خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٣٢
-الأحقاف

روح البيان في تفسير القرآن

{ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز فى الارض} اى فليس بمعجز له تعالى بالهرب وان هرب كل مهرب من اقطارها او دخل فى اعماقها {وليس له من دونه اولياء} بيان لاستحالة نجاته بواسطة الغير اثر بيان استحالة نجاته بنفسه وجمع الاولياء باعتبار معنى من فيكون من باب مقابلة الجمع بالجمع لانقسام الاحاد الى الآحاد {اولئك} الموصوفون بعدم اجابة الداعى {فى ضلال مبين} اى ظاهر كونه ضلالا بحيث لا يخفى على احد حيث اعرضوا عن اجابة من هذا شأنه وفى الحديث "الا اخبركم عنى وعن ملائكة ربى البارحة حفوا بى عند راسى وعند رجلى وعن يمينى وعن يسارى فقالوا يا محمد تنام عينك ولا ينام قلبك فلتعقل ما نقول فقال بعضهم لبعض اضربوا لمحمد مثلا قال قائل مثله كمثل رجل بنى دارا وبعث داعيا يدعو فمن اجاب الداعى دخل الدار وأكل مما فيها ومن لم يجب الداعى لم يدخل الدار ولم يأكل مما فيها وسخط السيد عليه ومحمد الداعى فمن اجاب محمدا دخل الجنة ومن لم يجب محمدا لم يدخل الجنة ولم يأكل مما فيها ويسخط السيد عليه" وفى الآية دليل بين على انه عليه السلام مبعوث الى الجن والانس جميعا ولم يبعث قبله نبى اليهما واما سليمان عليه السلام فلم يبعث الى الجن بل سخروا له وفى فتح الرحمن ولم يرسل عليه السلام الى الملائكة صرح به البيهقى فى الباب الرابع من شعب الايمان وصرح فى الباب الخامس عشر بأنفكاكهم من شرعه وفى تفسير الامام الرازى والبرهان النسفى حكاية الاجماع قال ابن حامد من اصحاب احمد ومذهب العلماء اخراج الملائكة عن التكليف والوعد والوعييد وهم معصومون كالانبياء بالاتفاق الا من استثنى كابليس وهاروت وماروت على القول بأنهم من الملائكة انتهى وفى الحديث "ارسلت الى الخلق كافة" والخلق يشمل الانس والجن والملك والحيوانات والنبات والحجر قال الجلال السيوطى وهذا القول اى ارساله للملائكة رجحته فى كتاب الخصائص وقد رجحه قبلى الشيخ تقى الدين السبكى وزاد انه مرسل لجميع الانبياء والامم السابقة من لدن آدم الى قيام الساعة ورجحه ايضا البارزى وزاد انه مرسل الى جميع الحيوانات والجمادات وازيد على ذلك انه مرسل لنفسه.
