خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ
١٠٧
قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ
١٠٨
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ
١٠٩
إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ
١١٠
وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ
١١١
قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ
١١٢
-الأنبياء

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: {رحمة}: مفعول لأجله، أو حال.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما أرسلناك} يا محمد {إِلا رحمةً للعالمين} أي: ما أرسلناك بما ذكر من الشرائع والأحكام، وغير ذلك؛ مما هو مناط سعادة الدارين، لعلة من العلل، إلا لرحمتنا الواسعة للعالمين قاطبة. أو ما أرسلناك في حال من الأحوال، إلا حال كونك رحمة لهم، فإن ما بُعثتَ به سببٌ لسعادة الدارين، ومنشأ لانتظام مصالحهم في النشأتين، ومن لم يضرب له في هذه المغانم بسهم فإنما أُوتي من قِبل نفسه، حيث فرط في اتّباعه، وقيل: إنه رحمة حتى في حق الكفار في الدنيا؛ بتأخير عذاب الاستئصال، والأمن من المسخ والخسف والغرق، حسبما نطق به قوله تعالى:
{ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } [الأنفَال: 33].
{قل إِنما يوحى إِليّ أَنما إِلهكم إِلهٌ واحد} أي: ما يوحى إليّ إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد؛ لأنه المقصود الأصلي من البعثة، وأما ما عداه فإنما هو من الأحكام المتفرعة عليه، لا يصح بدونه. و {إنما} الأولى: لقصر الحكم على الشيء، كقولك: إنما يقوم زيد، والثانية: لقصر الشيء على الحكم، كقولك: إنما زيد قائم، أي: إنما يُوحى إليّ وحدي أنما إلهكم واحد. {فهل أنتم مسلمون} أي: مخلصون العبادة لله {فإن تولوا} عن الإسلام، ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من استماع الوحي، {فقل آذنتُكم} أي: أعلمتكم ما أُمرت به، أو بمحاربتي لكم ومخالفتي لدينكم، فتكونوا {على سواءٍ}، أو كائنين على سواء في الإعلام به، لم أطوه عن أحد منكم، أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به من الشرائع، لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره. وفيه دليل بطلان مذهب الباطنية. قيل: وهذه من فصاحة القرآن وبلاغته.
{وإِنْ أَدْرِي} أي: ما أدري {أقريبٌ أم بعيدٌ ما تُوعدون} من البعث والحساب متى يكون؛ لأن الله تعالى لم يُطلعني عليه، ولكن أنبأني أنه آت لا محالة، وكل آت قريب. ولذلك قال:
{ وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ } [الأنبيَاء: 97]، أو: لا أدري متى يحل بكم العذاب، أو ما توعدون من إظهار المسلمين وظهور الدين، {إِنه يعلم الجهرَ من القول ويعلم ما تكتمون} أي: إنه عالم بكل شيء، يعلم ما تجهرون به؛ من الطعن في الإسلام وتكذيب الآيات، وما تكتمونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه نقيرًا وقطميرًا. {وإِنْ أدري لعله فتنةٌ لكم} أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا امتحان لكم؛ لينظر كيف تعملون، أو استدراج لكم، وزيادة في افتتانكم، {ومتاعٌ إلى حين} أي: تمتع لكم إلى حين موتكم؛ ليكون حجة عليكم، أو إلى أجل مقدر تقتضيه المشيئة المبنية على الحِكَم البالغة.
{قل ربِّ احكُم بالحق} أي: اقض بيننا وبين كفار مكة بالعدل، المقتضي لتعجيل العذاب. فهو كقول شعيب عليه السلام:
{ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ } [الأعرَاف: 89]، أو بما يحق عليهم من العذاب، واشدد عليهم، كقوله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطأَتَكَ عَلَى مُضَرَ" ، وقد استجيب دعاؤه - عليه الصلاة والسلام -، حيث عُذبوا ببدر أيّ تعذيب. وقرأ الكسائي وحفص: {قال}؛ حكاية لدعائه صلى الله عليه وسلم. ثم استعان بالله على إبطال ما كانوا يؤملون من النصرة لهم، وتكذيبهم في ذلك، فقال: {وربنا الرحمن}؛ كثير الرحمة على عباده، {المستعان على ما تصفون} من كون الغلبة لكم. كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون الشوكة والغلبة لهم، فكذب الله ظنونهم، وخيّب آمالهم، وغيّر أحوالهم، ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، وخذلهم؛ لكفرهم. وبالله التوفيق.
الإشارة: قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: الأنبياء - عليهم السلام - خُلقوا من الرحمة، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو عين الرحمة، قال تعالى: {وما أرسلناك إِلا رحمة للعالمين}. هـ. وقال أيضًا: الأنبياء - عليهم السلام - لأممهم صدقة، ونبينا صلى الله عليه وسلم لنا هدية. قال صلى الله عليه وسلم:
"وأنا النعمة المهداة" ، فالصدقة للفقراء، والهدية للكبراء. ثم إن غاية الرحمة: الوصول إلى التوحيد الخاص؛ لأنه سبب الزلفى من الله والاختصاص، ولذلك أمره به، بعد أن جعله رحمة، فقال: {قل إنما يُوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد...} الخ. فمن أعرض عنه فقد أوذن بالبُعد والطرد. ولعل تأخير العقوبة عنه، في الدنيا، استدراج ومتاع إلى حين.
ثم إن الصارف عن الدخول إلى التوحيد الخاص - وهو توحيد العيان -: القواطع الأربع: النفس، والشيطان، والدنيا، والهوى. زاد بعضهم: الناس - أي: عوام الناس، فإذا حكم الله بين العبد وبين هذه القواطع، وصل إلى صريح المعرفة. {قل ربِّ احكم بالحق}؛ أي: احكم بيني وبين عدوي بحكمك الحق، حتى تدفعه عني وتدمغَهُ، {وربنا الرحمن المستعان} به {على ما تصفون} من التعويق والتشغيب. والله المستعان، وعليه أتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.