خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ
١٩
يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ
٢٠
وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ
٢١
كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ
٢٢
إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ
٢٣
وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ
٢٤
-الحج

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: {خصمان}: صفة لمحذوف، أي: فريقان خصمان، والمراد: فريق المؤمنين، وفريق الكفرة بأقسامه الخمسة. وقيل: اسم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، والمراد هنا: الجماعة، بدليل قوله: {اختصموا}؛ بالجمع.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {هذان خصمان} أي: مختصمان {اختصموا} أي: فريق المؤمنين والكافرين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: (راجع إلى أهل الأديان المذكورة)؛ فالمؤمنون خَصْمٌ، وسائرُ الخمسة خصمٌ، تخاصموا {في ربهم} أي: في شأنه تعالى، أو في دينه، أو في ذاته وصفاته. والكل من شؤونه تعالى، فكل فريق يصحح اعتقاده. ويُبطل اعتقاد خصمه. وقيل: تخاصمت اليهود والمؤمنون؛ فقالت اليهودُ: نحن أحق بالله وأقدمُ منكم كتابًا، ونبيُّنا قبل نبيِّكم. وقال المؤمنون: نحن أحقُّ بالله منكم، آمنا بنبينا ونبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم كفرتم به؛ حسدًا. وكان أبو ذر يُقسِمُ أنها نزلَتْ في ستة نفر من قريش، تبارَزوا يوم بَدر؛ حمزةُ وعليٌّ، وعبيدة بن الحارث، مع عتبة، وشيبة ابني ربيعةَ، والوليدُ. وقال عليّ رضي الله عنه: إني لأوَّلُ من يجثو بين يدَيِ الله يوم القيامة؛ للخُصومة. هـ.
ثم بيَّن الفصل بينهم، المذكور في قوله: {إن الله يفصل بينهم يوم القيامة}، فقال: {فالذين كفروا} بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، {قُطِّعَت لهم ثيابٌ من نار} أي فصّلت وقُدرت على مقادير جثثهم، تشتمل عليهم، كما تقطع الثياب للبوس. وعبَّر بالماضي؛ لتحقق وقوعه. {يُصَبُّ من فوق رؤوسهم الحميمُ} أي: الماء الحار. عن ابن عباس رضي الله عنه: "لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها". {يُصهَرُ}: يُذاب {به} أي: بالحميم، {ما في بطونهم} من الأمعاء والأحشاء، {والجلودُ} تذاب أيضًا، فيُؤثر في الظاهر والباطن، كلما نضجت جلودهم بُدلت. وتقديم ما في الباطن؛ للإيذان بأن تأثيرها في الباطن أقوى من تأثيرها في الظاهر، مع أن ملابستها على العكس.
{ولهم مقامعُ من حديدٍ} أي: ولتعذيب الكفرة، أو لأجلهم، مقامع: جمع مقمعة، وهي آلة القمع، أي: سيَاط من حديد، يُضربون بها. {كُلما أرادوا أن يخرجوا منها} أي: أشرفوا على الخروج من النار، ودنوا منه، حسبما رُويَ: أنها تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا بأعلاها ضُربوا بالمقامع، فَهَوَوْا فيها سبعين خريفًا. وقوله: {من غَمّ}: بدل اشتمال من ضمير {منها}؛ بإعادة الجار، والعائد: محذوف، أي: كلما أرادوا أن يخرجوا من غم شديد من غمومها {أُعيدوا فيها} أي: في قعرها، بأن رُدوا من أعاليها إلى أسافلها، من غير أن يخرجوا منها، {و} قيل لهم: {ذُوقوا عذابَ الحريق} أي: الغليظ من النار، العظيم الإحراق.