يقول الفقير اختلف أهل الحديث فى شأن الملائكة هل هم من الصحابة او لا فقال البلقينى ليسوا داخلين فى الصحابة وظاهر كلامهم كالامام الرازى انهم داخلون ففيه ان الامام كيف يعد الملائكة من الصحابة وقد حكى الاجماع على عدم الارسال وبعيد أن يكونوا من صحابته وامته عليه السلام من غير ان يرسل اليهم واختلف فى حكم مؤمنى الجن فقيل لا ثواب لهم الا النجاة من النار لقوله تعالى
{ يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب اليم } حيث صرح باقتصارهم على المغفرة والاجارة وبه قال الحسن البصرىرحمه الله حيث قال ثوابهم ان يجاروا من النار ثم يقال لهم كونوا ترابا مثل البهائم قال الامام النسفى فى التيسر توقف ابو حنيفة فى ثواب الجن ونعيمهم وقال لا استحقاق للعبد على الله وانما ينال بالوعد ولا وعد فى حق الجن الا المغفرة والاجارة فهذا يقطع القول به واما نعيم الجنة فموقوف على قيام الدليل انتهى قال سعدى المفتى وبهذا تبين ان ابا حنيفة موقف لا جازم بأنه لا ثواب لهم كما زعم البيضاوى يعنى ان المروى عن ابى حنيفة انه توقف فى كيفية ثوابهم لا انه قال لا ثواب لهم وذلك ان فى الجن مسلمين ويهودا ونصارى ومجوسا وعبدة أوثان فلمسلميهم ثواب لا محالة وان لم نعلم كيفيته كما ان الملائكة لا يجازون بالجنة بل بنعيم يناسبهم على اصح قول العلماء واما رؤية الله تعالى فلا يراه الملائكة والجن فى رواية كما فى انسان العيون والظاهر ان رؤيتهم من واد ورؤية البشر من واد فمن نفى الرؤية عنهم نفاها بهذا المعنى والا فالملائكة اهل حضور وشهود فكيف لا يرونه وكذا مؤمنوا الجن وان كانت معرفتهم دون معرفة الكمل من البشر على ما صرح به بعض العلماء وفى البزازية ذكر فى التفاسير توقف الامام الاعظم فى ثواب الجن لانه جاء فى القرءآن فيهم { يغفر لكم من ذنوبكم } والمغفرة لا تستلزم الاثابة قالت المعتزلة اوعد لظالميهم فيستحق الثواب صالحوهم قال الله تعالى { واما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } قلنا الثواب فضل من الله تعالى لا بالاستحقاق فان قيل قوله تعالى { فبأى آلاء ربكما تكذبان } بعد عد نعيم الجنة خطاب للثقلين فيرد ما ذكرتم قلنا ذكر ان المراد منه التوقف فى المآكل والمشارب والملاذ والدخول فيه كدخول الملائكة للسلام والزيارة والخدمة والملائكة يدخلون عليهم من كل باب الآية انتهى والصحيح كما فى بحر العلوم والاظهر كما فى الارشاد ان الجن فى حكم بنى آدم ثوابا وعقابا لانهم مكلفون مثلهم ويدل عليه قوله تعالى فى هذه السورة { ولكل درجات مما عملوا } والاقتصار لان مقصودهم الانذار ففيه تذكير بذنوبهم.
وازحمزة بن حبيبرحمه الله برسيدندكه مؤمنان جن را ثواب هست فرمودكه آرى وآيت لم يطمثهن انس قبلهم ولا جان بخواند وكفت الانسيات للانس والجنيات للجن.
فدل على تأتى الطمث من الجن لان طمث الحور العين انما يكون فى الجنة وفى آكام المرجان فى احكام الجان اختتف العلماء فى مؤمنى الجن هل يدخلون الجنة على اقوال احدها انهم يدخلونها وهو قول جمهور العلماء ثم اختلف القائلون بهذا القول اذا دخلوا الجنة هل يأكلون فيها ويشربون فعن الضحاك يأكلون ويشربون وعن مجاهد انه سئل عن الجن المؤمنين ايدخلون الجنة قال يدخلونها ولكن لا يأكلون ولا يشربون بل يلهمون التسبيح والتقديس فيجدون فيه ما يجده اهل ألجنة من لذة الطعام والشراب وذهب الحارث المحاسبى الى ان الجن الذين يدخلون الجنة يكونون يوم القيامة بحيث نراهم ولا يروننا عكس ما كانوا عليه فى الدنيا والقول الثانى انهم لا يدخلونها بل يكونون فى ربضها اى ناحيتها وجانبها يراهم الانس من حيث لا يرونهم والقول الثالث انهم على الاعراف كما جاء فى الحديث
