خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ
٣٤
مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ
٣٥
وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٣٦
فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
٣٧
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٣٨
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
٣٩
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ
٤٠
-مريم

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: {وإن الله}: عطف على قوله: {إني عبد الله} فيمن كسر، وعلى حذف اللام فيمن فتح، أي: ولأن الله ربي وربكم. وقال الواحدي وأبو محمد مكي: عطف على قوله: {بالصلاة} أي: أوصاني بالصلاة وبأن الله... الخ: وقال المحلي: بالفتح، بتقدير اذكر، وبالكسر بتقدير "قل". و {قول الحق}: مصدر مؤكد لقال، فيمن نصب، وخبر عن مضمر، فيمن رفع، أي: هو، أو هذا. و {إذا قضى}: بدل من {يوم الحسرة}، أو ظرف للحسرة. و {هم في غفلة وهم لا يؤمنون}: جملتان حاليتان من الضمير المستقر في الظرف في قوله: {في ضلال مبين} أي: مستقرين في الضلال وهم في تينك الحالتين.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ذلك} المنعوت بتلك النعوت الجليلة، والأوصاف الحميدة هو {عيسى ابنُ مريم}، لا ما يصفه النصارى به من وصف الألوهية، فهو تكذيب لهم على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني، حيث جعله موصوفًا بأضداد ما يصفونه به. وأتى بإشارة البعيد؛ للدلالة على علو رُتبته وبُعد منزلته، وامتيازه بتلك المناقب الحميدة عن غيره، ونزوله منزلة المشاهد المحسوس.
هذا {قولُ الحق}، أو قال عيسى {قولَ الحق} الذي لا ريب فيه، وأنه عبد الله ورسوله، {الذي فيه يمترون} أي: يشكون أو يتنازعون، فيقول اليهود: ساحر كذاب، ويقول النصارى: إله، أو ابن الله. {ما كان لله أن يتخذ من ولد} أي: ما صح، أو ما استقام له أن يتخذ ولدًا، {سبحانه} وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، فهو تنزيه عما بهتوه، ونطقوا به من البهتان، وكيف يصح أن يتخذ الله ولدًا، وهو يحتاج إلى أسباب ومعالجة، وأمره تعالى أسرع من لحظ العيون، {إِذا قضى أمرًا فإِنما يقول له كن فيكون}.
ثم قال لهم عيسى عليه السلام: {وإنَّ الله ربي وربكم فاعبدوه}، فهو من تمام ما نطق به في المهد، وما بينهما اعتراض، للمبادرة للرد على من غلط فيه، أي: فإني عبد، وإن الله ربي وربكم فاعبدوه وحده ولا تُشركوا معه غيره، {هذا} الذي ذكرت لكم الذي ذكرت لكم من التوحيد {صراط مستقيم} لا يضل سالكه ولا يزيغ متبعه.
قال تعالى: {فاختلف الأحزابُ من بينهم }، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، تنبيهًا على سوء صنيعهم، بجعلهم ما يُوجب الاتفاق منشأ للاختلاف، فإن ما حكى من مقالات عيسى عليه السلام، مع كونها نصوصًا قاطعة في كونه عبده تعالى ورسوله، قد اختلفت اليهود والنصارى بالتفريط والإفراط، وفرّق النصارى، فقالت النسطورية: هو ابن الله، وقالت اليعقوبية: هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء، وقالت المِلْكَانية: هو ثالث ثلاثة. {فويلٌ للذين كفروا} وهم: المختلفون فيه بأنواع الضلالات. وأظهر الموصول في موضع الإضمار؛ إيذانًا بكفرهم جميعًا، وإشعارًا بِعِلِّيَّةِ الحكم، {من مَشْهَدِ يوم عظيم} أي: ويل لهم من شهود يوم عظيم الهول والحساب والجزاء، وهو يوم القيامة، أو: من وقت شهوده أو مكانه، أو من شهادة اليوم عليهم، وهو أن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وألسنتُهم وأيديهم وأرجلهم، بالكفر والفسوق.
