خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ
٩٢
وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ
٩٣
فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ
٩٤
-الأنبياء

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: {أمة}: حال من {أمتكم} أي: متحدة أو متفقة، والعامل فيه ومعنى الإشارة، والإشارة إلى طريق الأنبياء المذكورين قبلُ.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {إِنّ هذه} الطريق والسيرة التي سلكها الأنبياء المذكورون، واتفقوا عليها، وهو التوحيد، هي {أُمتكم} أي: ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها، ولا تخرجوا عنها، حال كونها {أمةً واحدةً}، غير مختلفة فيما بين الأنبياء - عليهم السلام - وإن اختلفت شرائعهم. وفي الحديث:
"الأنْبِيَاءُ أبناء عَلاَّتٍ، أُمهَاتُهمْ شتَّى، وأبوهم واحد" والعلات: الضرائر، أي: شرائعهم مختلفة، وأبوهم واحد، وهو التوحيد. قال القشيري: {وأنا ربكم فاعبدون} أي: ربيتكم؛ اختيارًا، فاعبدوني؛ شكرًا وافتخارًا. هـ. والخطاب للناس كافة.
{وتقطعوا أمرهم}، أصل الكلام: وتقطعتم في أمر دينكم وتفرقتم. إلاَّ أن الكلام صرف إلى الغيبة، على طريقة الالتفات؛ ليَنْعي عليهم ما أفسدوه في الدين، والمعنى: فجعلوا أمر دينهم فيما {بينهم} قِطَعًا، وصاروا أحزابًا متفرقة، كأنه يُنْهِي إلى أهل التوحيد قبائح أفعالهم، ويقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله، الذي أجمعت عليه كافة الأديان؟ ثم توعدهم بقوله: {كُلٌّ إِلينا راجعون} أي: كل واحد، من الفرق المتقطعة، راجع إلينا بالبعث، فنجازيهم حينئذ بحسب أعمالهم.
ثم فصَّل الجزاء فقال: {فمن يعملْ} شيئًا {من الصالحات وهو مؤمنٌ} بالله ورسله وبما يجب الإيمان به. قال القشيري: (وهو مؤمن، أي: في المآل بأن يختم له به)، وكأنه يشير إلى الخاتمة؛ لأن من لم يختم له بالإيمان لا ثواب لأعماله، والعياذ بالله، {فلا كُفْرَانَ لسَعْيِهِ} أي: لا حرمان لثواب عمله، بل سعيُه مشكور مقبول، فالكفران مَثلٌ في حرمان الثواب، كما أن الشكر مثلٌ في إعطائه، وعبّر عن ذلك بالكفران، الذي هو ستر النعمة وجحدها؛ لبيان كمال تنزهه تعالى عنه. وعبّر عن العمل بالسعي؛ لإظهار الاعتداد به، {وإِنّا له} أي: لسعيه {كاتبون}؛ مُثبتون في صحائف أعمالهم، نأمر الحفظة بذلك، لا نغادر من ذلك شيئًا. والله تعالى أعلم.
الإشارة: الصوفية - رضي الله عنهم -، في حال سيرهم إلى الحضرة وسلوكهم في طريق التربية، مختلفون بحسب الأزمنة والأمكنة والأشخاص. وفي حال نهايتهم - وهو الوصول إلى حضرة الشهود والعيان، وإشراق شمس العرفان، الذي هو مقام الإحسان، ويُعبِّرون عنه بالفناء والبقاء، وهو التوحيد الخاص - متفقون، وفي ذلك يقول القائل:

عباراتنا شتى وحسْنُك واحد وكُلٌّ إلى ذاك الجَمَالِ يُشير

لأن ما كان ذوقًا ووجدًا لا يختلف، بل يجده كل من له ذوق سليم. نعم تتفاوت أذواقهم على حسب مشاربهم، ومشاربُهم على حسب إعطائهم نفوسَهم وبيعها لله، وتتفاوت أيضًا بحسب التخلية والتفرغ، وبحسب الجد والاجتهاد، وكلهم على بصيرة من الله وبينة من ربهم: نفعنا الله بذكرهم، وخرطنا في سلكهم، آمين.
ثمَّ تمم قوله كذلك إلينا راجعون فقال: