خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ
٧٦
وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ
٧٧
-القصص

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: "قارون": غير مصروف؛ للعجمة والتعريف، ولو كان "فاعولاً"؛ من قرنت الشيء، لا نصرف لخروجه عن العجمة. { إذ قال }: ظرف لبَغَى أي: طغى حين وُعِظ، ولم يقبل ما وُعظ به، أو: يتعلق بمقدر، أي: أظهر التفاخر بالمال حين قال له قومه: لا تفرح. و"ما": موصولة، و "إنَّ مفاتحه": صلته، ولذلك كسرت.
يقول الحق جل جلاله: { إنَّ قارون كان من قوم موسى } كان إسرائيلياً، ابن عم لموسى وابن خالته، فهو قارون بن يصهر بن قَاهَث بن لاوي بن يعقوب، وموسى بن عمران بن قاهَث. وكان يسمى "المنور"؛ لحُسن صورته وكان آمن بموسى، وكان أحفظ الناس للتوراة، ولكنه نافق كما نافق السامري. { فَبَغَى عليهم }، من البغي، أي: الظلم: قيل: ملَّكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم. أو: من البغي، أي: الكبر، أي: تكبر عليهم بكثرة ماله وولده، وزاد عليهم في الثياب شبراً، فطلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده.
{ وآتيناه من الكنوز ما } الذي { إنَّ مفاتِحَه }؛ جمع مِفتح، بمعنى المقَلد، أي: إن مقاليده { لَتَنُوءُ } أي: تثقل { بالعُصْبَةِ }، الباء للتعدية، يقال: ناء به الحمل: أثقله حتى أماله. والعصبة: الجماعة الكثيرة، وكانت مفاتح خزائنه وقرَ ستين بغلاً، لكل خزانة مفتاح، ولا يزيد المفتاح على إصبع. وكانت من جلود، أي: مغاليقها. وقيل: معنى تنوء: تنهض بِتَكَلُّفِ، ويكون حينئذٍ في الكلام قلب؛ إذ العصبة هي التي تنوء بالمفاتيح، لا العكس، قيل: وسميت أمواله كنوزاً؛ لأنه كان لايؤدي زكاتها، وبسبب ذلك عادى موسى أول عداوته.
{ إذْ قال له قومُه لا تفرح }؛ لا تبطر بكثرة المال؛ فرَح إعجاب؛ لأنه يقود إلى الطغيان. أو: لا تفرح بالدنيا؛ إذ لا يفرح بها إلا من لا عقل له، { إن الله لا يُحب الفَرِحِين: } البطرين المفتخرين بالمال، أو: الفرحين بزخارف الدنيا، من حيث حصول حظوظهم وشهواتهم فيها. قال البيضاوي: الفرح بالدنيا مذموم مطلقاً؛ لأنه نتيجة حبها والرضا بها، والذهول عن ذهابها، قإن العلم بأن ما فيها من اللذة مفارق لا محالة، يوجب التوخي لا محالة، كما قيل:

أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرورٍتَيَقّن عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالاَ

{ وابتغِ فيما آتاك الله } من المال والثروة { الدارَ الآخرة }؛ بأن تتصدق على الفقراء تصل الرحم، وتصرفه في أنواع الخير، { ولا تنس نصيبَكَ من الدنيا }، وهو أن تأخذ ما يكفيك ويصلحك. وقيل: معناه: واطلب بدنياك آخرتك؛ فإن ذلك حظ المؤمن منها لأنها مزرعة الآخرة، فيها تكتسب الحسنات وترفع الدرجات، أي: لا تنس نصيبك منها أن تقدمه للآخرة، { وأحسنْ } إلى عباد الله { كما أحسن الله إليك } فيما أنعم به عليك: أو: أحسن بشكرك وطاعتك لخالق الأنام, كما أحسن إليك بسوابغ الإنعام. { ولا تبغِ الفسادَ في الأرض } بالظلم والبغي وإنفاق المال في المعاصي؛ { إن الله لا يحب المفسدين }؛ لا يرضى فعلهم. والله تعالى أعلم.
الإشارة: في الآية زجر عن الفرح بالدنيا والافتخار بها, بل الفرح بكل ما يَفنِي: كُلُّهُ مذموم. قال في الإحياء: الفرح بالدنيا والتنعم بها سُمٌّ قاتل, يسري في العروق, فَيُخرجُ من القلب الخوفَ والحزنَ, وذكرَ الموت وأهوالَ يوم القيامة, وهذا هو موت القلب, والعياذ بالله, فأولو العزم من أرباب القلوب حزنوا لِمُوَاتَاةِ الدنيا، وَعَلِموا أن النجاة في الحزن الدائم, والتباعُدِ من أسباب الفرح والبطر، فقطعوا النفس عن ملاذها, وعودوا الصبر عن شهواتها, حلالها وحرامها, وعلموا أن حلالها حساب, وهو نوع عذاب, ومن نوقش الحساب عُذّب, فخلَصوا أنفسهم من عذابها, وتوصلوا إلى الحرية والملك في الدنيا والآخرة, بالخلاص من أسر الشهوات ورقها, والأنس بذكر الله تعالى والاشتغال بطاعته. هـ.
وقال يُمْن بن رزق: اعلم أني لم أجد شيئاً أبلغ في الزهد في الدنيا من ثبات حزن الآخرة في القلب, وعلامة ثبات حزن الآخرة في القلب: أنْسُ القلب بالوحدة. هـ. قلت: وهذا مذهب العباد والزهاد, وأما العارفون فقد دخلوا جنة المعارف, فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون, جعلنا الله من خواصهم, بمنِّه وكرمه.
ثم ذكر جواب قارون، فقال: { قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ أَوَلَمْ... }br>