خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ
٢
إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً
٣
قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً
٤
وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً
٥
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً
٦
-مريم

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: {ذكر}: خبر عن مضمر، أي: هذا ذكر، والإشارة للمتلو في هذه السورة؛ لأنه باعتبار كونه على جناح الذكر في حكم الحاضر الشاهد. وقيل: مبتدأ حُذف خبره، أي: فيما يُتلى عليك ذكر رحمت ربك. وقيل: خبر عن {كهيعص}، إذا قلنا؛ هي اسم للسورة، أي: المسمى بهذه الحروف ذكر رحمة ربك، و {عبده}: مفعول لرحمة ربك، على أنها مفعول لما أضيف إليها، أو لذكر، على أنه مصدر أضيف إلى فاعله على الاتساع. ومعنى (ذكر الرحمة): بلوغها إليه، و {زكريا}: بدل منه، أو عطف بيان، و {إذ نادى}: ظرف لرحمة، وقيل: لذكْر، على أنه مضاف إلى فاعله، وقيل: بدل اشتمال من زكريا، كما في قوله: { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ.... } [مريَم: 16]، و {مِنّي}: حال من العَظْم، أي: كائنًا مني، و {شيئًا}: تمييز.
يقول الحقّ جلّ جلاله: هذا الذي نتلوه عليك في هذه السورة هو {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} >. قال الثعلبي: [فيه تقديم وتأخير]. أي: ذكر ربك عبده زكريا برحمته، {إِذْ نادى ربه} وهو في محرابه في طلب الولد {نداءً خفيًّا}: سرًا من قومه، أو في جوف الليل، أو مخلصًا فيه لم يطلع عليه إلا الله. ولقد راعى عليه السلام حسن الأدب في إخفاء دعائه فإنه أَدْخَلُ في الإخلاص وأَبَْعَدُ من الرياء، وأقرب إلى الخلاص من كلام الناس، حيث طلب الولد في غير إِبَّانِهِ ومن غائلة مواليه الذين كان يخافهم.
{قال} في دعائه: {ربِّ إِني وَهَنَ العظمُ مني} أي: ضعف بدني وذهبت قوتي. وإسناد الوهن إلى العَظْم؛ لأنه عماد البدن ودعامة الجسد، فإذا أصابه الضعف والرخاوة أصاب كله، وإفراده للقصد إلى الجنس المنبئ عن شمول الوهن إلى كل فرد من أفراده. ووهن بدنه عليه السلام: لكبر سنه، قيل: كان ابن سبعين، أو خمسًا وسبعين، وقيل: مائة، وقيل: أكثر.
{واشتعل الرأسُ شيبًا} أي: ابيضَّ شَمَطًا. شبه عليه السلام الشيب من جهة البياض والإنارة بشواظ النار، وانتشاره في الشعر وفُشوِّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعالها، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى محل الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرجه مخرج التمييز، ففيه من فنون البلاغة وكمال الجزالة ما لا يخفى، حيث كان الأصل: واشتعل شيب رأسي، فأسند الاشتعال إلى الرأس؛ لإفادة شموله لكلها، فإن وِزَانَهُ: اشتعل بيته نارًا بالنسبة إلى اشتعلت النار في بيته، ولزيادة تقريره بالإجمال أولاً، والتفصيل ثانيًا، ولمزيد تفخيمه بالتكثير من جهة التنكير.
ثم قال: {ولم أكن بدعائك ربِّ شقيًّا} أي: لم أكن بدعائي إياك خائبًا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل، بل كنت كلما دعوتك استجبتَ لي. توسل إلى الله بسابق حسن عوائده فيه، لعله يشفع له ذلك بمثله، إثر تمهيد ما يستدعي ويستجلب الرأفة من كبر السن وضعف الحال. والتعرض في الموضعين لوصف الربوبية لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع، ولذلك قيل: من أراد أن يُستجاب له فليدعُ الله بما يناسبه من أسمائه وصفاته.
