خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ
١٢٠
وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٢١
-التوبة

روح البيان في تفسير القرآن

{ما كان لأهل المدينة} اى ما صح وما استقام لهم والمدينة علم بالغلبة لدار الهجرة كالنجم للثريا اذا اطلقت فهى المرادة وان اريد غيرها قيد والنسبة اليها مدنى ولغيرها من المدن مدينى للفرق بينهما كما فى انسان العيون.
قال الامام النووى لا يعرف فى البلاد اكثر اسماء منها ومن مكة.
وفى كلام بعضهم لها نحو مائة اسم منهادار الاخبار ودار الابرار ودار السنة ودار السلامة ودار الفتح والبارة وطابة وطيبة لطيب العيش بها ولان لعطر الطيب بها رائحة لا توجد فى غيرها وترابها شفاء من الجدام ومن البرص بل ومن كل داء وعجوتها شفاء من السم وقد خص الله تعالى مكة والمدينة بانهما لا يخلوان من اهل العلم والفضل والدين الى ان يرث الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين وهى اى المدنية تخرب قبل يوم القيامة باربعين عاما ويموت اهلها من الجوع {ومن حولهم الاعراب} [باديه نشينان} كمزينة وجهينه واشجع وغفار واضرابهم.
قال الكاشقى [وتخصيص اهالى مدينة وحوالى بجهت قرب بوده ومعرفت ايشان بخروج آن حضرت عليه السلام بطرف تبوك] {أن يتخلفوا عن رسول الله} عند توجهه الىالغزو واذا استنفرهم واستنهضهم كما فى حواشى ابن الشيخ وهذا نهى ورد بلفظ النفى للتأكيد {ولا} ان {يرغبوا بانفسهم عن نفسه} الباء للتعدية فقولك رغبت عنه معناه اعرضت عنه فعدى بالباء فاذا قلت رغبتى بنفسى عنه كأنك قلت جعلت نفسى راغبة عنه. فالمعنى اللغوى فى الآية ولا يجعلوا انفسهم راغبة ومعرضة عن نفسه عليه السلام وحاصل المعنى لا يصرفوا انفسهم عن نفسه الكريمة اى عما القى فيه نفسه من شدائد الغزو واهوالها ولا يصونها عما لا يصون عنه نفسه بل يكابدوا معه ما يكابده فانه لا ينبغى ان يختاروا لانفسهم الخفض والدعة ورغد العيش ورسول الله فى الحر والمشقة.
قال الحدادى لا ينبغى ان يكونوا بانفسهم آثر واشفق عن نفس محمد صلى الله عليه وسلم بل عليهم ان يجعلوا انفسهم وقاية للنبى عليه السلام لما وجب من الحقوق عليهم بدعائه لهم الى الايمان حتى اهتدوا به ونجوا من النار {ذلك} اى وجوب المتابعة فان النهى عن التخلف امر بضده الذى هو الامر بالمتابعة والمشايعة {بأنهم} اى بسبب انهم اذا كانوا معه عليه السلام {لا يصيبهم ظمأ} اى عطش يسير {ولا نصب} ولا تعب فى ابدانهم {ولا مخمصة} اى مجاعة ما {فى سبيل الله} واعلاء كلمته {ولا يطؤن} ولا يدوسون بارجلهم وحوافر خيولهم واخفاف رواحلهم {موطئا} دوسا فهو مصدر كالموعد او مكانا على ان يكون مفعولا {يغيظ الكفار} [بخشم آرد كافرانرا] اى لا يبلغون موضعا من اراضى الكفار من سهل او جبل يغيظ قلوبهم مجاوزة ذلك الموضع فان الانسان يغيظه ان يطأ ارضه غيره والغيظ انقباض الطبع برؤية ما يسوءه والغضب قوة طلب الانتقام {ولا ينالون} [ونيابند] فان النيل بالفارسية [يافتن] {من عدو} من قبلهم {نيلا} بمعنى الميل على ان يكون مفعولا به اى اى آفة محنة كالقتل والاسر والهزيمة والخوف {إلا كتب لهم به} اى بكل واحد من الامور المعدودة. قوله الا كتب فى محل النصب على انه حال من ظمأ وما عطف عليه اى لا يصيبهم ظمأ ولا كذا ولا كذا فى حال من الاحوال الا فى حال كونه مكتوبا لهم بذلك {عمل صالح} وحسنة مقبولة اى استوجبوا به الثواب الجزيل.
وقال الكاشفى يعنى [بهريك ازينها كه بديها رسد مستحق ثواب شوند ابن عباس كويد بهر ترسى كه از دشمن بدل ايشان رسد هفتاد درجه مى نويسد] هذا ما يدل عليه عامة التفاسير.
وقال ابن الشيخ فى حواشيه يقال نال منه اذا ازراه ونقصه وصرح بنيل شيء مما يتأذى الكفار من نيله وهذا المعنى غير المعنى الاول كما لا يخفى {إن الله لا يضيع أجر المحسنين} على احسانهم وهو تعليل لكتب وتنبيه على ان الجهاد احسان اما فى حق الكفار فلانه سعى فى تكميلهم باقصى ما يمكن كضرب المداوى للمجنون

