خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ
٣٣
وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ
٣٤
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ
٣٥
-القصص

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جل جلاله: {قال} موسى - لما كُلف بالرسالة إلى فرعون: {ربِّ إني قتلتُ منهم نفساً فأخاف أن يقتلونِ} بها، {وأخي هارونُ هو أفصح من لساناً فأرسِلْه معي رِدْءاً}؛ أي: عوناً. يقال: ردأته: أعنته. وقرأ نافع: بالتخفيف، {يُصَدِّقني}: جواب الأمر، ومن رفعه؛ جعله صفة لردء، أي: ردءاً مصدقاً لي. ومعنى تصديقه: إعانته بزيادة البيان، في مظان الجدال، إن احتاج إليه؛ ليثبت دعواه، لا أن يقول له: صدقت، ففضل اللسان إنما يحتاج إليه لتقرير البرهان، وأما قوله: صدقت؛ فسَحْبَانُ وبَاقِلٌ فيه مستويان. {إِني أخاف أن يُكذبون} في دعوى الرسالة.
{قال ستنشُدُّ عَضُدَك بأخيك} أي: سنقويك به؛ إذ اليد تشد بشدة العضد؛ لأنه قوام اليد، فشد العضد كناية عن التقوية؛ لأن العضد، إذا اشتد، قَوِيَ على محاولة الأمور، أي: سنعينك بأخيك، {ونجعلُ لكما سلطاناً}؛ غلبة وتسلطاً وهيبة في قلوب الأعداء، {فلا يَصِلُون إليكما بآياتنا}؛ بسبب آياتنا، القاهرة لهم عن التسلط عليكم، فالباء تتعلق بيصلون، أو: بنجعل لكما سلطاناً، أي: تسلطاً بآياتنا، أو: بمحذوف، أي: اذهبا بآياتنا، أو: هو بيان لغالبون، أي: {أنتما ومن اتبعكما الغالبون}،أي: المنصورون.
الإشارة: إذا اجتمع في زمانٍ نبيان، أو: وليان، لا تجدهما إلا متخالفين في القوة والليونة، أو في السكر والصحو، فكان مُوسَى في غاية القوة، وأخوه في غاية الليونة، وكان موسى عليه السلام في أول الرسالة غالباً عليه الجذب، وأخوه غالباً عليه الصحو، فلذلك استعان به. قال الورتجبي: افهَمْ أن مقام الفصاحة هو مقام الصحو والتمكين، الذي يقدر صاحبه أن يخبر عن الحق وأسراره، بعبارة لا تكون بشيعة في موازين العلم. وهذا حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال:
"أنا أفصح العرب" و "بُعثتُ بجوامع الكلم" . وهذه قدرته قادرية اتصف بها العارف المتمكن، الذي بلغ مشاهدة الخاص، ومخاطبة الخاص، وكان موسى عليه السلام في محل السكر في ذلك الوقت، ولم يطق أن يعبر عن حاله كما كان؛ لأن كلامه، لو خرج على وزان حاله، يكون على نعوت الشطح، عظيماً في آذان الخلق، وكلام السكران ربما يفتتن به الخلق، لذلك سأل مقام الصحو والتمكين بقوله: {واحلل عقدة من لساني}؛ لأن كلامه من بحر المكافحة والمواجهة الخاصة، التي كان مخصوصاً بها عن أخيه. هـ.
ثم ذكر عناد فرعون وتجبّره، فقال: {فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا...}