"ان مؤمنى الجن لهم ثواب وعليهم عقاب وليسوا من أهل الجنة مع امة محمد هم على الاعراف حائط الجنة تجرى فيه الانهار وتنبت فيه الاشجار والثمار" ذكره صاحب الفردوس الكبير وقال الحافظ الذهبى هذا حديث منكر جدا وفى الحديث "خلق الله الجن ثلاثة اصناف صنفا حيات وعقارب وخشاش الارض وصنفا كالريح فى الهوآء وصنفا عليه الثواب والعقاب وخلق الله الانس ثلاثة اصناف صنفا كالبهائم كما قال تعالى (لهم قلوب لا يفقهون بها) الى قوله (اولئك كالانعام) الآية وصنفا اجسادهم كأجساد بنى آدم وارواحهم كأرواح الشياطين وصنفا فى ظل الله يوم لا ظل الا ظله" رواه ابو الدردآء رضى الله عنه والقول الرابع الوقف واحتج أهل القول الاول بوجوه الاول العمومات كقوله تعالى { وازلفت الجنة للمتقين } وقوله عليه السلام "من شهد ان لا اله الا الله خالصا دخل الجنة" فكما انهم يخاطبون بعمومات الوعيد بالاجماع فكذلك يخاطبون بعمومات الوعد بالطريق الاولى ومن أظهر حجة فى ذلك قوله تعالى { ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأى } الى آخر السورة والخطاب للجن والانس فامتن عليهم بجزآء الجنة ووصفها لهم وشوقهم اليها فدل ذلك على انهم ينالون ما امتن عليهم به اذا آمنوا وقد جاء فى الحديث ان رسول الله عليه السلام قال لاصحابه لما تلا عليهم هذه السورة "الجن كانوا احسن ردا منكم ما تلوت عليهم من آية الا قالوا ولا بشئ من آلائك ربنا نكذب" والثانى ما استدل به ابن حزم من قوله تعالى { ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك خير البرية جزآؤهم } الى آخر السورة قال وهذه صفة تعم الجن والانس عموما لا يجوز البتة ان يخص منها احد النوعين ومن المحال ان يكون الله يخبرنا بخبر عام وهو لا يريد الا بعض ما اخبرنا به ثم لا يبين لنا ذلك هذا هو ضد البيان الذى ضمنه الله لنا فكيف وقد نص على انهم من جملة المؤمنين الذين يدخلون الجنة والثالث ما سبق من خبر الطمث والرابع ما قال ابن عباس رضى الله عنهما الخلق اربعة فخلق فى الجنة كلهم وخلق فى النار كلهم وخلقان فى الجنة والنار فاما الذين فى الجنة كلهم فالملائكة واما الذين فى النار كلهم فالشياطين واما الذين فى الجنة والنار فالانس والجن لهم الثواب وعليهم العقاب والخامس ان العقل يقوى ذلك وان لم يوجبه وذلك ان الله سبحانه الحكم العدل فان قيل قد أوعد الله من قال من الملائكة انى اله من دونه بالنار ومع هذا ليسوا فى الجنة فى الجواب ان المراد بذلك ابليس دعا الى عبادة نفسه فنزلت الآية فيه وهى { ومن يقل منهم انى اله من دونه فذلك نجزيه جهنم } وايضا ان ذلك وان سلمنا ارادة العموم منه فهذا لا يقع من الملائكة بل هو شرط والشرط لا يلزم وقوعه وهو نظير قوله { لئن اشركت ليحبطن عملك } والجن يوجد منهم الكافر فيدخل النار واحتج اهل القول الثانى بقوله تعالى { يغفر لكم } الخ حيث لم يذكر دخول الجنة نفيه وايضا ان الله اخبر أنهم ولوا الى قومهم منذرين فالمقام مقام الانذار لا مقام بشارة وايضا ان هذه العبارة لا تقتضى نفى دخول الجنة لان الرسل المتقدمين كانوا ينذرون قومهم بالعذاب ولا يذكرون دخول الجنة لان التخويف بالعذاب اشد تأثيرا من الوعد بالجنة كما اخبر عن نوح فى قوله { انى اخاف عليكم عذاب يوم أليم } وعن هود { عذاب يوم عظيم } وعن شعيب { عذاب يوم محيط } وكذلك غيرهم وايضا ان ذلك يستلزم دخول الجنة لان من غفر ذنوبه واجير من العذاب وهو مكلف بشرآئع الرسل فانه يدخل الجنة وقد سبق دليل القول الثالث والرابع والعلم عند الله الملك المتعال واليه المرجع والمآل