ثم ذكر جزاء الخصم الآخر، وهم أهل الحق، فقال: {إن الله يُدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار}، وغيَّر الأسلوب فيه، بإسناد الإدخال إلى الله عزّ وجلّ، وتصدير الجملة بحرف التأكيد؛ إيذانًا بكمال مباينة حالهم لحال الكفرة، وإظهارًا لمزيد العناية بحال المؤمنين، {يُحلَّون فيها} من التحلية، وهو التزين، أي: تحليهم الملائكة بأمره تعالى {من أساورَ} أي: بعض أساور: جمع سوار، {من ذهبٍ} للبيان، أي يلبسون أساور مصنوعة من ذهب، {ولؤلؤًا}، من جَرَّهُ: عَطَفَهُ على {ذهب}، أو {أساور}، ومَنْ نَصَبَهُ: فعلى محل {من أساور}، أي: ويُحَلَّوْنَ لؤلؤًا، أو بفعل محذوف، أي: ويُؤْتَوْنَ لؤلؤًا. {ولباسُهُم فيها حريرٌ}: أبريسِمْ، وغيَّر الأسلوب، فلم يقل: ويلبسون حريرًا؛ لأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غَنِيُّ عن البيان، إذ لا يمكن عراؤهم عنه، وإنما المحتاج للبيان: أيُّ لباس هو، بخلاف الأساور واللؤلؤ، فإنها ليست من اللوازم الضرورية، فجعل بيان حليتهم بها مقصودًا بالذات. انظر أبا السعود.
{وهُدُوا إِلى الطيب من القول}، وهو كلمة التوحيد: لا إله إلا الله أو: الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، بدليل قوله:
{ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ } [فَاطِر: 10]. {وهُدُوا إِلى صراط الحميد} أي: المحمود، وهو الإسلام. أو: ألهمهم اللهُ في الآخرة أن يقولوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده، وهداهم فيها إلى طريق الجنة. وقيل: إلى طريق الوصول إلى الله العزيز الحميد، والله تعالى أعلم.
الإشارة: قد اختصم أهل الظاهر مع أهل الباطن في شأن الربوبية، فقال أهل الظاهر: الحق تعالى لا يُرى في دار الدنيا، ولا تُمكن معرفته، إلا من جهة الدليل والبرهان، على طريق الإيمان بالغيب. وقال أهل الباطن من أكابر الصوفية: الحق تعالى يُرى في هذه الدار، كما يرى في تلك الدار، من طريق العرفان، على نعت الشهود والعيان، لكن ذلك بعد موت النفوس وحط الرؤوس لأهل التربية النبوية، فلا يزال يحاذيه ويسير به، حتى يقول: ها أنت وربك، فحينئذ تشرق عليه شموسُ العرفان، فتُغطى عنه وجود حس الأكوان، فلا يرى حينئذ إلا المكون، حتى لو كُلف أن يرى غيره لم يستطع؛ إذ لا غير معه حتى يشهده.
وقال بعضهم: (مُحال أن تشهده، وتشهد معه سواه). وفي مناجاة الحكم العطائية: "إلهي، كيف يُسْتَدَلُّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غِبْتَ، حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟!". وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: (أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان). وهذه الطريق هي طريق التربية، لا تنقطع أبدًا، فمن كفر بها وجحدها قُطعت له ثياب من نار القطيعة، فيبقى مسجونًا بسرادقات محيطاته، محصورًا في هيكل ذاته، لا يَرى إلا ظلمة الأكوان، يُصب من فوق رأسه، إلى قلبه، حَرُّ التدبير والاختيار، وكلما أراد أن يخرج من سجن الأكوان وغم الحجاب ردته حَيْرَةُ الدَّهَشِ، وهيبة الكبرياء والعظمة والإجلال؛ لأن فكرته مسجونة تحت أطباق الكائنات، مقيدة بعلائق العوائد والشواغل والشهوات. ويقال له: ذق عذاب الحريق، وهو حِرْمانك من شهود التحقيق.
إن الله يدخل الذين آمنوا بطريق الخصوص، جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، يُحلون فيها بأنواع المحاسن والفضائل، ويتطهرون من جميع المساوئ والرذائل، وهُدوا إلى الطيب من القول، وهو الذكر الدائم بالقلب الهائم، والمخاطبة اللينة من القلوب الصافية، وهُدوا إلى طريق التربية والترقية، حتى وصلوا إلى شهود الحبيب، الحامد المحمود، القريب المجيب. حققنا الله بمقامهم بمنِّه وكرمه.
ثمَّ شرع في المقصود من السورة وهو أحكام الحج