دائما مع القطع بان روحه فى اعلى عليين وهو لا ينفك عن قبره كما قال عليه السلام
"ما من مسلم يسلم على الا رد الله علىّ روحى حتى ارد عليه السلام"
.فان قلت هل يلزم تعدد الحياة من تلك وكيف يكون ذلك.
قلت يؤخذ من هذا الحديث ان النبى صلى الله عليه وسلم حى على الدوام فى البرزخ الدنيوى لانه محال عادة ان يخلوا الوجود كله من واحد يسلم على النبى عليه السلام فى ليل او نهار فقوله صلى الله عليه وسلم
"رد الله على روحى"
.اى ابقى الحق فى شعور حياتى الحسى فى البرزخ وادراك حواسى من السمع والنطق فلا ينفك الحس والشعور الكلى عن الروح المحمدى الكلى ليس له غيبة عن الحواس والاكوان لانه روح العالم الكلى وسره السارى: قال العطار قدس سره فى نعت النبى المختار

خواجه كزهرجه كويم بيش بود درهمه جيزى همه دربيش بود
وصف اودر كفت جون آيدمرا جون عرق ازشرم خون آيدمرا
او فصيح عالم ومن لال او كى توانم داد شرح حال او
وصف اوكى لائق اين ناكسست واصف او خالق عالم بسست
انبيا از وصف توحيران شده سرشناسان نيز سركردان شده

والاشارة فى الآية {واذا حييتم بتحية} من الخير والشر {فحيوا باحسن منها} اما الخير فبخير احسن منه واما الشر فبحلم وعفو او مكافاة بالخير {او ردوها} يعنى كافئوا المحسن بمثل احسانه والمسيىء بمثل اساءته يدل عليه قوله تعالى { وجزاء سيئة سيئة مثلها } [الشورى: 40].
وقال
{ وإن تعفوا أقرب للتقوى } [البقرة: 237].
وقد
"ورد عن النبى عليه السلام عن جبريل عن الله تعالى فى تفسير قوله {خذ العفو وائمر بالعرف واعرض عن الجاهلين} وقال النبى عليه السلام تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطى من حرمك"
.{ان الله كان على كل شىء} من العفو والاحسان {حسيبا} محاسبا فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره كذا فى التأويلات النجمية.