{أسمِعْ بهم وأبصرْ} أي: ما أسمعهم وما أبصرهم، تعجب من حدة سمعهم وإبصارهم يومئذ. والمعنى: أن أسماعهم وأبصارهم {يوم يأتوننا} للحساب والجزاء جدير أن يُتعجب منها، بعد أن كانوا في الدنيا صمًا عميًا. أو: ما أسمعهم وأطوعهم لما أبصروا من الهدى، ولكن لا ينفعهم يومئذ مع ضلالهم عنه اليوم، فقد سمعوا وأبصروا، حين لم ينفعهم ذلك. قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر، حين يقول الله لعيسى:
{ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } [المَائدة: 116]. هـ. ويحتمل أن يكون أمر تهديد لا تعجب، أي: أسمعهم وأبصرهم مواعيد ذلك اليوم، وما يحيق بهم فيه، فالجار والمجرور، على الأول، في موضع رفع، وعلى الثاني: نصب. {لكن الظالمون اليومَ} أي: في الدنيا، {في ضلال مبين} أي: لا يدرك غايته، حيث غفلوا عن الاستماع والنظر بالكلية. ووضع الظالمين موضع الضمير؛ للإيذان بأنهم في ذلك ظلمون لأنفسهم حيث تركوا النظر.
{وأنذرهم يوم الحسرة} يوم يتحسر الناس قاطبة، أما المسيء فعلى إساءته، وأما المحسن فعلى قلة إحسانه، {إِذ قُضيَ الأمر} أي: فرغ من يوم الحساب، وتميز الفريقان، إلى الجنة وإلى النار.
رُوِيَ أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن ذلك، فقال:
"حين يجاء بالموت على صورة كبش أملح، فيُذبح، والفريقان ينظرون، فينادى؛ يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، وأهل النار غمًا إلى غمهم، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: {وأنذرهم يوم الحسرة إِذْ قُضي الأمر وهم في غفلة}، وأشار بيده إلى الدنيا" . قال مقاتل: (لولا ما قضى الله من تعميرهم فيها، وخلودهم؛ لماتوا حسرة حين رأوا ذلك). {وهم} في هذا اليوم {في غفلة} عما يراد بهم في الآخرة، {وهم لا يُؤمنون} بهذا؛ لاغترارهم ببهجة الدنيا، فلا بد أن تنهد دعائمها، وتمحى بهجتها، ويفنى كل ما عليها، قال تعالى: {إِنا نحن نرث الأرضَ ومَنْ عليها} لا ينبغي لأحد غيرنا أن يكون له عليها وعليكم ملك ولا تصرف، أو: إنا نحن نتوفى الأرض ومن عليها، بالإفناء والإهلاك، توفي الوارث لإرثه، {وإِلينا يُرجعون}؛ يُردون إلى الجزاء، لا إلى غيرنا، استقلالاً أو اشتراكًا. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ينبغي للعبد المعتني بشأن نفسه أن يحصِّن عقائده بالدلائل القاطعة، والبراهين الساطعة، على وفاق أهل السُنَّة، ثم يجتهد في صحبة أهل العرفان، أهل الذوق والوجدان، حتى يُطلعوه على مقام الإحسان، مقام أهل الشهود والعيان. فإذا فرط في هذا، لحقه الندم والحسرة، في يوم لا ينفع فيه ذلك. فكل من تخلف عن مقام الذوق والوجدان؛ فهو ظالم لنفسه باخس لها، يلحقه شيء من الخسران، ولا بد أنْ تبقى فيه بقية من الضلال، حيث فرط عن اللحوق بطريق الرجال، قال تعالى: {لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين}.
{وأنذرهم يوم الحسرة} أي: يوم يرفع المقربون ويسقط المدعون. فأهل الذوق والوجدان حصل لهم اللقاء في هذه الدار، ثم استمر لهم في دار القرار. رُوي أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه قال يومًا بين يدي أستاذه: (اللهم اغفر لي يوم لقائك). فقال له شيخه - القطب ابن مشيش - رضي الله عنهما: هو أقرب إليك من ليلك ونهارك، ولكن الظلم أوجب الضلال، وسبقُ القضاء حَكَمَ بالزوال عن درجة الأُنْس ومنازل الوصال، وللظالم يومٌ لا يرتاب فيه ولا يخاتل، والسابق قد وصل في الحال، "أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين". هـ. كلامه رضي الله عنه.
ثم استتبع بذكر قصص الانبياء تتمة للرد على أهل الشرك