خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ
١١٥
فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ
١١٦
وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ
١١٧
وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ
١١٨
-المؤمنون

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: (أفحسبتم): المعطوف محذوف، أي: ألم تعلموا شيئاً فحسبتم، و (عبثاً): حال، أو مفعول من أجله.
يقول الحق جل جلاله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً} أي: عابثين، أو للبعث من غير حكمة في خلقكم وإظهاركم حتى أنكرتم البعث، {وأنكم إلينا لا ترجعون} للحساب والجزاء، بل خلقناكم للتكليف، ثم للرجوع إلينا، فنُثيب المحسن، ونعاقب المسيء.
{فتعالى الله} أن يخلق شيئاً عبثاً، وهو استعظام له نعالى ولشؤونه التي يُصَرِّف عليهاعباده؛ من البدء والإعادة، والإثابة والعقاب، بموجب الحكمة، أي: ارتفع بذاته، وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله,وعن خلو أفعاله عن الحِكَم والمصالح والغايات الحميدة.
{الملك الحق}؛ الذي يحق له الملك على الإطلاق، إيجاداً وإعداماً، وإحياء وإماته، عذاباً وإثابة، وكل ما سواه مملوك له، مقهور تحت ملكوته، {لا إله إلا هو}، فإنَّ كل ما عداه عبيده، {ربُّ العرش الكريم}، فكيف بما تحته من الموجودات، كائناً ما كان، ووصفه بالكرم: إمّا لأنه منه ينزل الوحي الذي منه القرآن الكريم، والخير والبركة، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين.
{ومن يدعُ مع الله إلهاً آخر}، يعبده فرداً أو اشتراكاً، من صفته {لا برهان له به} على صحة عبادته. وفيه تنبيه على أن التدين بما لا دليل عليه باطل، فكيف بما شهدت بديهة العقول بخلافه؟ {فإنما حسابُه عند ربه}،. فهو مُجازٍ له على قدر ما يستحقه، {إنه} أي: الأمر والشأن {لا يُفلح الكافرون}؛ لا فوز لهم ولا نجاة.
بدئت السورة الكريمة بتقرير فلاح المؤمنين، وختمت بنفي فلاح الكافرين؛ تحريضاً على الإيمان، وعلى ما يوجب بقاءه وتنميته، من التمسك بما جاء به التنزيل، وبما جاء به النبي الجليل، ليقع الفوز بالفلاح الجميل.
ثم علَّمنا سؤال المغفرة والرحمة؛ لأن شؤم المعاصي يؤدي إلى سوء الختام، فقال: {وقل ربِّ اغفرْ وارحمْ وأنت خير الراحمين}، وفيه إيذان بأنهما من أهم الأمور الدينية، حيث أمر به من قد غفَر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف بمن عداه؟ نسأل الله - تعالى - المغفرة الشاملة، والرحمة الكاملة، لنا ولإخواننا ولجميع المسلمين.. آمين.
روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه مرَّ بمصابٍ مبتلى، فقرأ في أذنه: (أفحسبتم أنما...) إلخ السورة، فبرئ من حينه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"ماذا قرأت في أذنه؟ فأخبره، فقال: والذي نفسي بيده لو أن رجلاً مؤمناً قرأها على جبل لزال" .
الإشارة: ما أظهر الله الكائنات إلا ليُعرف بها، ويُظْهِرَ فيها أسرار ذاته وأنوار صفاته، وفي الأثر القدسي: "كنت كنزاً لم أُعرف، فأحببتُ أن أعرف، فخلقت الخلق، فتعرفت لهم، فبي عرفوني". وفي إيجاد المخلوقات حِكَم بليغه وأسرار عجيبة، لا يحصيها إلا من خلقها ودبّرها. فمن المخلوقات من خلقهم ليظهر فيهم أثر رحمته وكرمه وإحسانه، وهم أهل الإيمان والطاعة، ومنهم من خلقهم ليظهر فيهم حلمه وعفوه، وهم أهل العصيان، ومنهم من خلقهم ليظهر فيهم عدله وقهره ونقمته، وهم أهل الكفر والطغيان. وقال الحكيم الترمذي رضي الله عنه: إن الله خلق الخلق عبيداً ليعبدوه، فيثيبهم على العبادة، ويعاقبهم على تركها، فإنْ عبدوه فهم اليوم له عبيد، أحرار كرام من رق الدنيا، ملوك في دار السلام، وإن رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد أُباق، سُقاط، لئام، أعداء في السجون بين أطباق النيران. هـ.
وقال بعضهم: إنما أظهر الله الكون لأجل نبينا صلى الله عليه وسلم تشريفاً له، فهو من نوره. قال ابن عباس رضي الله عنه: أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: يا عيسى ابن مريم؛ آمن بمحمد، ومُر أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار... الحديث.
قال القشيري: حسابُه على الله في آجله، وعذابُه من الله له في عاجله، وهو ما أودعَ قلبَه حتى رَضِيَ أنْ يَعْبُدَ معه غيره، لقوله:
{ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ } [الزمر: 3]، كلامٌ حاصلٌ عن غير دليل عقل، ولا شهادة خبرٍ ونقل، فما هو إلا إفك وبهتان، وقولٌ ليس يساعده برهان. هـ وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق - وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليماً، والحمد لله رب العالمين.