ثم قال: {وإِني خفتُ الموالي} أي: الأقارب، وهم: بنو عمه، وكانوا أشرار بني إسرائيل، فخاف ألا يحسنوا خلافته في أمته، فسأل الله تعالى ولدًا صالحًا يأمنه على أمته. وقوله: {من ورائي}: متعلق بمحذوف، أي: جور الموالي، أو مما في الموالي من معنى الولاية، أي: خفت أن يلوا الأمر من ورائي، {وكانت امرأتي عاقرًا}: لا تلد من حين شبابها، {فهبْ لي من لدنك} أي: أعطني من محض فضلك الواسع، وقدرتك الباهرة، بطريق الاختراع، لا بواسطة الأسباب العادية؛ لأن التعبير بِلَدُنّ يدل على شدة الاتصال والالتصاق، {وليًّا}: ولدًا من صُلبي، يلي الأمر من بعدي.
والفاء: لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن ما ذكره عليه السلام من كبر السن وعقر المرأة موجب لانقطاع رجائه عن الولد بتوسط الأسباب، فاستوهبه على الوجه الخارق للعادة، ولا يقدح في ذلك أن يكون هنالك داعٍ آخر إلى الإقبال على الدعاء المذكور، من مشاهدته للخوارق الظاهرة عند مريم، كما يعرب عنه قوله تعالى:
{ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } } [آل عِمرَان: 38]. وعدم ذكره هنا اكتفاء بما تقدم، فإن الاكتفاء بما ذكر في موطن عما ترك في موطن آخر من النكتة التنزيلية. وقوله: {يرثني}: صفة لوليًّا، وقرئ بالجزم هو وما عطف عليه جوابًا للدعاء، أي: يرثني من حيث العلم والدين والنبوة، فإن الأنبياء - عليهم السلام - لا يورثون من جهة المال. قال صلى الله عليه وسلم: "نحن مَعاشر الأنبيَاءِ لا نُورَثُ" . وقيل: يرثني في الحبورة، وكان عليه السلام حَبْرًا.
{ويرثُ من آل يعقوب} النبوة والمُلك والمال. قيل: هو يعقوب بن إسحاق. وقال الكلبي ومقاتل: هو يعقوب بن ماثان، أخو عمران بن ماثان، أبي مريم، وكانت زوجة زكريا أخت أم مريم، وماثان من نسل سليمان عليه السلام، فكان آل يعقوب أخوال يحيى. قال الكلبي: كان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، وكان زكريا رئيس الأحبار يومئذ، فأراد أن يرث ولده حبُورته، ويرث من بني ماثان ملكهم. هـ.
{واجعله ربِّ رَضيًّا} أي: مرضيًا، فعيل بمعنى مفعول، أي: ترضى عنه فيكون مرضيًا لك، ويحتمل أن يكون مبالغة من الفاعل، أي: راضيًا بتقديرك وأحكامك التعريفية والتكليفية. والله تعالى أعلم.
الإشارة: طلب الوارث الروحاني- وهو وارث العلم والحال - جائز ليبقى الانتفاع به بعد موته. وقيل: السكوت والاكتفاء بالله أولى، ففي الحديث:
"يرحَم اللهُ أخانا زَكَرِيَّا، وَمَا كَان عَلَيْه مَنْ يَرِثُه" . وقوله تعالى: {نداء خفيًا} . الإخفاء عند الصوفية أولى في الدعاء والذكر وسائر الأعمال، إلا لأهل الاقتداء من الكَمَلَة، فهم بحسب ما يبرز في الوقت.
وقوله تعالى: {ولم أكن بدعائك ربّ شقيًّا}. فيه قياس الباقي على الماضي، فالذي أحسن في الماضي يحسن في الباقي، فهذا أحد الأسباب في تقوية حسن الظن بالله؛ وأعظم منه من حسَّن الظن بالله؛ لما هو متصف به تعالى من كمال القدرة والكرم، والجود والرأفة والرحمة، فإن الأول ملاحظ للتجربة، والثاني ناظر لعين المِنَّة. قال في الحكم: "إن لم تحسن ظنك به لأجل وصفه، حسّن ظنك به لوجود معاملته معك، فهل عَوَّدَكَ إلا حَسَنًا؟ وهل أسدى إليك إلا مننًا؟".
ثمَّ ذكر إجابته زكريا فقال: {يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ....}