سفيها ابود تأديب نافع جنونرا شربت جوبست دافع

واما فى حق المؤمنين فلانه صيانة لهم من سطوة الكفار واستيلائهم {ولا ينفقون} فى الجهاد {نفقة صغيرة} [نفقه اندك] ولو تمرة او علافة سوط او نعل فرس {ولا كبيرة} [ونه نفقه بزرك] مثل ما انفق عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما فى جيش العسرة وقد سبق عند قوله تعالى { الذين يلزمون المطوعين } [التوبة: 79].
الاية فى هذه السورة {ولا يقطعون} اى لا يجتازون فى مسيرهم الى ارض الكفار مقبلين ومدبرين {واديا} من الاودية وهو فى الاصل كل منفرج من الجبال والآكام ينفد فيه السيل اسم فاعل من ودى يدى اذا سال ثم شاع فى الارض على الاطلاق {إلا كتب لهم} اى اثبت لهم فى صحائفهم ذلك الذى فعلوه من الانفاق والقطع {ليجزيهم الله} بذلك متعلق بكتب {احسن ما كانوا يعملون} مفعول ثان ليجزيهم وما مصدرية اى ليجزيهم جزاء احسن اعمالهم بحذف المضاف فان نفس العمل لا يكون جزاء [درينا بيع فرموده اكر مثلا غازى راهزار طاعت باشد ويكى ازهمه نيكو تربود حق سبحانه وتعالى آنرا ثوابى عظيم دهد ونهصد ونودونه ديكررا بطفيل آن قبول كند وهريك را برابر آن ثوابى ارزانى دارد تاكرم او بنسبت مجاهدان برهمه كس ظاهر كرسد] ففى الجهاد فضائل لا توجد فى غيره وهو حرفة النبى عليه السلام.
وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال
"مر رجل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعب فيه عيينة من ماء عذب فاعجبته فقال لو اعتزلت الناس فاقمت فى هذا الشعب ولن افعل حتى استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك لرسول الله فقال لا تفعل فان مقام احدكم فى سبيل الله افضل من صلاته سبعين عاما ألا تحبون ان يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة اغزوا فى سبيل الله من قاتل فى سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة" قوله فواق ناقة وهو ما بين رفع يدك عن ضرعها وقت الحلبة ووضعها وقيل وهو ما بين الحلبتين. وفى الحديث دلالة على ان الجهاد والتصدى له افضل من العزلة للعبادة.
وقال فى فتح القريب يا هذا ليت شعرى من يقوم مقام هذا الصحابى فى عزلته وعبادته وطيب مطعمه ومع هذا قال النبى عليه السلام
"لا تفعل" وارشده الى الجهاد فكيف لواحد منا ان يتركه من اعمال لا يوثق بها مع قلتها وخطايا لا ينجى معها لكثرتها وجوارح لا تزال مطلقة فيما منعت منه ونفوس جامحة الا عما نهيت عنه ونيات لا يتحقق اخلاصها وتبعات لا يرجى بغير العناية خلاصها: قال الحافظ

كارى كنيم ورنه حجالت برآورد روزيكه رخت جان بجهان دكركشيم

واعلم ان المتخلف بعذر اذا كانت نيته خالصة يشارك المجاهد فى الاجر والثواب كما "روى انه عليه السلام لما رجع من غزوة تبوك قال ان اقواما خلفناهم بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا الا وهم معنا حبسهم العذر" يعنى يشاركوننا فى استحقاق الثواب لكونهم معنا نية وانما تخلفوا عنا للعذر ولولاه لكانوا معنا ذواتا.
قال ابن الملك ولا يظن منه التساوى وفى الثواب لان الله قال
{ فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما } } [النساء: 95] انتهى.
يقول الفقير اصلحه الله القدير هذه الآية مطلقة ساكتة عن بيان العذر وعدمه وقد قيدها الحديث المذكور ولا بعد فى ان يشترك المجاهد والمتخلف لعذر فى الثواب بل تاثير الهمة اشد ورب نية خير من عمل ولهذا شواهد لا تخفى على اولى الالباب.
والاشارة {ما كان لأهل المدينة} مدينة القلب واهلها النفس والهوى {ومن حولهم من الاعراب} اعراب الصفات النفسانية والقلبية {ان يتخلفوا عن رسول الله} عن رسول الروح اذ هو راجع الى الله وسائر اليه {لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} اى عن بذل وجوههم عند بذل وجوده بالفناء فى الله {ذلك بانهم لا يصيبهم ظمأ} من ماء الشهوات {ولا نصب} من انواع المجاهدات {ولا مخمصة} بتر اللذات وحطام الدنيا {فى سبيل الله} فى طلب الله {ولا يطئون موطئا} مقاما من مقامات الفناء {يغيظ الكفار} كفار النفس والهوى {ولا ينالون من عدو} عدو الشيطان والدنيا والنفس {نيلا} اى بلاء ومحنة وفقرا وفاقة جهدا وهما حزنا وغير ذلك من اسباب الفناء {الا كتب لهم به عمل صالح} من البقاء بالله قدر الفناء فى الله {ان الله لا يضيع أجر المحسنين} الفانين فى الله فيبقيهم بالله ليعبدوه على المشاهدة لان الاحسان ان تعبد الله كأنك تراه {ولا ينفقون نفقة} من بذل الوجود {صغيرة ولا كبيرة} الصغيرة بذل وجود الصفات والكبيرة بذل وجود الذات فى صفات الله تعالى وذاته {ولا يقطعون واديا} من اودية الدنيا والآخرة والنفس والهوى والقلب والروح {إلاّ كتب لهم} بقطع كل واحد من هذه الاودية قربة ومنزلة ودرجة كما قال
"من تقرب الىّ شبرا تقربت اليه ذراعا" {ليجزيهم الله} بالبقاء والفناء عن انفسهم {أحسن ما كانوا يعلمون} اى احسن مقام كانوا يعملون العبودية فى طلبه لان طلبهم على قدر معرفتهم ومطمح نظرهم وجزاؤه يضيق عنه نطاق عقولهم وفهومهم كما قال {اعددت لعبادى الصالحين} الحديث كما فى التأويلات النجمية