خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ
٦٣
وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ
٦٤
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ
٦٥
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ
٦٦
فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ
٦٧
-القصص

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: "هؤلاء": مبتدأ. و"الذين": صفته، والعائد: محذوف، و"أغويناهم": خبر.
والكاف في "كما": صفة لمصدر محذوف، أي أغويناهم غياً مثل ما غوينا، و "لو أنهم": جوابه محذوف، أي: لما رأوا العذاب.
يقول الحق جل جلاله: {قال الذين حقَّ عليهم القولُ} بالعذاب، وثبت مقتضاه، وهو قوله تعالى:
{ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } [هود: 119]، وهم الشياطين، أو: أئمة الكفر: ورؤساء الكفرة: {ربنا هؤلاء} الكفرة {الذين أغوينا أغويناهم} أي: دعوناهم إلى الشرك وسوّلناه لهم، قد غَووا غياً {كما} مثل ما {غَوَينا} يقولون: إنا لم نغو إلا باختيارنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم؛ لأن إغواءنا لم يكن إلا وسوسة وتسويلاً، فلا فرق إذن بين غينا وغيهم، وإن كان تسويلنا داعياً لهم إلى الكفر فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان، بما وضع فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل، وأنزل إليهم من الكتب، وهذا كقوله: { وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ... } إلى قوله: { وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ... } [إبراهيم: 22].
ثم قالوا: {تبرَّأنا إليك} منهم فيما اختاروه من الكفر، {ما كانوا إيانا يعبدون}، بل كانوا يعبدون أهواءهم، ويطيعون شهواتهم. فَتَحَصَّلَ من كلام هؤلاء الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم غَرُّوا الضعفاء، وتبرؤوا من أن يكون آلهتهم، فلا تناقض. انظر ابن جزي. وإخلاء الجملتين من العاطف؛ لكونهما مقررتين للجملة الأولى.
{وقيل} للمشركين: {ادعو شركاءَكم} أي: الأصنام؛ لتُخلصكم من العذاب، {فَدَعَوْهُمْ فلم يستجيبوا لهم}، فلم يجيبوهم؛ لعجزهم عن الإجابة والنصرة. {ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون} لَمَّا رأوا ذلك العذاب، وقيل: "لو"؛ للتمني، أي: تمنوا أنهم كانوا يهتدون.
{و} اذكر {يوم يُناديهم فيقولُ ماذا أجبتُمُ المرسلين} الذي أُرسلوا إليكم؟ أي: بماذا أجبتموهم؟ وهو أعلم بهم. حكي، أولاً، ما يوبخهم به؛ من اتخاذهم له شركاء، ثم ما تقوله الشياطين، أو: أئمة الكفر عند توبيخهم؛ لأنهم إذا وبخوا بعبادة الآلهة اعتذروا بأن الشياطين, أو الرؤساء، استغووهم، ثم ما يشبه الشماتة بهم؛ لاستغائتهم بآلهتهم وعجزهم عن نصرتهم. ثم ما يُبَكَّتُونَ به من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل. قال تعالى: {فعَمِيتْ عليهم الانبياء يومئذِ}؛ خفيت عليهم الحجج أو الأخبار. وقيل: خفي عليهم الجواب، فلم يدروا بماذا يجيبون؛ إذ لم يكن عندهم جواب.
قال البيضاوي: وأصله: فعموا عن الانباء، لكنه عكس؛ مبالغة ودلالة على أن ما يحضر الذهن إنما يفيض ويرد عليه من خارج، فإن أخطأه لم يكن له حيلة إلى استحضاره، والمراد بالأنباء: ما أجابوا به الرسل، أو: ما يعمها وغيرَها، فإذا كانت الرسل يتلعثمون في الجواب عن مثل ذلك من الهول، ويفوضون إلى علم الله تعالى؛ فما ظنك بالضلال من البُهم؟. هـ.
{فهم لا يتساءلون}؛ لا يسأل بعضهم بعضاً عن الجواب؛ لفرط الدهشة، أو: عن العذر والحجة، عسى أن يكون عندهم عذر أو حجة. {فأما من تابَ} من الشرك {وآمَنَ} بربه وبمن جاء من عنده، {وعَمِلَ صالحاً} أي: جمع بين الإيمان والعمل، {فعسى أن يكون من المفلحين}؛ من الفائزين عند الله بالنعيم المقيم. و "عسى"، من الكِرام، تحقيق. وفيه بشارة للمسلمين على الإسلام، وترغيب للكافرين في الإيمان. وبالله التوفيق.
الإشارة: قال الذين حق عليهم القول؛ بالانحطاط عن درجة المقربين، والبقاء مع عامة أهل اليمين، وهم الصادُّون الناسَ عن الدخول في طريق القوم: ربنا هؤلاء الذين أغوينا؛ زيناً لهم البقاء مع الأسباب، والوقوف مع العوائد، أغويناهم كما غوينا، فحيث لم نَقَوَ على مقام أهل التجريد، قوينا سوادنا بهم، تبرأنا إليك؛ لأنا لم نقهرهم، ولكن وسوسنا لهم ذلك، ما كانوا إيانا يعبدون، ولكن عبدوا هوى أنفسهم. ثم يقال لهم: ادعوا ما كنتم تعبدونه من حظوظ الدنيا وشهواتها، فدعوهم؛ فلم يستجيبوا لهم، ورأوا عذاب القطيعة، لو أنهم كانوا يهتدون إلى اتباع أهل التربية؛ ما وقعوا في ذلك. ويوم يناديهم فيقول: ماذا أجبتم الداعين، الذين أرسلتهم في كل زمان، يدعون إلى الله، ويرفعون الحجاب بينهم وبين ربهم، فعميت عليهم الأنبياء يومئذٍ، فهم لا يتساءلون عن أحوال المقربين، لغيبتهم عنهم. والله تعالى أعلم.
ثم بين الله تعالى بعض صفاته الحسنى، فقال: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ...}