خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ
٦١
قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ
٦٢
قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ
٦٣
وَآتَيْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
٦٤
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ
٦٥
وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ
٦٦
وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ
٦٧
قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ
٦٨
وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ
٦٩
قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ
٧٠
قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ
٧١
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
٧٢
فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ
٧٣
فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ
٧٤
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ
٧٥
وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ
٧٦
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
٧٧
-الحجر

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: (وقضينا إليه ذلك الأمر)، القضاء هنا بمعنى القدر السابق، وضمَّنه معنى أوحينا، فعداه بإلى. و(أنَّ دابر): بدل من الأمر، وفي ذلك تفخيم الأمر وتعظيم له، و (مُصبحِين): حال من "هؤلاء"، أو من ضمير مقطوع، وجمعه؛ للحمل على المعنى؛ لأن دابر بمعنى دوابر، أي: قطعنا دوابرهم حال كونهم داخلين في وقت الصباح. و(لعمركَ): مبتدأ، والخبر محذوف، أي: قسمي، قال ابن عزيز: عَمْرٌ وعُمْرٌ واحد، ولا يقال في القسم إلا مفتوحاً، وإنما فتح في القسم فقط؛ لكثرة الاستعمال.
يقول الحق جل جلاله: {فلما جاء آلَ لوطٍ المرسلين}، وهم أضياف إبراهيم، فلما دخلوا عليه ولم يعرفهم، {قال إنكم قومٌ منكرون} لا نعرفهم. أو تنكركم نفسي؛ مخافة أن تطرقوني بشيء، {قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون} أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله، بل جئناك بما يسرك، وهو: قطع الفاحشة من بلدك، وإتيان العذاب لعدوك الذي توعدناهم، فكانوا يمترون فيه ويشكون في إتيانه، {وأتيناك بالحق}؛ باليقين الثابت، وهو إتيان العذاب لا محالة، {وإنَّا لصادقون} فيما أخبرناك به.
{فأسرِ بأهلك}: فاذهب بهم {بقطْعٍ من الليل} أي: فاخرح بهم في طائفة من الليل، قيل: آخره، {واتَّبع أدبارَهم} أي: كن خلفهم في ساقتهم، حتى لا يبقى منهم أحد، أو: أمره بالتأخر عنهم؛ ليكونوا قدامه، فلا يشتغل قلبه بهم لو كانوا خلفه؛ لخوفه عليهم، أي: ليسرع بهم، ويطلع على أحوالهم. {ولا يلتفت منكم أحدٌ} خلفه، لينظر ما وراءه فيرى من الهول ما لا يطيقه، أو: ولا ينصرف أحد منكم، ولا يتخلف لغرض فيصيبه ما أصابهم. وقيل: نهوا عن الالتفات ليوطنوا أنفسهم على الهجرة. {وامضوا حيث تُؤمرون} أي: إلى حيث أمركم الله، وهو الشام أو مصر، وقال بعضهم: "ما من نبي هلك إلا لحق بمكة، وجاور بها حتى مات".
{وقضينا}: أوحينا {إليه ذلك الأمر}، وهو هلاك قومه، ذكره مبهماً ثمَّ فسره بقوله: {أنَّ دابر هؤلاء مقطوع} وهو كناية عن استئصالهم، والمعنى: أنهم يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد، حال كونهم وقت العذاب {مُصْبِحين}: داخلين في الصباح.
{وجاء أهلُ المدينة}، وهي سدوم، {يستبشرون} بأضياف لوط؛ طمعاً فيهم في فعل الفاحشة، والظاهر: أن هذا المجيء إليه، وما جرى له معهم من المحاورة، كان قبل الإعلام بهلاكهم، كما تقدم في هود. وانظر ابن عطية: فلما جاؤوه يراودونه عن ضيفه {قال إنَّ هؤلاء ضيفي فلا تَفْضَحُون}؛ بهتك حرمة ضيفي، فإنَّ من فُضح ضيفه فقد فُضح هو، ومن أًسِيء إلى ضيفه فقد أُسيء إليه، {واتقوا الله} في ركوب الفاحشة، {ولا تُخزُون}: ولا تهينوني بإهانتهم. والخزي هو الهوان، أو: ولا تخجلون فيهم، من الخزاية وهو الحياء.
{قالوا أو لم ننْهكَ عن العالمين}؛ عن أن تجير منهم أحداً، أو تحول بيننا وبينهم، وكانوا يتعرضون لكل أحد، وكان لوط عليه السلام يمنعهم ويزجرهم عنه بقدر وسعه. وذكر السدي: إنهم إنما كانوا يفعلون الفاحشة بالغرباء، ولا يفعلونها بعضهم ببعض، فكانوا يعترضون الطرق. هـ. أو: أَوْ لم ننهك عن ضيافة العالمين وإنزالهم؟ {قال هؤلاء بناتي} تُزَوِّجُوهُنَّ إياكم، وقد كان يمنعهم قبل ذلك لكفرهم، فأراد أن يقي أضيافه بهن. ولعله لم يكن حراماً في شريعته، أو يريد بالبنات نساء القوم؛ فإن نبي كل أمة بمنزلة أبيهم، {إن كنتم فاعلين} قضاء الوطر، أو: ما أقول لكم من التزويج، فابوا، ولجوا في عملهم.
قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {لَعَمْرُكَ}: لحياتك يا محمد، أقسم بحياته ـ عليه الصلاة والسلام ـ لشرف منزلته عنده. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ما خلق الله خلقاً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما أقسم بحياة أحد إلا بحياته، فقال: {لَعَمْرُكَ إنهم لَفِي سَكْرتهم يَعمهون} قال القرطبي: وإذا أقسم الله بحياة نبيه فإنما أراد التصريح لنا أنه يجوز لنا أن نحلف بحياته. وقد قال الإمام أحمد فيمن أقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم: ينعقد به يمينه، وتجب الكفارة بالحنث، واحتج بكون النبي صلى الله عليه وسلم أحد ركني الشهادة. قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: هذا إذ استدل من جوّز الحلف به عليه الصلاة والسلام، بأن أيمان المسلمين جرت من عهده صلى الله عليه وسلم حتى إن أهل المدينة إلى يومنا هذا إذا جاء صاحبه قال له: احلف لي بما حوى هذا القبر، وبحق ساكن هذا القبر، يعني النبي صلى الله عليه وسلم. هـ.
قلت: ومذهب مالك أنه لا ينعقد يمين بغير الله، وصفاته، وأسمائه. وقيل: إن قوله تعالى: {لعمركَ}: هو من قول الملائكة للوط، أو لحياتك يا لوط، {إنهم لَفَي سَكْرتهم يَعمهون} أي: لفي غوايتهم أو شدة غلمتهم التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين الخطأ والصواب، يتحيرون. والغلمة: شهوة الوقاع. والعمه: الحيرة، أي: إنهم لفي عماهم يتحيرون، فكيف يسمعون نصح من نصحهم؟ والضمائر لقوم لوط، وقيل: لقريش، والجملة: اعتراض.
قال تعالى: {فأخذتهم الصيحةُ}، يعني: صيحة هائلة مهلكة. قال ابن عطية: هذه الصيحة صيحة الرجعة، وليست كصيحة ثمود. هـ. وقيل: صاح بهم جبريل فأهلكتهم الصيحة، {مُشْرِقينَ}: داخلين في وقت شروق الشمس؛ فابتدئ هلاكهم بعد الفجر مصبحين، واستوفى هلاكهم مشرقين. {فجعلنا عاليَها} أي: عالي المدينة، أو قراها، {سافِلَها}، فصارت منقلبة بهم.
رُوي أن جبريل عليه السلام اقتلعَ المدينة بجناحيه ورفعها، حتى سمعت الملائكة صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم قلبها وأرسل الكل فمن كان داخل المدينة أو القرى مات، ومن كان خارجاً عنها أرسلت عليه الحجارة، كما قال تعالى: {وأمطرنا عليهم حجارةً من سجيل}: من طين متحجر مطبوخ بالنار. وقد تقدم في سورة هود مزيد بيان لهذا. {إنَّ في ذلك لآيات للمتوسِّمِين}: المتفكرين المعتبرين المتفرسين في الأمور، الذين يثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيء بسمته، {وإنَّها} أي: المدينة أو القرى، {لَبِسبِيلٍ مُقيم}: لفي طريق ثابت يسلكه الناس، ويمرون به، ويرون آثارها. {إنَّ في ذلك لآيةً}: لعبرة {للمؤمنين} بالله ورسله؛ فإنهم هم المهتدون للتفكر والاعتبار، دون من غلبت عليه الغفلة والاغترار، كحال الكفار والفجار. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ما بعث الله داعياً يدعو إليه إلا وكان أول ما يدعوهم إليه بعد الإيمان، الخروج من العوائد والحظوظ النفسانية، وما هلك من هلك من الأمم إلا بالبقاء معها، وعدم الخروج عنها، وما نجى من نجى إلا بالخروج عنها. وكذلك في طريق الخصوصية: ما بعث الله ولياً مربياً إلا وكان أول ما يأمر: بخرق العوايد؛ لاكتساب الفوائد، فلا طريق لخصوصية الولاية إلا منها. وفي الحكم: "كيف تخرق لك العوائد، وأنت لم تخرق من نفسك العوائد". فمن تربى في الرئاسة والجاه فلا مطمع له في الخصوصية حتى يبدلهما بالخمول والذل، وكذلك من تعود جمع الدنيا واحتكارها، فلا بد من الزهد فيها والخروج عنها، وكذلك سائر العوائد النفسانية، والحظوظ الجسمانية، فمن جاور قوماً منهمكين فيها، ولم يجد من يساعده على خرقها، فليهاجر منها، ويقال له: فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد إلى الرجوع، إلا بعد الرسوخ والتمكين في معرفة الحق تعالى، ولميض حيث يجد من ينهض معه إلى الله في نقل عوائدها وعوائقها.
وقوله تعالى: {وجاء أهل المدينة يستبشرون}: هذه عادة أهل الغفلة، إن جاءهم من يجدون فيه موافقة هواهم، هرعوا إليه مستبشرين، وإن جاء من ينصحهم ويأمرهم بالخروج عن أهوائهم أدبروا عنه، ومقتوه، وربما أخرجوه من بلدهم، قال تعالى في أمثالهم: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون}. وبالله التوفيق
ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام